تلعب اختبارات الكشف عن الأجسام المضادة في الدم دوراً هاماً في تحديد مدى انتشار فيروس كورونا واستجابة نظام المناعة البشري ضده.

2020-04-15 19:05:48

13 أبريل 2020
Article image
مصدر الصورة: المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها عبر أنسبلاش

مضى على تفشي جائحة كوفيد-19 الناتجة عن الإصابة بفيروس كورونا المستجد عدة أشهر حتى الآن، وأصبحنا نعرف الطرق المتبعة من أجل كشف إصابة الأفراد بالمرض، والقائمة على الفحص المخبري المبني على تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل، المعروف اختصاراً باسم PCR. ويُعتبر الكشف عن الأفراد المصابين بالمرض وسيلةً فعالة لإخبار الدول وهيئات الرعاية الصحية حول حالة انتشار المرض وجدوى إجراءات الابتعاد الاجتماعي، والمدة الزمنية التي يجب أن تبقى فيها هذه الإجراءات قيد التطبيق، خصوصاً في ظل غياب دواءٍ أو لقاحٍ فعالين ضده.

من ناحيةٍ أخرى، أصبحنا نعلم أيضاً أن العديد من المصابين بالمرض لا يظهرون أي أعراض أو يظهرون أعراضاً خفيفة، ويتمكنون وحدهم من الشفاء منه دون أن يتم تسجيلهم ضمن الحالات الرسمية، وبالتالي فإن هذه الشريحة من الأشخاص قد شكلت على الأرجح مناعةً ضد المرض، وأصبحت فئة لن تتعرض للإصابة به، ولكن بسبب عدم مرورهم على مراكز الرعاية الصحية أو تسجيل حالاتهم بشكلٍ رسميّ، فإنهم سيشكلون فئةً مجهولة قد تعتبر على نحوٍ خاطئ أنها فئة معرضة للإصابة مستقبلاً بالمرض. كشفت دراسة ألمانية مؤخراً أن ما نسبته 14% من السكان قد يكونون ضمن هذه الفئة دون علمهم أو إدراكهم، ولذلك -ومن أجل مكافحة المرض على أفضل نحوٍ ممكن- فإن معرفة هذه الفئة من الأشخاص هو أمرٌ هام مماثل لمعرفة عدد المصابين بالمرض.

تتطلب معرفة هذه الشريحة من الأشخاص إجراء اختباراتٍ مناعية نوعية تهدف إلى تحديد امتلاك الفرد مناعةً ضد مرض كوفيد-19، وتختلف هذه الاختبارات عن اختبارات الكشف عن المصابين؛ بالنسبة لاختبارات الكشف عن المصابين فإن التركيز هو على كشف وجود الفيروس ضمن الجسم، بينما اختبارات كشف المناعة تهدف لتحديد وجود نوعٍ خاص من البروتينات يقوم جسم الإنسان بتوليدها بعد تشكل مناعةٍ ضد عاملٍ ممرض.

تُعرف اختبارات كشف المناعة باسم اختبارات فحص الأجسام المضادة Antibody Test أو الاختبارات المصلية Serological Tests، وقد بدأت الآن تأخذ أهميةً متزايدة ضمن خطط مكافحة الفيروس؛ لكون العديد من الدول قد بدأت تدخل مرحلة الانتشار المستقر، أي أن معدل نمو الفيروس لم يعد يتزايد، بل هنالك عدد شبه ثابت من الإصابات اليومية المكتشفة. وفي ظل هذه الظروف سيكون من الهام معرفة إن كان الأشخاص الذين يتم فحصهم وتشخيصهم على أنهم غير حاملين للفيروس يمتلكون مناعةً ضده أو أنهم غير حاملين له فقط، كما أن من المهم معرفة كيفية تشكل المناعة عند الأشخاص الذين يتعافون من الإصابة.

الأجسام المضادة: كيف تتشكل المناعة؟ 

المناعة هي قدرة جسم الإنسان على المقاومة ضد العوامل المُمرِضة التي تصيبه، والتي من شأنها مهاجمة عضو أو عدة أعضاء، والتسبب في عدم تمكن هذه الأعضاء من أداء وظيفتها كما يجب. هذه العوامل الممرضة نفسها تمتلك أشكالاً مختلفة، ومنها البكتيريا والفيروسات، وعند إصابة الجسم بأحد هذه العوامل تتشكل على الفور ردة فعل طبيعية من قِبل الجسم تتمثل في رفض هذا العامل الممرض والعمل على مهاجمته لمحاولة التخلص منه. يمتلك جسم الإنسان أشكالاً مختلفة للمناعة، مثل المناعة الفطرية التي يمتلكها الشخص بدءاً من لحظة ولادته والمتمثلة في آليات الدفاع الأساسية لجسم الإنسان مثل الجلد والسوائل الحمضية في المعدة وكذلك على شكل مركبات بروتينية داخل الجسم، إلا أن ما يهمنا في حالة فيروس كورونا المستجد هو المناعة المكتسبة التي يستطيع الجسم تطويرها بعد أن يُصاب بعاملٍ ممرض خارجيّ لم يكن قد أصيب به من قبل، وتمكن الجسم من التغلب عليه، وهو ما سيؤدي لتشكيل ذاكرة مناعية لدى الجسم، بمعنى أنه سيكون بالإمكان مستقبلاً التعرف مباشرةً على العوامل الممرضة بشكلٍ نوعيّ ومهاجمتها والتخلص منها قبل أن تُسبب أي ضرر لجسم الإنسان.

قبل أن يكون جسم الإنسان قادراً على التخلص من العوامل الممرضة (أو المستضدات Antigens)، فإنه سيحتاج إلى وسيلةٍ للتعرف عليها، وهذه الوسيلة هي الأجسام المضادة Antibodies، وهي عبارة عن مركباتٍ بروتينية تُعرف باسم الغلوبولينات المناعية Immunoglobulins، التي لها شكل حرف Y الإنجليزي، وهي تستطيع الارتباط بشكلٍ نوعيّ مع المستضدات، بمعنى أن كل جسم مضاد سيكون قادراً على الارتباط بعاملٍ ممرض محدد، وارتباط الجسم المضاد بالعامل الممرض سيجعل جهاز المناعة قادراً على كشف العوامل الممرضة بسهولة، ومن ثم إرسال الخلايا والجسيمات المسؤولة عن مهاجمة العوامل الممرضة والتخلص منها. ومن المهم هنا معرفة أن هذه الآلية تستخدم أيضاً في عملية التلقيح (التطعيم) ضد عاملٍ ممرض؛ إذ يتم حقن الجسم بعامل ممرض ضمن تراكيز وكمياتٍ لن تسبب آثاراً ومضاعفات خطيرة، ولكنها ستكون كافية لتوليد استجابة مناعية تسهم مستقبلاً بالتعرف على نفس العوامل الممرضة ومهاجمتها، أي سيتم تشكيل ذاكرة مناعية ضد العامل الممرض بعد عملية اللقاح.

هنالك خمسة أنماط أساسية من الأجسام المضادة في جسم الإنسان: IgM، وIgG، وIgE، وIgA، وIgD. الأجسام المضادة من نوع IgM تمثل الاستجابة الأولية للجسم وترتفع مستوياته بشكلٍ كبير خلال الأيام الأولى من الإصابة، ولكن -وبسبب كونها عامة وغير انتقائية- يعتمد الجسم على نوعٍ آخر من الأجسام المضادة التي تمتلك استجابةً نوعية أكثر، وهي الأجسام IgG، ومع ارتفاع مستويات أجسام IgG فإن مستويات أجسام IgM ستنخفض، ولكن هذه العملية ستأخذ وقتاً زمنياً طويلاً نسبياً؛ إذ تصل مستويات أجسام IgG لذروتها بعد حوالي 28 يوماً من الإصابة. 

وهنالك نوعٌ آخر من الأجسام المضادة الذي يتواجد عادةً في الخلايا المخاطية التي تتواجد ضمن الرئتين، وهي الأجسام المضادة من نوع IgA التي تلعب دوراً هاماً في مكافحة الأمراض التنفسية مثل الإنفلونزا، ومن المرجح أن لها دوراً محورياً في توليد استجابة مناعية ضد فيروس كورونا المستجد.

اختبار الأجسام المضادة : ما هو بالضبط؟ 

من أجل معرفة امتلاك الجسم لمناعةٍ ضد عاملٍ ممرض فإن المعلومة الأساسية هي التحقق من مستويات الأجسام المضادة في جسم الإنسان، ومعظم الاختبارات المناعية الهادفة إلى تحديد ما إذا كان الشخص حصيناً ضد مرض كوفيد-19 تعمل على الكشف عن الأجسام المضادة الثلاث: IgM وIgG وIgA، في حين أن بعض الاختبارات تهدف إلى تحديد نوعين فقط من الأجسام المضادة، كما أن بعضها الآخر يركز فقط على كشف نوع واحد من الأجسام المضادة.

وبخلاف اختبارات الكشف عن الإصابة بمرض كوفيد-19 التي تعتمد عادةً على عيناتٍ من اللعاب، يتم إجراء الاختبارات المناعية الهادفة للكشف عن الأجسام المضادة باستخدام عيناتٍ مأخوذة من الدم، التي تجري ضمن أجهزة تحليل الدم الكيميائية Blood Chemical Analyzer. ومن ناحيةٍ أخرى، يجب معرفة أمر هام يتعلق باختبارات الأجسام المضادة، وهي أنه كون الاستجابة المناعية للجسم تأخذ بعض الوقت حتى تتشكل بشكلٍ جيد، فإنه لا يمكن الاعتماد على هذا النوع من الاختبارات لمعرفة الأفراد المصابين حالياً بالمرض أو تحديد الإصابة المبكرة به.

وتفيد اختبارات الأجسام المضادة في معرفة الأشخاص الذين تشكلت لديهم مناعة ضد المرض، وهذا يعني أنها ستفيد في معرفة العدد الإجماليّ للأشخاص الذين أصيبوا بالمرض وتمكنوا من الشفاء منه، خصوصاً في حالة فيروس كورونا المستجد مع عدم إبداء العديد من المرضى لأي عوارض متقدمة أو حتى إظهار أي عوارض على الإطلاق، وبالتالي فإن معرفة نسبة هؤلاء الأشخاص عبر الاختبارات المناعية ستُسهم بشكلٍ كبير في معرفة الرقم الحقيقيّ لعدد الإصابات الكليّ بالمرض.

وعلى الرّغم من أهمية اختبارات الأجسام المضادة فإنها لا تزال غير كافية في الوقت الحاليّ من أجل اتخاذ قرارٍ مستقبليّ يرتبط بالإجراءات الصحية الهادفة لمكافحة انتشار فيروس كورونا، فهنالك العديد من المعلومات التي لا تزال غير واضحة؛ حيث تشير بعض الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض ولم يظهروا أعراضاً متقدمة لم يتمكنوا من تطوير مناعةٍ قوية ضده، كما أن بعض التقارير أظهرت أن بعض الأشخاص أصيبوا بالفيروس عدة مرات، بمعنى أنهم بعد شفائهم منه للمرة الأولى تعرضوا لإصابةٍ أخرى سبَّبت نفس الأعراض، وهذا يشير إلى احتمال عدم تشكل مناعةٍ لديهم على الإطلاق ضد الفيروس.

هنالك الكثير من العوامل التي يمكن عزو هذه الظواهر والمشاهدات إليها، ومنها أن الاستجابة المناعية للجسم لا ترتبط فقط بالأجسام المضادة التي تقوم بالتعرف على العوامل الممرضة، بل ترتبط أيضاً بالخلايا التائية للجهاز المناعي التي تتولى مسؤولية مهاجمة وقتل العوامل الممرضة والفيروسات التي تهاجم الجسم.

أهمية اختبارات الأجسام المضادة

فضلاً عن توفير معلومةٍ حول الحالة الصحية للفرد وامتلاكه لمناعةٍ ضد فيروس كورونا، تمتلك اختبارات الأجسام المضادة أهميةً بالغة من ناحية كونها وسيلة لمراقبة تفشي المرض ضمن السكان على نحوٍ جيد، وهي توفر وسيلة تقصي إضافية إلى جانب اختبارات الكشف عن الإصابة بالفيروس. فعندما يتم تحديد شخص على أنه منيع ضد الفيروس فإن هذا يعني أنه قد أصيب وشفي، وبالتالي عند توقع مسار الانتشار المستقبليّ والشريحة المحتملة التي يمكن أن تصاب سيتم استثناء كل الأشخاص الممتلكين لمناعةٍ ضد الفيروس.

على صعيدٍ آخر -وبما أن نسبةً عالية من الأشخاص لا يُظهرون أي أعراض أو يُظهرون أعراضاً خفيفة- فإنهم قد لا يجدون أي حاجة للتبليغ عن حالتهم للهيئات والمراكز الصحية، وهذا قد يؤدي إلى أنهم قد يصابون بالمرض ويشفون منه دون أن يتم تسجيلهم بشكلٍ رسميّ ضمن سجلات المصابين والمتعافين. وبمعرفة هذه الشريحة من الأشخاص ستصبح عملية تحديد انتشار الفيروس أكثر دقة؛ لأنها تعني الكشف عن الأشخاص الذين لم يظهروا أي أعراض ولم يخضعوا للاختبارات الرسمية.

هل اختبارات الأجسام المضادة متوافرة؟ وهل يمكن الوثوق فيها؟ 

نعم، ولكن الإجابة عن هذا السؤال تختلف بحسب المنطقة الجغرافية. الصين كمثال تمتلك حالياً الكثير من الشركات التي تقوم بتصنيع وإنتاج اختبارات الكشف عن الفيروس وكذلك اختبارات كشف المناعة، كما أن القارة الأوروبية امتلكت منذ وقتٍ مبكرٍ نسبياً القدرة على إجراء هذه الاختبارات، فقد تم الكشف بتاريخ 16 يناير الماضي عن تطوير أول اختبارٍ قادر على كشف الإصابة بالفيروس عبر فريقٍ بحثيّ في جامعة شاريتيه الألمانية، كما كشفت شركة يورو إميون Euroimmun الألمانية أواخر شهر فبراير الماضي عن طرحها أول اختبارٍ قادرٍ على تحديد وجود مناعة ضد الفيروس عبر كشف الأجسام المضادة من نوع IgA وIgG، وهو يستخدم حالياً على نطاق واسع، وقد اعتمدت الشركة على خبرتها الكبيرة في طرح اختباراتٍ خاصة بوباء سارس الذي انتشر سنة 2002 وكذلك وباء ميرس الذي انتشر سنة 2012.

وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فقد صادقت إدارة الغذاء والدواء FDA على أول اختبارٍ للأجسام للمضادة بتاريخ 3 أبريل، وهو الاختبار الذي تقوم بإنتاجه شركة سيليكس Cellex، والقادر على كشف المناعة ضد الفيروس خلال تحليلٍ يستغرق ما بين 15 وحتى 20 دقيقة، ومن المتوقع أن يتم الترخيص لاختباراتٍ من شركاتٍ أخرى في المستقبل القريب طالما أنها تتبع نفس المعايير المنصوص عليها.

وعلى الرّغم من توافر الاختبارات المناعية، إلا أنه من المنصف القول بأنه يتوجب التعامل معها بشكلٍ حذر؛ فقد أظهرت بعض الدراسات وجود حالاتٍ يحدث فيها خطأ إيجابي أو خطأ سلبي، أي أن الاختبارات لا تستطيع كشف وجود الأجسام المضادة عند أشخاص يمتلكونها بالفعل، أو تظهر وجود الأجسام المضادة عند أشخاصٍ لا يمتلكونها، وذلك حسبما أظهرت دراسة بحثية من من جامعة أوكسفورد البريطانية. من ناحيةٍ أخرى -ونظراً لكون المناعة المتشكلة حول الفيروس نفسه لا تزال غير مفهومة على نحوٍ كامل- فإن الاختبارات التي يتم تنفيذها لا تزال غير موحدة؛ فهنالك أمور أخرى ترتبط بالمناعة المتشكلة ضد الفيروس، مثل عدم تطوير بعض المتعافين لمناعةٍ على الإطلاق وعدم اكتشاف أي أجسامٍ مضادة في أجسامهم بعد شفائهم من المرض.

وهنالك أمرٌ هام يجب فهمه عند الحديث عن الاختبارات المناعية، وهي القضايا المتعلقة بالحساسية والدقة. تشير الحساسية ببساطة إلى القدرة على كشف الأجسام المضادة، بينما تشير الدقة إلى القدرة على الكشف عن الأجسام المضادة المطلوبة بالضبط، وكل اختبار يمتلك درجة معينة من الحساسية والدقة (تم مناقشة هذه التفاصيل بتعمق أكثر في مقالنا حول جوازات الحصانة المناعية). على سبيل المثال، فإن شركة سيليكس التي حصلت على ترخيص إدارة الغذاء والدواء الأميركية قد وفّرت اختباراتٍ ذات حساسيةٍ بنسبة 93.8% ودقة بنسبة 95.6%، هذا يعني أنه سيتم الكشف عن وجود المناعة عند 93.8% من الحالات وسيتم الكشف عن الأجسام المضادة المسؤولة عنها عند 95.6%، وعلى الرّغم من أن هذه الأرقام جيدة، إلا أنه مع الانتشار الكبير لمرض كوفيد-19 فإن هذه الأرقام تشير إلى احتمال حدوث أخطاءٍ بالقياس، وكشف المناعة عند 5% على الأقل من السكان، وهذا يعني أنه عند إصابة مليون شخص بالمرض فإن الاختبارات لن تستطيع الكشف عن المناعة عند 50000 شخص، وهي نسبة كبيرة.

بهذه الصورة، ومع وجود مشاكل تتعلق بالأخطاء الإيجابية والسلبية ومشاكل أخرى ترتبط بحساسية ودقة الاختبارات، فضلاً عن نقص المعارف المرتبطة بالمناعة المتشكلة بعد التعافي من مرض كوفيد-19، فإنه قد يكون من المبكر نسبياً الاطمئنان للاختبارات المناعية المتوفرة حالياً، ولو أنها تبقى وسيلة فعالة لتسليط الضوء على الكثير من الجوانب والقضايا المرتبطة بالمرض.