Article image
رائدة الفضاء كارين نيبورج تفحص عينيها باستخدام منظار قاع العين على متن محطة الفضاء الدولية.
مصدر الصورة: ناسا



أكبر دراسة على الإطلاق لصحة رواد الفضاء تقدم لنا أدلة عما يجب البحث عنه في البعثات الفضائية طويلة المدى في المستقبل.

2020-11-28 18:10:26

28 نوفمبر 2020

من المعروف أن رائد الفضاء سكوت كيلي أمضى مدة 340 يوماً عمل فيها على متن محطة الفضاء الدولية، وهي أطول فترة قضاها مواطن أميركي في الفضاء. وقد تمكن العلماء بفضل بعثته هذه من الحصول على بعض المعلومات الجوهرية عما يحدث للجسم البشري خلال فترات الإقامة الطويلة في المدار؛ ذلك لأن كيلي لديه أخ توأم يدعى مارك، وهو رائد فضائي أيضاً، وسيغدو عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي عما قريب. حصل العلماء بفضل التوأمين كيلي على فرصة نادرة؛ فأثناء دراستهم للتغيرات التي كانت تطرأ على جسم سكوت خلال العام الذي قضاه في الفضاء، استفادوا من وجود “موضوع مرجعي” وهو مارك، الذي بقي على الأرض.

قدمت دراسة التوأمين التي أجرتها ناسا دليلاً إضافياً على ما كنا نشتبه فيه بالفعل. عندما تكون داخل كبسولة ضيقة في ظروف الجاذبية الصغرى والتعرض للإشعاعات لفترات طويلة، فإن الجهاز المناعي يتعرض للضرر، ويتغير شكل العينين للأسوأ، وتتضاءل الكتلة العضلية والعظمية بشكل ملحوظ.

لكننا تعلمنا شيئاً عن بعض التأثيرات المدهشة أيضاً؛ فقد طرأت تغيرات على الميكروبات المعوية عند كيلي، وتباطأت قدراته الإدراكية، وهناك بعض الجينات التي تم تنشيطها في حين تم تثبيط البعض الآخر منها، كما تعرضت الكروموسومات لديه إلى تغيرات بنيوية.

يقول كريستوفر ميسون، الأستاذ المساعد للفيزيولوجيا والفيزياء الحيوية في كلية وايل كورنيل للطب: “قدمت لنا دراسة التوأمين مخططاً أولياً لاستجابات جسم الإنسان الجزيئية للرحلات الفضائية، إلا أنه يتعين استكمال تفاصيل هذه الخطوط العريضة”. ويضيف: “كانت التغيرات التي لحظناها في حاجة إلى استيضاح المزيد من الأدلة المرتبطة بظروف الدراسة، وتكرار التجربة. كنا في حاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات لتحديد وتيرة التغيرات التي لحظناها عند رواد آخرين، وعند الكائنات الحية الأخرى التي تذهب إلى الفضاء، وكذلك لمعرفة ما إذا كانت درجة التغيير مماثلة في حالة البعثات الأقصر”.

يقودنا هذا إلى حزمة جديدة من الأبحاث التي تعتمد على دراسة التوأمين، وإعادة تحليل جزء من البيانات الأصلية باستخدام تقنيات جديدة وإجراء المقارنات مع رواد فضاء آخرين. في مجموعة مكونة من 16 دراسة نُشرت في 25 نوفمبر في عدد كبير من المجلات المختلفة (بالإضافة إلى 10 مسوّدات بحثية لا زالت قيد المراجعة)، قام باحثون أمثال ميسون (وهو المؤلف الرئيسي لأربعة عشر بحثاً منها) بدراسة التغيرات الفيزيولوجية، والكيميائية الحيوية، والجينية التي طرأت على أجسام 56 رائد فضاء (بما في ذلك كيلي) قضوا فترة من الزمن في الفضاء، والتي تعد أكبر دراسة من نوعها على الإطلاق. 

تكشف الأوراق البحثية الجديدة، التي تتضمن نتائج أسفرت عنها تقنيات تصنيف الخلايا وتحديد التسلسل الجيني التي أصبح تشغيلها مؤخراً فحسب أسهل من ذي قبل، أن “هناك بعض العوارض التي تميز الرحلات الفضائية والتي تظهر باستمرار على البشر والفئران وغيرها من الحيوانات عند الذهاب إلى الفضاء”. ويضيف: “يبدو أن هناك مجموعة أساسية من عمليات التكيف والاستجابة لدى الثدييات تجاه الظروف القاسية التي تفرضها الرحلات الفضائية”.

بين الجيد، والسيئ، والعصي على التفسير

يسلط الباحثون الضوء على 6 تغيرات بيولوجية تطرأ على جميع رواد الفضاء خلال الرحلات الفضائية: الإجهاد التأكسدي (وهو تراكم مفرط للجذور الحرة في خلايا الجسم)، وتلف الحمض النووي، واختلال عمل المصورات الحيوية، والتغير في تنظيم الجينات، والتغيرات في أطوال التيلوميرات (وهي النهايات الطرفية للكروموسومات، التي يتقلص طولها مع تقدم العمر)، وتغيرات في الميكروبات المعوية.

من بين هذه التغيرات الستة، شكل الاختلال في عمل المصورات الحيوية المفاجأة الأكبر بالنسبة للعلماء. تلعب المصورات الحيوية دوراً بالغ الأهمية في إنتاج الطاقة الكيميائية اللازمة للحفاظ على عمل الخلايا -وبالتالي عمل الأنسجة والأعضاء- بشكل سليم. وقد اكتشف الباحثون أن أداء المصورات الحيوية لم يكن منتظماً عند العشرات من رواد الفضاء، وتمكنوا من تمييز هذه التغيرات على نطاق واسع بفضل التقنيات الجديدة المستخدمة في مجالي الجينوميات والبروتيوميات. يقول أفشين بهشتي، عالم المعلوماتية الحيوية في ناسا والمؤلف الرئيسي لإحدى الدراسات، إن تثبيط المصورات الحيوية يساعد في استيضاح عدد المشكلات التي يعاني منها رواد الفضاء (مثل قصور الجهاز المناعي، واختلال إيقاع الساعة البيولوجية، والمضاعفات العضوية) التي ترتبط ببعضها البعض بشكل كلي؛ لأنها تعتمد جميعها على نفس المسارات الأيضية.

يقول بهشتي: “عندما تكون في الفضاء، فإن التأثير لا يطال عضواً واحداً فحسب، بل يتأثر الجسم كله”. ويضيف: “لقد بدأنا نربط الأمور بعضها ببعض”.

ركز بحثٌ آخر على المشكلات التي تم لحظها على المستوى الجيني؛ حيث أظهرت دراسة التوأمين أن التيلوميرات عند كيلي قد تمددت في الفضاء قبل أن تعود وتتقلص إلى أطوالها الطبيعية أو حتى الأقصر منها بعد فترة وجيزة من عودته إلى الأرض. يفترض بالتيلوميرات أن يتقلص طولها مع تقدم العمر، لذا فإن استطالتها تبدو أمراً غير منطقي، ولم تقدم دراسة التوأمين بيانات كافية لإثارة أي استنتاجات حقيقة تفسر ما حدث وتوضح ماهية التأثيرات التي طرأت. 

تقول سوزان بايلي، الخبيرة في أبحاث التيلوميرات في جامعة ولاية كولورادو والمؤلفة الرئيسية للعديد من الأوراق البحثية، إن البحث الجديد قد وجد أن ظاهرة استطالة التيلوميرات حدثت عند 10 رواد فضاء آخرين مثلما حدثت عند كيلي تماماً بصرف النظر عن مدة البعثة الفضائية، كما أن ظاهرة تقلص التيلوميرات حدثت أيضاً لديهم بمجرد عودتهم إلى الأرض.

والجدير بالذكر، أن إحدى الأوراق البحثية ضمن الحزمة الجديدة وجدت أن التيلوميرات الأطول كانت مرتبطة أيضاً بمتسلقي جبل إيفرست. بالنسبة لبايلي وزملائها، يشير هذا إلى أن استطالة التيلوميرات تتأثر بالإجهاد التأكسدي، وهو أمر يعاني منه كل من متسلقي الجبال ورواد الفضاء، ما يؤثر سلباً على إمكانية صيانة التيلوميرات بالشكل الملائم.

ما يتعرض له رواد الفضاء خارج الأرض

رائد الفضاء أكيهيكو هوشيدي يسحب الدم من وريده على متن محطة الفضاء الدولية.
مصدر الصورة: ناسا

ما زالوا يحاولون تحديد كيفية عمل هذه المسارات وما هي العواقب المحتملة بالضبط (من المستبعد أن يكون هذا أحد أسرار الحصول على حياة مديدة)، ولكن “لدينا الآن أساس يمكننا البناء عليه، فنحن نعرف الآن ما الذي نبحث عنه وما الذي ينبغي لنا معرفته في رواد الفضاء المستقبليين في البعثات الاستكشافية طويلة الأمد التي تستهدف أعماق الفضاء”، كما تقول بايلي.

على الرغم من أن بعض التغيرات غير متوقعة، إلا أن الكثير منها لا يدعو إلى القلق. يقول جيفري ساتون، مدير مركز طب الفضاء في كلية بايلور للطب، الذي لم يشارك في البحث الجديد: “ما يدهشني هو مدى قدرتنا على التكيف مع الفضاء بصورة جيدة”.

عندما كان كيلي في الفضاء تناقصت طفرات خلايا الدم لديه، ما شكل مفاجأة صادمة بالنسبة لميسون. أظهر رواد الفضاء أيضاً مستويات منخفضة من المؤشرات الحيوية التي تترافق عادة مع التقدم في العمر وزيادة مستويات الأحماض النووية الريبوزية الميكروية التي تنظم استجابة نظام الأوعية الدموية للأضرار الإشعاعية والجاذبية الصغرى. وإحدى أغرب الاكتشافات أن الميكروبات المعوية لرواد الفضاء تمكنت من إحضار ميكروبات فضائية -تم العثور عليها على متن محطة الفضاء الدولية- معها إلى الأرض.

يقول ساتون: “إن الدراسات مثيرة حقاً للإعجاب سواء على المستوى الفردي منها أو الجماعي”. ويضيف: “لقد دخلنا حقبة جديدة من الأبحاث الطبية الحيوية في الفضاء، حيث يتم تطبيق مقاربات وأدوات خاصة بالطب الدقيق والانتقالي لتعزيز فهمنا للتكيف البشري مع الفضاء”.

مخاوف الفترات الطويلة

ومع ذلك، فإن البيانات في نهاية المطاف تسلط الضوء على مدى الاضطراب والإجهاد الذي تعرضت له حتى أكثر الأجسام تمتعاً بالصحة خلال البعثات الفضائية، الذي ينبغي له أن يؤثر على كيفية التخطيط لإرسال بعثات فضائية أطول. يقول سكوت كيلي: “لا أظن أننا اقتربنا من اليوم الذي نرسل فيه أشخاصاً غير مدربين إلى الفضاء لفترات طويلة جداً”.

من الناحية الفيزيولوجية، يعتقد كيلي أنه ربما يكون من الآمن إرسال أشخاص إلى المريخ ثم العودة إلى الأرض. ولكن في المستقبل البعيد، “بدلاً من الذهاب إلى المريخ، سنتوجه إلى أقمار المشتري أو إلى أقمار زحل”. ويضيف كيلي: “ستبقى في الفضاء لسنوات. وفي تلك المرحلة، سيتعين علينا أن ندرس بمزيد من الإمعان الجاذبية الاصطناعية باعتبارها وسيلة للتخفيف. لا أريد أن أهبط على سطح جرم كوكبي آخر وأنا عاجز عن العمل. البقاء في الفضاء لمدة سنة أو نحو ذلك، أمر قابل للتطبيق. أما البقاء لعدة سنوات، فهو ليس كذلك على الأرجح”.

ما يتعرض له رواد الفضاء خارج الأرض

سكوت كيلي وهو يستخدم الأمواج فوق الصوتية لتصوير وريده الوداجي بمساعدة جينادي بادالكا، من أجل تقييم فعالية الإجراء المضاد للضغط السلبي للجزء السفلي من الجسم، لعكس اتجاه انتقال السوائل باتجاه الرأس، الذي يحدث في بيئة الفضاء التي ينعدم فيها الوزن.
مصدر الصورة: ناسا

ما زال أمامنا الكثير قبل أن نضطر إلى تقييم هذه الأنواع من المخاطر. يشير ميسون وزملاؤه إلى ضرورة وجود إستراتيجيات دوائية لتقليل آثار الجاذبية على أجسام رواد الفضاء العائدين إلى الأرض. 

يعتقد ساتون أنه يمكن للطب الدقيق أن يلعب دوراً كبيراً في تصميم هذه الأدوية لحماية رواد الفضاء من تأثيرات الجاذبية الصغرى والإشعاعات. وتشير الاستجابات الحيوية التي يتشارك فيها رواد الفضاء ومتسلقو جبل إيفرست، إلى أن بعض التدخلات المتبعة لحماية ممارسي الرياضات الشاقة من الإجهاد التأكسدي يمكن تطبيقها أيضاً في حالة رواد الفضاء.

ما نحتاج إليه هو الحصول على المزيد من البيانات، والاعتماد على مجتمع إحصائي أكبر لإجراء المقارنة. بدأ ميسون وبايلي وزملاؤهما يجمعون المعلومات الخلوية والجينية للمزيد من رواد الفضاء، لا سيما أولئك الذين سيتوجهون إلى الفضاء في المستقبل على متن بعثات تمتد لعام كامل. كما أنهم يرغبون في دراسة الأشخاص الذين واجهوا ظروفاً أخرى مشابهة بطريقة ما للرحلات الفضائية، مثل مرضى العلاج الإشعاعي، والطيارين، ومضيفات الطيران.

تقول بايلي: “كلما زادت معرفتنا عن التأثيرات الصحية للرحلات الفضائية طويلة الأمد، زادت قدرتنا على المساعدة في الحفاظ على صحة وأداء رواد الفضاء سواء في أثناء الرحلات الفضائية أو بعدها”. وتضيف أخيراً: “تصب هذه المعرفة في مصلحة أولئك منا على الأرض أيضاً، فجميعنا قلقون بشأن مسألة التقدم في السن، وأن تسوء حالتنا الصحية”.