Article image
رجل يجلس بمفرده في خط مترو أنفاق باكيرلو وسط لندن بعد أن فرضت العاصمة أشد مستويات الإغلاق.
مصدر الصورة: أسوشييتد برس



بدأت الدول الأوروبية بحظر السفر إلى المملكة المتحدة بسبب مخاوف من سلالة جديدة أسرع انتشاراً لفيروس كورونا.

2020-12-23 14:31:25

23 ديسمبر 2020

تضرب جنوب إنجلترا موجة جديدة من حالات الإصابة بفيروس كورونا، وتُعزى إلى سلالة جديدة من الفيروس ظهرت بحلول شهر سبتمبر، وتعدّ الآن مسؤولة عن نصف الحالات في المنطقة. ووجد الباحثون في المجال الجيني أن هذه السلالة لا تحتوي على الكثير من الطفرات فحسب، ولكن العديد من طفراتها الجينية قد تؤدي إلى حدوث تغيرات مهمة في البروتين الناتئ، وهو الجزء الفيروسي الذي يلعب دوراً رئيسياً في إصابة الخلايا بالعدوى.

في 19 ديسمبر، عقد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مؤتمراً صحفياً تم نقله عبر التلفاز وأعلن فيه فرض قيود جديدة على الحركة في موسم عيد الميلاد، فضلاً عن إغلاق تام في مدينة لندن والمنطقة الجنوبية الشرقية، كاستجابة للارتفاع المفاجئ في عدد الحالات.

وقال جونسون مخاطباً الناس: “يبدو أن الانتشار الحالي يزداد بسبب النمط الجديد. ويبدو فعلاً بأنه ينتقل بسهولة أكبر بكثير”.

وأضاف جونسون بأن الخبراء الذين يعمل معهم أجروا حسابات أولية مفادها أن هذا النمط يمكن أن يكون لسلالة جديدة أكثر قابلية للانتشار بنسبة تصل إلى 70%. كانت النتيجة الفورية لتعليقات جونسون هي الخوف؛ فعلى الرغم من عدم وجود دليل على أن السلالة الجديدة أكثر شدة، قامت بحلول 20 ديسمبر عدد من الدول الأوروبية، منها إيطاليا وأيرلندا وألمانيا وفرنسا وهولندا، بفرض قيود على السفر إلى المملكة المتحدة. كما أغلق نفق المانش بين المملكة المتحدة وفرنسا ليل الأحد 20 ديسمبر، مع إغلاق فرنسا لحدودها أمام المسافرين القادمين من المملكة المتحدة لمدة 48 ساعة.

خلال هذه الفترة، سعى الخبراء في المجال الطبي إلى طمأنة الناس بأن النمط الجديد للفيروس، الذي يطلق عليه الرمز VUI – 202012/01 (مختصر الأحرف الإنجليزية الأولى لنمط قيد الدراسة في ديسمبر 2020)، لن يؤثر على جهود توزيع اللقاحات، التي بدأت في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. من أسباب ذلك أن الفيروس يجب أن يتعرّض للتغير بشكل جوهري حتى “يفلت” من اللقاح الحالي. وحتى لو حدث ذلك، فيمكن تعديل اللقاحات لتتوافق مع الفيروس متغيّر النمط، كما هو الحال مع لقاحات الأنفلونزا السنوية.

وقال مؤخراً الجراح الأميركي العام جيروم آدامز في برنامج فيس ذا نيشن (Face the Nation) الذي يُعرض على قناة سي بي إس إنه لا توجد “مؤشرات” على أن النمط الجديد سيؤثر سلباً على جهود توزيع اللقاحات في الولايات المتحدة.

كان جونسون في تصريحاته العامة يعزو النتائج إلى مجموعة خبراء يقدمون المشورة لحكومته تسمى المجموعة الاستشارية لتهديدات فيروسات الجهاز التنفسي الجديدة والناشئة، التي كان تقييمها للسلالة الجديدة أقل إثارة للقلق إلى حد ما مما صرح به رئيس الوزراء.

فقد قالت المجموعة إن نجاح النمط الجديد في الانتشار بشكل كبير خلال فترة الإغلاق الوطني أعطاها “بعض الثقة” بأن “لديه زيادة كبيرة في قابلية الانتشار بالمقارنة مع الأنماط الأخرى”.

ويمكن أن تمثل هذه الحالة إنذاراً خاطئاً؛ إذ يبدو أحياناً أن أنماطاً جديدة من الفيروسات تنتشر بسهولة أكبر، ولكن ذلك يحدث بالصدفة في الواقع، مثل انتقاله من خلال مناسبة تنطوي على انتشار فائق.

تتسابق الآن الفرق البريطانية وغيرها من الفرق في الخارج لإجراء التجارب المختبرية اللازمة لإثبات قدرة النمط الجديد على الانتقال إلى الخلايا البشرية بسهولة أكبر فعلاً، وما إذا كانت اللقاحات فعالة ضده. ستشمل تلك الدراسات تعريض السلالة الجديدة لبلازما مأخوذة من دم المتعافين من الفيروس أو الأشخاص الذين أخذوا اللقاح؛ وذلك لمعرفة ما إذا كان يمكن تثبيطه من قبل الأجسام المضادة الموجودة لديهم.

كثيراً ما تتطور الفيروسات أو تطرأ عليها تغيرات طفيفة في شفرتها الجينية. ويقوم العلماء منذ بداية الوباء بتحديد تسلسل عينات من الفيروس وتتبع هذه التغيرات لأخذ فكرة عن كيفية انتشار الفيروس وإلى أين.

قد يكون أحد أسباب اكتشاف السلالة الجديدة في المملكة المتحدة هو أنها كانت من أشد المساهمين في “الوبائيات الجينومية” للفيروس؛ فعلى سبيل المثال، ساهمت المختبرات البريطانية بنسبة 45% من أصل 275,000 تسلسل لفيروس كورونا موجودة في قاعدة بيانات المبادرة العالمية لمشاركة جميع بيانات الأنفلونزا GISAID، وذلك وفقاً لموجز لتقييم التهديدات من المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها.

ووفقاً للاتحاد الجينومي لكوفيد-19، الذي يضم المختبرات التي تقوم بإجراء تسلسل للفيروسات، فإن أول ظهور للنمط الجديد كان في عينة تم جمعها في 20 سبتمبر في كينت وبعد ذلك بيوم في لندن.

علامات مميزة

في حين يتعرض فيروس كورونا للطفرات بشكل دائم، إلا أن النمط الجديد أثار القلق لأن ظهوره ترافق مع زيادة حادة في عدد الحالات في جنوب شرق إنجلترا؛ حيث تضاعف معدل الإصابة بالعدوى في الآونة الأخيرة أربع مرات. ووجد أن حوالي نصف هذه الحالات كانت بسبب النمط الجديد.

كما جذبت الشفرة الجينية للنمط الجديد انتباه العلماء بسبب مدى اختلافها عن النمط الأصلي. ووفقاً للخصائص الأولية التي تم نشرها على موقع virological.org بواسطة الاتحاد الجينومي لكوفيد-19 في المملكة المتحدة، فإن النمط الجديد يمتلك علامات جينية “مميزة” تنطوي على “عدد كبير جداً من التغيرات الجينية”، ولا سيما في البروتين الناتئ، التي من المرجح أن تؤثر على وظيفته.

من الجدير بالذكر أن جميع الطفرات التي وُجدت في النمط الجديد قد تمت ملاحظتها سابقاً، وذلك وفقاً لتعليقات نشرت على الإنترنت من قبل فرانسوا بالو، عالم البيولوجيا الحسابية في جامعة كوليدج لندن، ولكن ليس بهذا الشكل الجديد كما يبدو. أحد هذه التغيرات يؤدي إلى ارتباط البروتين الناتئ بالخلايا البشرية بشكل أكثر فعالية، بينما يرتبط تغير آخر بالإفلات من الاستجابات المناعية للإنسان، ويجاور تغير ثالث أحد المكونات البيولوجية الحيوية للفيروس.

تميل الأنماط المنتشرة من الفيروس خلال هذه الجائحة إلى التعرض لطفرة جديدة أو طفرتين جديدتين كل شهر. ويقول العلماء في المملكة المتحدة إنهم فوجئوا بالعثور على نمط اجتمع فيه أكثر من عشرة تغيرات فريدة في جينات مهمة، وأشاروا إلى أن ذلك يدل على أن السلالة قد تكون نجمت عن التكيف التطوري.

هل ستتمكن السلالة الجديدة من تفادي الاستجابة المناعية؟

في التقرير الأولي لمجموعة المملكة المتحدة، يقول أندرو رامبو، عالم البيولوجيا بجامعة إدنبرة، وزملاؤه إنهم يعتقدون أن النمط الجديد ربما تطور داخل شخص يعاني من نقص المناعة وأصيب بفيروس كورونا بشكل مزمن. تم إعطاء هؤلاء الأشخاص في بعض الحالات علاجاً بالأجسام المضادة والأدوية المضادة للفيروسات عدة مرات. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى اصطفاء الفيروسات التي تجتاز مثل هذا العلاج.

إذا كان الفيروس المتغير قادراً على “الإفلات” من الاستجابة المناعية العادية، فقد يفسر ذلك أيضاً سبب انتشاره بشكل أسرع؛ لأنه يصيب كذلك بعض المتعافين من كوفيد-19، وبالتالي يكون لديه مجموعة أكبر من الأجسام المضيفة لينتقل إليها. ووفقاً للتقارير العلمية البريطانية، فإن أربعة من حوالي 1000 شخص أصيبوا بالنمط الجديد كانوا قد أصيبوا سابقاً بكوفيد-19، على الرغم من أن العلماء لم يتمكنوا من تحديد ما إذا كانت هذه النسبة غير عادية.

ليس مفاجئاً تماماً أن نعرف أن فيروس كورونا يتطور بما يكفي ليصيب الناس مرة أخرى، على الرغم من تمتعهم بالمناعة للفيروس الأصلي. فمن المعروف أن فيروسات كورونا الأخرى، مثل تلك التي تسبب الزكام، تصيب الناس بشكل متكرر، وقد يكون ذلك بسبب هذا التغير في الشكل.

هناك طريقة أخرى يمكن للفيروسات أن تتغير بها بشكل كبير، وهي من خلال قدرتها على الانتقال إلى نوع آخر من الكائنات الحية، فحتى النمور في حديقة الحيوان يمكنها أن تصاب بفيروس كورونا، لتعود بعدها إلى البشر. لوحظ ذلك في الدنمارك، التي أبلغت في خريف هذا العام عن انتقال فيروس كورونا من البشر إلى حيوان المنك ثم العودة إلى البشر مرة أخرى، الأمر الذي اُعتبر خطيراً للغاية لدرجة أن الدولة أمرت بإعدام جميع حيوانات المنك في مزارع الفراء التجارية.

سيعرف العالم الآن ما إذا كان من الممكن إيقاف النمط الجديد من الانتشار، ولكن ذلك لن يكون سهلاً. فالأنماط الحالية من الفيروس تنتقل بسرعة أصلاً على الرغم من التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات. إذا كان انتشار النمط الجديد أكثر سهولة بنسبة 70% فعلاً، فقد يصبح خلال وقت قريب هو النمط السائد للمرض.

واجهت السلطات البريطانية مؤخراً بعض الانتقادات بأنها أعلنت عن خطر السلالة الجديدة لتبرير إجراءات الإغلاق الصارمة قبل عيد الميلاد، بما في ذلك الطلب من ملايين الأشخاص أن يبقوا في منازلهم. لكن المسؤولين بادروا في تشجيع الناس على الالتزام بالقيود. وقال مات هانكوك، وزير الصحة، لقناة بي بي سي: “خرج النمط الجديد عن نطاق السيطرة ويتعين علينا السيطرة عليه”. وحثّ سكان المملكة على التعامل مع الأمر بقوله: “تصرّفوا وكأنكم مصابون بالفيروس”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.