Article image




من الفن إلى مكافحة التزييف.. كيف تُشكل تقنية ظهرت في منتصف القرن الماضي مستقبل المؤثرات البصرية المُنتظر؟

2020-06-07 11:25:56

03 مارس 2020

هل ترغب في رؤية شخص فقدته منذ سنوات؟ أو ربما تحلم بالعودة إلى الماضي لحضور حفلة لمطربك المفضل؟ للوهلة الأولى يبدو الأمر مستحيلاً، لكن التطورات المتسارعة في تقنية التصوير المُجسم، والمعروفة باسم “الهولوغرام”، فتحت الباب بالفعل لتحقيق هذه الأحلام. فبفضل هذه التقنية الثورية في عالم المؤثرات البصرية، تعود سيدة الغناء العربي أم كلثوم إلى دار الأوبرا المصرية لتحيي حفلاً افتراضياً في السادس من مارس المقبل، وذلك بعدما أحيت حفلات سابقة على خشبة المسرح في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة العام الماضي.

وفي هذا المقال نأخذكم في جولة للتعرف على معنى “الهولوغرام” وكيف تطورت هذه التقنية خلال القرن الماضي، والآفاق المحتملة التي تبشر بها في المستقبل.

ما هي تقنية الهولوغرام؟

ببساطة، هي تقنية تسمح بإنشاء صور ثلاثية الأبعاد، أي أن لها طول وعرض وارتفاع، باستخدام أشعة الليزر، بحيث تطفو الصور في الهواء كما لو أنها أجساماً حقيقية. يشبه الأمر إلى حد ما مشاهدة فيلم ثلاثي الأبعاد ولكن دون الحاجة إلى نظارات خاصة.

لشرح الأمر بطريقة أبسط، يمكن مقارنة صورة فوتوغرافية عادية بالصورة التي تراها العين المجردة، فلكي تلتقط صورة فوتوغرافية لزهرة، على سبيل المثال، تنفتح عدسة الكاميرا لبرهة بسيطة تسمح خلالها للضوء المنعكس من الزهرة وما حولها بالوصول إلى الفيلم الموجود داخل الكاميرا، فتلتقط الكاميرا انعكاس ضوء زاوية واحدة من الزهرة على عدسة واحدة، وبالتالي تخرج لنا الصورة ثنائية الأبعاد التي نعرفها.

في حالة النظر إلى الزهرة، ينعكس الضوء القادم من الزهرة إلى العينين، ويدمج العقل الصورة التي تلتقطها كل عين ويدمجهما معاً في صورة واحدة مجسمة (ثلاثية الأبعاد). وبتغير الزاوية التي تنظر منها، يمكنك رؤية صور ثلاثية الأبعاد مستمرة لمختلف زوايا وأبعاد الزهرة، ويحدث هذا الأمر أيضاً إذا كان ما تنظر إليه هو ما يتحرك.

الهولوغرام هو خليط بين التصوير الفوتوغرافي ورؤية شيء حقيقي، فهو – مثل الصورة الفوتوغرافية – يحتفظ بالضوء المنعكس من الشكل المراد تصويره، لكن الصورة الهولوغرامية تختلف في قدرتها على عكس الضوء القادم من الأبعاد الثلاثة للجسم وليس من مجرد زاوية واحدة. وإذا تحركت خلال النظر إلى الصور الهولوغرامية، فبإمكانك رؤية الأجسام من زوايا مختلفة، تماماً كما لو كنت تنظر إلى جسم حقيقي، وذلك لأن كل نقطة في الصورة تلتقط موجات الضوء التي انعكست من كل نقطة في الجسم.

صعوبات تاريخية

بعد هذا الشرح الموجز لماهية الهولوغرام، ربما تعتقد أن هذه التقنية لازالت حديثة النشأة، لاسيما وأنها لم تنتشر بعد على نطاق واسع، إلا أنها في الواقع تعود إلى عام 1947، عندما صاغ عالم الفيزياء البريطاني المجري دينيس غابور، نظرية الهولوغرام أثناء عمله على تطوير المجهر الإلكتروني، إلا أنه لم يتمكن من تطبيق نظريته، نظراً إلى أن مصادر الضوء المتاحة في منتصف القرن الماضي كانت أضعف من أن تولد صورة هولوغرامية متماسكة. وقد كان غابور أول من ابتكر مصطلح هولوغرام، من دمج كلمتين يونانيتين هما (holos) أي كامل و(gramma) أي رسالة، أي الرسالة الكاملة.

وفي الخمسينيات فقد العلماء الاهتمام بأبحاث غابور، بعد نشر أكثر من 50 بحثاً حول هذه التقنية، بلا نتيجة حقيقية سوى عدداً من الصور الباهتة والمشوشة، لدرجة أن غابور نفسه تخلى عن بحثه.

ومع حلول الستينيات سقط الحاجز بين النظرية والتطبيق، عندما عرف العالم الضوء الجديد القوي والمكثف، وهو ضوء الليزر، والذي اسُتخدم في العديد من الصناعات، ومن بينها – بالطبع – استخدامه في صناعة الصور الهولوغرامية. وبعد العديد من الاختراعات المتزامنة التي ساهمت في تطور أدوات الهولوغرام، ظهرت أول صورة هولوغرامية عام 1962 على يد العالمين إميت ليث، وجوريس أوباتنيكس، من جامعة ميشيغان الأميركية، واللذين صنعا مجسمات هولوغرامية لقطار لعبة وعدداً من الطيور. وتوالت بعد ذلك التطبيقات، حتى ظهرت أول صورة هولوغرامية للإنسان عام 1967. وفي عام 1971، حصل غابور على جائزة نوبل في الفيزياء عن العمل الذي قام به في الأربعينيات.

ما الذي تحتاج إليه للحصول على صورة ثلاثية الأبعاد؟

1- جهاز ليزر: تُستخدم العديد من أنواع الليزر في الهولوغرام، لكن أشهرها هو نيون الهيليوم (HeNe)، وذلك لقدرته على التماسك وعرض صور مستقرة. وتبدأ العملية بإطلاق أشعة الجهاز نحو ما يعرف باسم مجزئ الأشعة (beam splitter).

2- مجزئ الأشعة: هو جهاز يستخدم لتقسيم شعاع الضوء الساقط عليه إلى جزئين، وذلك باستخدام مرايا.

3- عدسات: تعمل المرايا على توجيه أشعة الضوء المُقسمة إلى العدسات، والتي تلعب هنا دوراً عكسياً، ففي كاميرات التصوير الفوتوغرافي العادية تُستخدم العدسات لتجميع الضوء، بينما هنا تُستخدم عدسات الهولوغرام لتشتيت الضوء، ليتحول من مجرد شعاع مُركز إلى حزمة ضوئية منثورة على نطاق واسع.

4- مرايا: تعكس إحدى المرايا الموجودة أمام شاشة العرض الشعاع المرجعي (Reference Beam)، أما الشعاع الآخر الذي يسمى شعاع الجسم (Objective Beam) فإنه يُسلَّط على الجسم المراد تصويره. وتنعكس أشعة الجسم هذه من مختلف زوايا واتجاهات الجسم على شاشة العرض.

فيلم هولوغرافي: وهي طبقة رقيقة للغاية موجودة على سطح شفاف، تماماً مثل فيلم التصوير الفوتوغرافي، إلا أن الفيلم الهولوغرافي يتميز بقدرته على تسجيل التغييرات الضوئية بالغة الصغر، والتي تحدث على مسافات مجهرية.

بالطبع هناك العديد من الظروف الأخرى التي يجب توفرها للوصول إلى صورة هولوغرامية واضحة، أبرزها إضاءة الغرفة أو المكان الذي يُعرض فيه الهولوغرام، وأيضا منع اهتزاز الأجهزة لعرض الصورة بشكل مستقر. وفي الغالب لا يمكن الوصول إلى هذا المستوى من الدقة سوى باستخدام أدوات خاصة.

تطبيقات واسعة

لا تقتصر استخدامات الهولوغرام على التصوير فقط، بل إن له العديد من الاستخدامات العلمية. وفي الغالب، أنت تحمل معك – أثناء قراءة هذه السطور – صورة من صور الهولوغرام، حيث أنه يُستخدم في الكثير من العملات والبطاقات الائتمانية لمنع التزييف. وإذا نظرت إلى العملة الورقية التي تحملها سترى غالباً على أحد أطرافها صورة يتغير شكلها كلما قمت بإمالتها، وهذه الصور الدقيقة هي أحد الأشكال البسيطة للصور الهولوغرامية.

ونظراً للطبيعة المُبهرة للهولوغرام، فإن أشهر استخداماته كانت في الأعمال الفنية، وكان الرسام الإسباني الشهير سلفادور دالي أحد أوائل الفنانين الذين استخدموا هذه التقنية، حيث رسم عدة لوحات هولوغرامية، وعرضها في معرض كنيودلر (Knoedler) بالولايات المتحدة. علاوة على ذلك، يوجد حالياً عدداً من المتاحف والمعارض الفنية المتخصصة في الصور الهولوغرامية، مثل “استوديو الهولوغرام”، في نيويورك، والذي يعد أقدم معرض للصور الهولوغرامية في العالم، بل ويعد متحفاً لهذا النوع من الفن.

مثال آخر شهير وقع في 15 أبريل 2012، عندما أحيا أسطورة الهيب هوب الراحل توباك شاكور، حفلاً في مهرجان كوتشيللا الموسيقي في كاليفورنيا، أمام أكثر من 80 ألف متابع، وذلك بعد مقتله بخمسة عشر عاماً. والفيديو الذي يمكن مشاهدته هنا يوضح كيف تطورت هذه التقنية، لدرجة أن من لا يعرف قصة اغتياله، ربما لن يلاحظ حقيقة العرض الهولوغرامي.

وفي يونيو الماضي، كان سيرك رونكلي في ألمانيا أول من استخدم الهولوغرام في عروضه، فبدلاً من استخدام الحيوانات التي تتعرض غالباً لمعاملة سيئة، اعتمد السيرك على 11 جهازاً لصنع خيول وفيلة وأسماك عملاقة، تقدم عروضاً أبهرت الزوار.

ويبدو المستقبل واعداً أمام الهولوغرام، لاسيما بعدما نجح علماء من جامعة (RMIT) في ملبورن بأستراليا، عام 2017، في إنشاء صورة هولوغرامية، باستخدام مادة سُمْكها 25 نانومتراً فقط، وهي العقبة التي قد يمهد حلها الطريق لعرض الصور الهولوغرامية على الهواتف الذكية.

بالإضافة إلى كل ما سبق، يستخدم الهولوغرام في أجهزة الاستشعار والمجسات، كما تستخدمه الطائرات أحياناً لرسم صورة ذات أبعاد واقعية للمنخفضات الجوية، ويُستخدم أيضاً في الفيزياء لقياس الجرعات الإشعاعية. وهذه فقط أمثلة بسيطة على استخدامات تكاد لا تحصى لتقنية قديمة، لكن آفاق استخدامها المستقبلية ربما تنبئ بالفعل بثورة قادمة في عالم البصريات.