Article image
مشروع تجريبي تجريه شركة سيمنس لإنتاج الهيدروجين الأخضر في الدنمارك.
مصدر الصورة: شركة سيمنس



تُطلق القاهرة مشروعاً تجريبياً لتحفيز إجراءات النشر المبكر لتكنولوجيا إنتاج الهيدروجين الأخضر، وتضع إستراتيجية وطنية لتوطين صناعته في البلاد.

2021-08-31 01:10:25

30 أغسطس 2021

في إطار إستراتيجيتها طويلة المدى للتحول إلى مركز للطاقة الخضراء في الشرق الأوسط، وبعدما حققت نجاحاً كبيراً في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، واستخدام الغاز الطبيعي كبديل نظيف في عمليات التصنيع وتسيير المركبات، وجهت مصر جهودها مؤخراً إلى مصدر آخر من مصادر الطاقة المتجددة، ألا وهو إنتاج الهيدروجين الأخضر.

تحفيز النشر المبكر لتكنولوجيا إنتاج الهيدروجين الأخضر

وقعت مصر، الأسبوع الماضي، ممثلة في الشركة القابضة لكهرباء مصر، مذكرة تفاهم مع شركة سيمنس للطاقة، للتعاون في وضع أسس لإنتاج الهيدروجين والصناعات القائمة عليه في مصر، مع إمكانيات التصدير للخارج. وأوضحت شركة سيمنس في بيان أن مذكرة التفاهم وقَّعها كل من رئيسها التنفيذي كريستيان بروخ، والمهندس جابر الدسوقي رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لكهرباء مصر، خلال مراسم أقيمت في القاهرة بحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، والدكتور محمد شاكر وزير الكهرباء والطاقة المتجددة.

وفي إطار الخطوات الأولية لهذا التعاون، ستقوم سيمنس للطاقة والشركة القابضة لكهرباء مصر بتأسيس وإطلاق مشروع تجريبي تصل فيه قدرة المُحلّلات الكهربائية إلى 100-200 ميجاوات، وهو ما سيساعد على تحفيز إجراءات النشر المبكر لتكنولوجيا إنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر وتأسيس منظومة الشراكة، واختبار البيئة التشريعية، والحصول على شهادات الاعتماد الدولية، وتهيئة علاقات الشراء وتحديد المفاهيم اللوجستية للمشروع.

ويرى الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة وعضو مجلس إدارة جمعية البترول المصرية، أن مصر تنتهج في الوقت الحالي إستراتيجية للوصول إلى مستوى الدول التي تمتلك قدرات وآليات تجعل اقتصادها ناجحاً. ولكي يكون الاقتصاد قوياً ومستمراً لا بد أن يكون لدى الدولة كامل صلاحية تأمين الطاقة.

وأوضح في تصريحات خاصة لموقع إم آي تي تكنولوجي ريفيو أن الاقتصادات الناجحة -كدول مجموعة العشرين (G20)- تعتمد على منظور “مزيج الطاقة”، الذي يتضمن البترول والغاز الطبيعي والفحم والطاقة النووية والطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية.

ما هو الهيدروجين الأخضر؟

الهيدروجين الأخضر هو الهيدروجين الذي يتم توليده من مصادر الطاقة المتجددة بواسطة عملية التحليل الكهربائي أو الكهرلة؛ حيث يستخدم تيار كهربائي لفصل ذرات الهيدروجين عن ذرات الأكسجين في جزيئات الماء، وعندما يكون التيار الكهربائي المستخدم من مصدر متجدد كالرياح أو الشمس تتم عملية الإنتاج دون أي انبعاث لغاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

ويتمتع الهيدروجين الأخضر بالعديد من الميزات، أهمها أنه متجدد بنسبة 100% وسهل التخزين؛ ما يسمح باستخدامه بشكل متعاقب للعديد من الأغراض. كما أنه مرن؛ إذ يمكن تحويله إلى كهرباء أو غاز اصطناعي واستخدامه في القطاعات التجارية والصناعية. ويمكن مزج الهيدروجين الأخضر مع الغاز الطبيعي بنسب تصل إلى 20%، ونقله عبر نفس الأنابيب والبنية التحتية المُستخدمة لنقل الغاز. بيد أن المشكلة الرئيسية التي لا تزال تواجه تكنولوجيا إنتاج الهيدروجين الأخضر هي تكلفته العالية واستهلاكه المرتفع للطاقة.

ويقول القليوبي إنه بالرغم من سهولة الحصول على الهيدروجين، إلا أن التعامل معه كان أمراً خطيراً للغاية، ولم يكن من السهل استخدامه كوقود أو كجزء من مزيج الطاقة. بيد أن الوضع اختلف بعدما نجح العلماء الألمان في استخدام الهيدروجين بطريقة أكثر أماناً، وهو ما أعطى بالتالي نوعاً من الثقة في أن تكون تطبيقاته ناجحة.

وأوضح أن هناك خمسة مصادر طبيعية لغاز الهيدروجين؛ أهمها الماء، ثم الغازات المصاحبة، ثم المستنقعات التي يكثر فيها كبريتيد الهيدروجين، ثم الغلاف الجوي، وأخيراً ضوء الشمس. وذكر أن النسبة الأكبر من الهيدروجين نحصل عليها من التحليل الكهربائي الكيميائي للماء، وهي عملية يمكن من خلالها فصل الهيدروجين عن الأكسجين، والحصول على كلاً منهما في حالة غازية. غير أن حرارة الهيدروجين العالية تجعل منه غازاً قابلاً للاحتراق، وإذا استطعنا الحصول على هذا الهيدروجين دون إصدار انبعاثات كربونية نُطلق عليه “هيدروجين أخضر”.

في الوقت نفسه، هناك نوعان آخران من الهيدروجين، هما الهيدروجين الأزرق والهيدروجين الرمادي، اللذان يُنتج كلٌّ منهما كغاز مصاحب للغاز الطبيعي، وتنتج مصر بالفعل منذ عام 2004 هذين النوعين من الهيدروجين.

إستراتيجية وطنية للهيدروجين في مصر

أوضح وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري محمد شاكر، أن توقيع مذكرة التفاهم جاء عقب توقيع اتفاق نوايا بين الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركة سيمنس للطاقة، في شهر يناير الماضي، للبدء في إجراء المشاورات والمفاوضات بشأن إمكانية تنفيذ مشروع توليد هيدروجين أخضر من طاقة كهربائية متجددة بنظام (EPC +Finance). وأضاف أنه يتم العمل على تبنى تقنيات مختلفة تساعد في طريقة انتقال الطاقة.

إستراتيجية وطنية للهيدروجين في مصر

مصدر الصورة: شركة سيمنس

ونقلت هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة المصرية عن شاكر قوله إنه تم تشكيل مجموعة عمل لدراسة أهمية استخدام تكنولوجيا الهيدروجين لكل قطاع وتحديد فرص توليد الهيدروجين الأخضر واستغلاله في مصر، مشيراً إلى أن مجموعة العمل ستضع خريطة طريق للخطوات المستقبلية لاستخدام الهيدروجين الأخضر، وستتضمن إعداد إستراتيجية وطنية للهيدروجين في مصر، وكذلك وضع خطة عمل لتنفيذ الإستراتيجية ودراسة فرص توطين صناعة الهيدروجين في مصر، مع الأخذ في الاعتبار التجارب الدولية في هذا المجال، حيث سيتم تحديث إستراتيجية الطاقة 2035 لتشمل الهيدروجين الأخضر كمصدر للطاقة.

وكان وزير البترول والثروة المعدنية المصري المهندس طارق الملا، قد ذكر في وقت سابق، أن مصر بدأت خطوات فعلية للدخول في صناعة الهيدروجين وإنتاجه كمصدر نظيف للوقود، مشيراً إلى أن هناك تواصلاً دائماً ومشاركة فاعلة في مختلف الفعاليات العالمية في هذا المجال. وأضاف أن مصر تمتلك مقومات كبيرة ومزايا تنافسية تؤهلها للدخول في صناعة الهيدروجين، خاصة توافر مصادر الغاز الطبيعي لدعم إنتاج الهيدروجين الأزرق الذي يعد مهماً على المَدَيَيْن القصير والمتوسط حتى يمكن إنتاج الهيدروجين الأخضر بفعالية وجدوى اقتصادية عالية.

توجه عالمي

عقب توقيع مذكرة التفاهم، قال السفير نادر سعد المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء المصري، إن إنتاج واستخدام وتصدير الهيدروجين الأخضر يتماشى مع التوجه العالمي في هذا المجال.

وقد نشرت بالفعل عدة دول، من بينها اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، خرائط طريق تعتمد على الهيدروجين لتسريع تخفيض غازات الدفيئة في قطاعات الطاقة أو النقل أو الصناعة. وفي الوقت نفسه، يقوم عدد متزايد من الشركات حول العالم ببناء محطات لإنتاج الهيدروجين الأخضر، أو استكشاف قدرته على إنتاج الصلب، أو استخدامه لتصنيع وقود طيران حيادي كربونياً، أو استغلاله لتوفير مصدر طاقة احتياطي لمزارع المخدِّمات.

ويشير القليوبي أستاذ هندسة البترول والطاقة إلى أن مصر لديها كل الموارد لإنتاج الهيدروجين عن طريق التحليل الكهربائي، لتحلية المياه وإعادة تبخيرها وتكثيفها مرة أخرى. ويضيف أنه بعدما نجحت مصر في استخدام تطبيقات الغاز الطبيعي، سواء نقله أو تخزينه أو إعادة تصديره، بات بالإمكان التعامل مع الهيدروجين بطريقة تكنولوجية متقدمة. بمعنى أنه أصبح من الممكن إنتاجه وتخزينه ونقله، وهو ما جعله عاملاً أساسياً في الطاقة يتم استخدامه لإنتاج الكهرباء المتقدمة النظيفة.

وترى سيمنس أن مصر تتمتع بمزيج وفير من الموارد الطبيعية للطاقة المتجددة وقاعدة صناعية قوية وبنية تحتية متطورة وقدرة على الدخول للأسواق المحيطة، وهو ما يمثل أسساً قوية تمّكن مصر من تأسيس صناعة مزدهرة للهيدروجين الأخضر.