Article image
صف من السيارات في هايوورد، كاليفورنيا، بانتظار الخضوع لاختبار الإصابة بكوفيد-19.
مصدر الصورة: جاستن سوليفان/ صور جيتي



وصلت أميركا إلى حالة مزرية من التخلف عن الركب عما هو متوقع منها، وهو ما سيزيد كثيراً من صعوبة تتبع الفيروس وكبح جماح انتشاره.

2020-04-15 22:32:43

26 مارس 2020

منذ أسبوعين، بدأت أشعر بالمرض. بدأ الأمر بالتهاب البلعوم، ومن ثم ازدياد الضغط في الجيوب الأنفية والصداع، متبوعاً بسيلان في الأنف وسعال. بدأ جسدي يرزح تحت وطأة التعب، وكنت أعاني من الغثيان أثناء تناول الطعام.

في الواقع، فقد أصبت بالكثير من أعراض كوفيد-19 (بما فيها فقدان حاستي التذوق والشم، الذي يعدّه الكثيرون أحدَ الأعراض المميزة لهذا المرض) باستثناء واحد فقط: الحمى. ولكن عندما ذهبت إلى العناية الطارئة (لمرتين)، نفى الأطباء الذين فحصوني في كل مرة أي احتمال للإصابة بكورونا. عزا الأطباء اطمئنانهم إلى عدم وجود حمى واضحة، إضافة إلى أنني لم أغادر البلاد مؤخراً.

يشترك فيروس كورونا في الكثير من الأعراض مع نزلة البرد العادية أو الأنفلونزا. ولهذا، إذا ذهبت إلى الطبيب أو إلى عيادة محلية للخضوع لفحص طبي، فمن المنطقي أن يرغب الطاقم الطبي باختبار إصابتك بكوفيد-19.

قال رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس للمراسلين الصحفيين في 16 مارس: “رسالتنا لجميع البلدان بسيطة وواضحة: اختبروا، اختبروا، اختبروا. اختبروا كل حالة مثيرة للشك، وإذا كانت النتيجة إيجابية، اعزلوا المصاب وحددوا الأشخاص الذين احتك معهم بشكل مباشر قبل يومين من ظهور الأعراض، واختبروا هؤلاء الأشخاص أيضاً”.

ولكن رغم مرور أسابيع على تصريحات المسؤولين الفدراليين الذين قالوا إن الولايات المتحدة ستعزز من قدراتها على إجراء الاختبارات، ما زال الكثير من الأشخاص من دون اختبار. رُفض طلب الكثيرين للخضوع لاختبار بسبب عدم وجود أعراض، حتى مع تصريحهم بشكل واضح عن تواجدهم على مقربة من شخص مصاب بشكل مؤكد. في جميع أنحاء أميركا، تنتشر الشهادات تلو الشهادات من أطباء ومرضى على حد سواء ممن لم يتمكنوا من إجراء اختبار الإصابة بكوفيد-19 على الرغم من وجود أسباب وجيهة. وبعد مرور أسابيع على تصريح المسؤولين حول تصحيح المشاكل الأولية التي تعرض لها الاختبار في كافة أنحاء البلاد في الشهر الماضي، وبعد أن أعلن الرئيس ترامب أن الاختبار متاح لأي شخص راغب في ذلك، ما زال الناس في كافة أنحاء أميركا يعانون من استحالة الخضوع للاختبار، (باستثناء المشاهير، على ما يبدو).

يتضارب هذا بشكل واضح مع البلدان الأخرى التي تعاملت مع الوباء بنظام صارم من الاختبارات وتتبع حالات الاحتكاك المباشر وعزل المصابين والمصابين المحتملين.

وتُعتبر كوريا الجنوبية -حيث وصل عدد الإصابات الجديدة إلى رقم شبه مستقر يربو على 9000 إصابة- مثالاً على قدرة الاختبارات الصارمة (من دون الإجراءات الجائرة التي لجأت إليها الصين) في المساعدة على تسطيح منحني الإصابات بشكل فعال. تجري هذه البلاد حوالي 20,000 اختبار يومياً، وتقدم خدمات مثل الاختبارات السريعة ضمن السيارة، حيث تؤخذ عينة منك خلال دقائق، وتُرسل النتائج إليك برسالة نصية في اليوم التالي. حتى الآن، خضع أكثر من 327,000 من سكان كوريا الجنوبية إلى الاختبار، أي بنسبة 1 على 170 تقريباً.

لنقارن هذا مع الولايات المتحدة، التي أعلنت عن أول إصابة مؤكدة بفيروس كورونا في نفس اليوم مع كوريا الجنوبية، أي 20 يناير. وفي تصريح لأسوشييتد برس، قال أشيش جا، مدير معهد الصحة العالمي في جامعة هارفارد، إن الولايات المتحدة يجب أن تختبر 150,000 شخص يومياً. ولكن بدلاً من ذلك، لم تحقق الولايات المتحدة سوى رقم مثير للشفقة يساوي 40,000 اختبار يومياً. وبتاريخ 24 مارس، وصل عدد الذين خضعوا للاختبار في الولايات المتحدة إلى ما يربو على 350,000 شخص، أي بنسبة 1 على 943 تقريباً.

أي أننا -ببساطة- لا نقوم بما نحتاج إليه لإيقاف انتشار الفيروس، وهو اختبار أكبر عدد ممكن من الناس وبسرعة.

يقول جوشوا شارفستاين، نائب عميد ممارسات الصحة العامة والمشاركة الاجتماعية في جامعة جونز هوبكنز: “من الواضح للغاية أن الناس يستطيعون الخضوع للاختبار في كوريا الجنوبية بسرعة كبيرة. تحتاج هذه السرعة إلى أكثر من مجرد توافر الاختبار، فهي أيضاً تتطلب تنظيماً أفضل”. من ناحية أخرى، يقول إن نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة “ليس مجهزاً لأمر كهذا”.

وهو ما يجب أن يثير ذعر الأميركيين؛ فقد تباطأت إيطاليا أيضاً في إجراء الاختبارات، بوتيرة تساوي ثلث وتيرة كوريا الجنوبية تقريباً، حيث تُرك المرضى وشأنهم لمتابعة نشاطاتهم الطبيعية، غير مدركين لكونهم ينشرون الفيروس، حتى انفجرت أعداد الإصابات بشكل فجائي. الآن، ثبتت إصابة حوالي 70,000 شخص في إيطاليا بكوفيد-19، مع وفاة 6,820 شخصاً، وذلك وفقاً لجامعة جونز هوبكنز. يمكن أن تنحدر الولايات المتحدة بسهولة إلى وضع مماثل إذا لم يُحدد بوضوح من هم المصابون وكيف يمكن تتبعهم.

تدعو توجيهات مركز السيطرة على الأمراض إلى إعطاء الأولوية باختبار أي مريض في المستشفى يعاني من “دلالات أو أعراض تتوافق مع كوفيد-19″، والأشخاص المعرضين بسهولة للإصابة (الذين تجاوز عمرهم 65 عاماً، ومن يعانون من أمراض مزمنة، وذوي الأنظمة المناعية الضعيفة)، وأي شخص يعاني من أية أعراض بعد 14 يوماً من الاحتكاك مع مصاب بكوفيد-19 أو شخص سافر من قبل إلى إحدى المناطق التي انتشر فيها الوباء، مثل الصين وإيطاليا وإيران وكوريا الجنوبية. وفقاً لشارفستاين، هذا يعني اختبار الأشخاص الذين يعانون على الأقل من مرض “متوسط”، مع حمى وسعال.

ولكن هذا أبعد ما يكون عما يطبق فعلياً على الأرض. وعلى سبيل المثال، فإن بعض المدن مثل نيويورك ولوس أنجلوس تشجع على عدم إجراء الاختبار لأي شخص لا يعاني من أعراض شديدة.

وهذه مشكلة حقيقية، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نشر العدوى لا يقتضي حتى وجود أعراض. قد لا تظهر أعراض المرض قبل مرور 14 يوماً على الإصابة. ومن الواضح أن من مصلحتنا اختبار أكبر عدد ممكن من الأشخاص في أقصر فترة زمنية ممكنة؛ وذلك لتطبيق الحجر الصحي الذاتي فورياً وتخفيف فرص انتقال المرض في حال ثبوت الإصابة.

يقول شارفستاين: “يجب أن يكون هناك معايير محددة لكل مكان اختبار. في المستشفيات، من الواضح أن الحالات المرضية الشديدة ستخضع للاختبار. ولكن بالنسبة للعامة، يجب أن توجد مجموعة من التعليمات التي تحدد ما يجب فعله وأين يمكن إجراء الاختبار في حالة وجود أية أعراض. من المرجح وجود مئات الآلاف من الأشخاص الذين يعانون من الأعراض ويتنقلون هنا وهناك”.

لماذا لا نختبر عدداً أكبر من الأشخاص؟ يمثل نقص تجهيزات الاختبارات المشكلة المباشرة، ولكن شارفستاين يشير أيضاً إلى أن “هذا يضاف إلى الفوضى العارمة في نظام الرعاية الصحية. لا يتصف نظام الرعاية الصحية لدينا بالتنظيم، وما يحدث الآن يتوافق مع هذا المسار”.

في الشهر الماضي، فشل مركز السيطرة على الأمراض في إطلاق مجموعات الاختبار التي تعتمد على تفاعل البوليميراز المتسلسل، الذي أرسله إلى مختبرات الولايات في جميع أنحاء البلاد. تبيّن بسرعة أن الكثير من هذه الاختبارات كانت تعطي نتائج إيجابية زائفة بسبب الكواشف الفاسدة، مما يجعلها عديمة النفع ويرغم المختبرات على شحن عينات المرضى إلى مركز السيطرة على الأمراض نفسه لاختبارها.

وقد حاولت إدارة الغذاء والدواء تصحيح الوضع عن طريق رفع القيود التي كانت تمنع المختبرات المحلية والخاصة من تطوير اختباراتها الخاصة دون “تصريح طارئ”. بدأت الكثير من المختبرات بتسريع عملها، خصوصاً في المناطق التي تعرضت للعديد من الإصابات مثل سياتل، حيث يعالج مختبر الفيروسات في جامعة واشنطن 3000 مجموعة اختبار يومياً، أي أقل من المطلوب. منذ حوالي أسبوعين، أقرت إدارة ترامب إجراءات جديدة لتسريع عملية إنتاج الاختبارات وتطبيقها، بما في ذلك موافقة إدارة الغذاء والدواء على اختبار جديد. كان يفترض بهذه التغييرات أن تساعد على توفير نصف مليون اختبار إضافي في الأسبوع الماضي.

ولكن المشكلة لا تكمن في نقص مجموعات الاختبار الفعلية وحسب، بل يتوجب تأمين الحماية من الإصابة للعاملين في مجال الرعاية الصحية عن طريق تزويدهم بالأقنعة والأردية، كما يحتاجون إلى أدوات أساسية مثل المسحات الأنفية لجمع العينات. يساهم نقص هذه المواد في إبطاء العمل.

في ظل هذه الفوضى، يحاول مسؤولو الصحة تجنب المطالب التي تستنزف الوقت والموارد من المرضى الذين يحتاجون إلى مساعدة فورية، وبالتالي يضطر الأطباء ومسؤولو الصحة المحليون إلى اختيار من سيخضع للاختبار ومن لا يخضع.

يقول أنتوني فوسي، رئيس المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، في شهادته أمام الكونجرس بتاريخ 12 مارس: “إن النظام ليس مجهزاً لما نحتاجه الآن، وما تطالبون به الآن. إنه ينهار، ويجب أن نعترف بهذا”.

ربما كنت حقاً مصاباً بكوفيد-19، وربما لا. لست متأكداً من أي من الاحتمالين، وربما لن أعرف على الإطلاق. من المخيف التفكير في احتمال أنني كنت أحمل الفيروس وأنشره دون أن أعرف، وأنه يوجد العديد ممن يتعرضون لظروف مماثلة بسبب الحالة المزرية لنظام الاختبارات في الولايات المتحدة.