لعب دوراً محورياً في نشوء الثورة الرقمية الحديثة، باختراع ترانزستور موسفيت وتطوير معايير حماية وأمان، أبرزها رمز التعرف الشخصي وصندوق عطا الله.

2020-08-13 18:00:13

13 أغسطس 2020
Article image
مصدر الصورة: موقع قاعة المشاهير الوطنية للمخترعين (invent.org)

توطئة: من قال إن العبقري إنسانٌ متخصص في مجالٍ واحد فقط؟

عادةً ما ترتبط أسماء العلماء المشهورين بمجالٍ واحد فقط، فعندما يأتي ذكر ألبرت أينشتاين، فإن الحديث غالباً ما يكون متمحوراً حول التفسيرات الغريبة للنظرية النسبية في الفيزياء، وعندما يُذكر إسحق نيوتن فإن أول ما سيطرأ على الذهن هو اكتشافه لقانون الجاذبية العالمي. كل عالمٍ ترك بصمته في مجال اختصاصه حتى أصبح اسمه مرادفاً لمفهومٍ أو نظريةٍ ما.

إلا أن هذه ليست هي الحال دائماً؛ يستطيع البعض أن يُبدعوا ضمن مجالاتٍ متنوعة، قد لا تمتلك ترابطاً وثيقاً فيما بينها. والعالم المصري محمد عطا الله هو أحد هؤلاء الأشخاص الذين تركوا سيرةً ذاتية مذهلة، بدأها عبر تخصصٍ أكاديمي عالي المستوى في الهندسة الميكانيكية، ثم انتقل للصناعة الإلكترونية ليقدم للبشرية أحد أكثر التقنيات تأثيراً في عصرنا الحديث، وأخيراً خاضَ في مجال الحماية الرقمية ليترك معايير وتقنيات لا تزال توفر الحماية لمعظم العمليات المالية حول العالم.

النشأة والدراسة

ولد محمد عطا الله في 24 ديسمبر من عام 1924 في مدينة بورسعيد المصرية، ودرس في جامعة القاهرة التي حصل منها على شهادة الإجازة الجامعية، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية لإكمال تعليمه العالي، حيث درس في جامعة بوردو التي حصل منها على شهادة الماجستير سنة 1947، وأتبعها بدرجة الدكتوراه سنة 1949، وكلاهما في الهندسة الميكانيكية. من الجدير بالذكر أن محمد عطا الله قرر أثناء وجوده تبنّي اسم مارتن جون، ولذلك فإن البحث عنه ضمن العديد من المراجع والمقالات الإنجليزية سيؤدي للعثور على اسم مارتن جون عطا الله.

الثورة الرقمية: ترانزستورات موسفيت تصبح حقيقة

انتقل عطا الله للعمل في مجال الصناعيّ ضمن الشركات مباشرةً بعد إنهائه لدرجة الدكتوراه، ولم ينخرط في العمل البحثي أو الأكاديمي ضمن الجامعات؛ حيث بدأ مسيرته المهنية في شركة مختبرات بيل سنة 1949 ضمن مشاريع تتعلق بوثوقية الحواكم الكهروميكانيكية. ولكن مع نشوء الترانزيستورات، انتقل عطا الله للعمل ضمن مختبرٍ آخر ضمن الشركة للتركيز على الجهود المتعلقة بتطوير الترانزيستورات، وذلك بدءاً من سنة 1956، بالرّغم من أن خلفيته العلمية غير مرتبطة مباشرةً بمجال صناعة أنصاف النواقل أو الفيزياء الكيميائية، وهو ما انعكس على عدم تلقّيه اهتماماً كبيراً من إدارة الشركة. كل هذه الأمور لم تُشكل عائقاً أو مشكلة لعطا الله وفريقه، الذين تمكنوا خلال عملهم الممتد من 1956 وحتى 1960 من إحداث ثورةً هائلة في عالم الصناعة الإلكترونية، غيرت من وجهها إلى الأبد.

في البداية، قام عطا الله وفريقه بتطوير تقنيات تصنيع رائدة وفريدة لمعالجة المواد نصف الناقلة، وأبرزها تقنية التخميل السطحي (Surface Passivation) بالإضافة لتقنيات الأكسدة الحرارية. بعد ذلك، عمل عطا الله على التصدي لمشكلةٍ تقنية هامة: تصنيع ترانزستورات تأثير المجال (FET)، التي تم توصيفها لأول مرة في عشرينيات القرن الماضي، ثم تم إثبات إمكانية تشكيلها مخبرياً في أربعينيات القرن الماضي، إلا أنها لم تجد طريقها لمجال الاستخدام التجاري والصناعي بسبب عدم توافر تقنية تصنيع تتيح استخدامها على نطاقٍ واسع. اقترح عطا الله طريقةً لتشكيل ترانزستورات تأثير المجال عبر استخدام الأكسيد المعدني مستفيداً من أعماله السابقة في تقنية التخميل السطحي وتقنيات الأكسدة، وعبر تعاونه مع داون كانغ (Dawon Kahng)، تمكن الاثنان من تصنيع أول ترانزستور تأثير مجال ذي أكسيد معدني (اختصاراً موسفيت MOSFET) سنة 1959، ومن ثم تم عرض نتائج عملهما لأول مرة سنة 1960.

يمتلك ترانزستور موسفيت خصائص تجعله يتميز عن الترانزستورات ثنائية القطبية (BJT) بكونه ذا استهلاكٍ منخفضٍ للطاقة وسرعة تبديل عالية للحالات المنطقية وقابلية تصنيعه بأبعادٍ صغيرة، ما جعل منه الخيار الأول في تصنيع الدارات المتكاملة ووحدة البناء الأساسية لبناء شرائح المعالجة الحاسوبية، وهو ما حدث سريعاً عبر إطلاق شركة إنتل لأول معالجٍ حاسوبي صغري على الإطلاق سنة 1964، وهو المعالج 4004.

من المهم إدراك أثر العمل الذي قام به عطا الله خلال عمله ضمن شركة مختبرات بيل؛ ترانزستورات تأثير المجال ذو الأكسيد المعدني هي الحجر الأساس والعمود الفقري لصناعة أنصاف النواقل والصناعة الإلكترونية الحديثة، وهذا الاختراع سمح بإحداث ثورةٍ تقنية هائلة أدت بالنتيجة للوصول إلى العصر الرقميّ الحديث، فكل الأجهزة الإلكترونية من حولنا تعتمد بداخلها على داراتٍ متكاملة (سواء كانت معالجات أو ذواكر أو حتى حساسات) تتضمن بداخلها عدداً هائلاً من ترانزستورات موسفيت التي يصل عددها للمليارات ضمن شرائح المعالجة الحاسوبية.

لإدراك أهمية ترانزستور موسفيت، يكفي أن نعلم أنه أكثر جهاز أو أداة تم تصنيعها في تاريخ البشرية، حيث بلغ عدد ترانزستورات موسفيت التي تم تصنيعها 13 سكستيليون ترانزستور، أي 13.000.000.000.000.000.000.000 ترانزستور، وبحسب مكتب براءات الاختراع الأميركية، فإن تصنيع ترانزستور موسفيت هو من الأمور التي ساهمت بتغيير شكل الحياة والثقافة ككل حول العالم، وهو ينتمي من دون أدنى شك إلى قائمة أبرز الاختراعات التقنية في تاريخ الصناعة الإلكترونية، إن لم يكن أبرزها.

على الرّغم من أهمية أعماله وأبحاثه في شركة مختبرات بيل، إلا أن عطا الله قرر تركها والانتقال لشركة إتش بي الشهيرة، ويساهم في تأسيس قسم في الشركة حمل اسم شركاء إتش بي (HP Associates)، الذي تم تخصيصه ليكون قسماً متخصصاً في صناعة أنصاف النواقل ضمن شركة إتش بي، وهناك تابع عطا الله أبحاثه وجهوده على ديودات شوتكي، الذي أفضى لتقنيات تصنيع رائدة أمكن عبرها التغلب على كل المشاكل المتعلقة بتصنيع ديود شوتكي، كما عمل على تطوير أدوات الإظهار المصنوعة من الديودات الباعثة للضوء (LEDs)، التي أفضت لإنتاج أول شاشة إظهار تعتمد على الديودات الباعثة للضوء سنة 1968. لم تستمر فترة عمل عطا الله ضمن شركة إتش بي طويلاً، إذ قرر تركها سنة 1969 والانضمام لشركة فيرتشايلد (Fairchild Semiconductor)، التي عمل فيها حتى سنة 1972 نائباً لرئيس الشركة ومديراً لقسم الإلكترونيات الضوئية.

الحماية والأمان: والد رمز التعرف الشخصي

بعد سنين طويلة حافلة بالإنجازات الهامة في مجال الصناعة الإلكترونية وأنصاف النواقل، قرر عطا الله سنة 1972 أن ينتقل لمجالٍ جديد كلياً وهو تقنيات التشفير وحماية البيانات، ليؤسس شركته الخاصة التي حملت اسم مؤسسة عطا الله (Atalla Corporation)، وساهمت بشكلٍ كبير في تغيير شكل المعاملات البنكية عبر أجهزة الصراف الآلي (ATMs)، حيث اخترعت المؤسسة أولَ وحدة حماية عتادية (HSM) التي عرفت أيضاً باسم صندوق عطا الله (Atalla Box)، والتي تم إطلاقها سنة 1973، وهي تلعب دوراً محورياً في توفير الحماية لعمليات التحويل المالي، وتمثل اليوم المعيار المرجعي لحماية عملية الدفع عبر البطاقة؛ إذ إنها توفر الحماية لأكثر من 250 مليون عملية تحويل عبر البطاقات البنكية كل يوم، وأكثر من 90 مليار عملية تحويل سنوياً، بحسب إحصاءات سنة 2013. فضلاً عن كون تقنية صندوق عطا الله هي الوسيلة المرجعية والأساسية في حماية عمليات التحويل المالي عبر أجهزة الصراف الآلي. تغير اسم مؤسسة عطا الله حيث تحمل اليوم اسم أوتيماكو Utimaco، والتي لا تزال تعمل في مجال تزويد خدمات ومعايير الحماية الرقمية خصوصاً في المجال المصرفي.

لعب عطا الله دوراً هاماً في مجال تكنولوجيا وأمن المعلومات؛ إذ إنه ساهم أيضاً في تطوير رمز التعرف الشخصيّ (PIN)، الذي يعتمد على تقنيات التشفير لإنشاء وسيلةٍ يمكن عبرها التحقق من معلومات المستخدمين بوثوقيةٍ عالية، وبما يسمح بإجراء العمليات البنكية بحمايةٍ وأمان. ونظراً لأهمية هذه التقنية ودورها الكبير في تحسين مجال الخدمات المصرفية وحماية بيانات المستخدمين، أصبح عطا الله يُعرف على صعيدٍ واسع على أنه والد رمز التعرف الشخصي (Father of the PIN).

أعلن عطا الله عن تقاعده عن العمل الاحترافيّ سنة 1990، وذلك بعد أن دمج مؤسسة عطا الله مع شركة تاندم، إلا أنه عاود نشاطه وعمله عبر تأسيس شركة تريستارا TriStara سنة 1993، بعد قيام مجموعة من مدراء المصارف في الولايات المتحدة بالتواصل معه وإخباره عن مخاوفهم بسبب عدم حصول ابتكاراتٍ تقنية في مجال الحماية والأمان، التي من شأنها إنشاء بيئة فعالة للتجارة والأعمال المالية الإلكترونية، وبالرّغم من تقديم الشركة لمبدأ مبتكر في كيفية حماية المعلومات والبيانات، إلا أن الشركة لم تنجح، وبقيت فاعلة حتى سنة 1999 فقط.

حصل عطا الله على جوائز وتكريماتٍ كثيرة خلال مسيرته الحافلة، وأبرزها تقليده ميدالية بنجامين فرانكلين في الفيزياء سنة 1975؛ تقديراً لجهوده في تطوير ترانزستور موسفيت، كما حصل على دكتوراه فخرية من جامعة بوردو.

توفي محمد عطا الله بتاريخ 30 ديسمبر سنة 2009 في أثيرتون، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية.