Article image




الجينوم البشري السعودي خطوة رائدة لبناء خريطة وراثية لسكان المملكة العربية السعودية.

2020-09-24 11:54:46

20 سبتمبر 2020

دخلت الطفلة الرضيعة مستشفى مدينة الملك فهد الطبية إثر إصابتها بورم في الدماغ من الدرجة الرابعة (جيلوبلاستوما) في مارس من العام الماضي، بعد أن كانت قد خضعت لعملية جراحية لاستئصال الورم لكنه عاد من جديد، ورفضت عائلة الطفلة إخضاعها للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو لعمل جراحي آخر. وفي اللحظة التي بدا فيها أن جميع الخيارات العلاجية قد استُنفذت، شكَّل مشروع الجينوم البشري السعودي نافذة أمل في نهاية هذا النفق المظلم.

بدأ العمل في مشروع الجينوم البشري السعودي منذ أواخر عام 2013 في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وتم تدشين معامله ومختبراته الحديثة في عام 2018، ويمثل اليوم أهم معالم التقدم العلمي في المجال الطبي والتقني في المملكة العربية السعودية، ويجعل منها واحدة من عدد قليل من الدول التي انضمت إلى نادي تحليل تسلسل الجينوم البشري لشعبها. وقد أوضحت الدكتورة ملاك عابد الثقفي، المشرف العام للتنسيق الوطني للبحث والتطوير والابتكار في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ورئيسة قسم الأبحاث الفرعية و أبحاث الجينوم ومعمل الجينوم السعودي الفرعي في مدينة الملك فهد الطبية، في مقابلة مع إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية، أن هذا المشروع يسعى إلى فحص 100 ألف مواطن ومواطنة في مختلف مناطق المملكة للتعرف على التسلسل القاعدي للمجتمع السعودي وتوثيق أول خريطة وراثية له، فضلاً عن تطوير منظومة معلوماتية تفاعلية متكاملة تُسهم في الحد من انتشار الأمراض الوراثية الشائعة.

سير العمل في أحد المعامل الفرعية التابعة لمشروع الجينوم البشري السعودي.
المصدر: د. ملاك الثقفي

سنبدأ بتقديم لمحة عن الجينوم البشري، ثم نسلط الضوء على فوائد مشروع الجينوم البشري السعودي وأهدافه وأهم إنجازاته.

ما هو الجينوم البشري؟ وما أهمية دراسته؟

وفقاً للموسوعة البريطانية، فإن الجينوم البشري هو كامل المادة الوراثية المكونة من حوالي ثلاثة مليارات زوج قاعدي من الحمض الريبي النووي منزوع الأكسجين أو الدنا، الذي يضم المجموعة الكاملة للصبغيات البشرية. ويتضمن الجينوم البشري جميع المناطق المرمِّزة في الدنا، التي ترمِّز جميع الجينات لدى الإنسان والتي يتراوح عددها بين 20,000 و25,000 جين موجود في نواة الخلية ومرتبة في هيئة 23 زوجاً من الصبغيات، بالإضافة إلى المناطق غير المرمِّزة. وقد تم إنجاز تسلسل الدنا لكامل الجينوم البشري في عام 2003.

حمض الدنا.
مصدر الصورة: معهد أبحاث الجينوم البشري الوطني الأميركي | تعريب: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية

تحمل دراسة الجينوم البشري أهمية كبرى من عدة نواحي؛ فبالإضافة إلى مساعدتها في فهم أصل الجنس البشري والعلاقات بين الشعوب المختلفة، فهي توفّر الوسائل الضرورية لاكتشاف الطفرات الوراثية (أو الخلل الجيني المكتسَب)، التي تؤدي إلى الإصابة بالعديد من الأمراض مثل السرطان والسكري. وبالتالي، من خلال تحديد المخاطر الصحية الناجمة عن الاستعداد الوراثي لشخص ما للإصابة بمرض معين، نجح التشخيص الجيني الوقائي في مساعدة عدد كبير من الأشخاص على مواصلة حياتهم بصحة أفضل ولفترة أطول. وعلى سبيل المثال، عندما يتم اكتشاف الجينات المسؤولة عن مرض سرطان القولون في جينوم عائلة محددة، يمكن إجراء فحوص دورية للأفراد الحاملين لهذه الجينات من أجل اكتشاف الإصابة بالسرطان -في حال حدوثها- والتدخل مبكراً عندما يكون العلاج أكثر فعالية.

وعلاوة على ذلك، فإن التقدم الذي تم إحرازه في مجال المعلوماتية الحيوية وتقنيات الهندسة الوراثية والجيل الجديد للتسلسل الجينومي (NGS) قد فتحت الباب واسعاً لفهم تباين الاستجابة الدوائية بين الأشخاص. كما مهّد الطريق للانتقال إلى مرحلة الطب الشخصي والطب الموجَّه، الذي يتيح معالجة كل حالة بذاتها من خلال معرفة التركيب الجيني الخاص بكل مجتمع وكل فرد.

مشروع الجينوم البشري السعودي: الدوافع والأهداف

تمثل الأمراض الوراثية عبئاً كبيراً على كاهل المملكة العربية السعودية؛ ففي عام 2015، أشارت مقالة منشورة في آي تريبل إي بلس إلى أن حوالي 20% من الأطفال المولودين في المملكة يولدون مع أمراض وراثية شائعة مثل السكري، وأن 8% يرثون أمراضاً أكثر خطورة. وتؤثر هذه الأمراض تأثيراً كبيراً على نوعية حياة الأفراد الذين يُصابون بها، فضلاً عن أنها تشكل عبئاً ضخماً على تكاليف الرعاية الصحية الوطنية؛ إذ تنفق المملكة باستمرار مبلغًا وقدره 30 مليار دولار أمريكي سنوياً على الرعاية الصحية وفقاً لموقع الويب الخاص بمشروع الجينوم البشري السعودي.

ويشكل التخلص من هذه الأعباء أحد أهداف مشروع الجينوم البشري السعودي، من خلال التوصل إلى الجينات والطفرات الجينية التي تسبب الأمراض الوراثية، حتى يصبح بالإمكان تحديد الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالأمراض الجينية وتقديم استشارات وقائية ملائمة لهم، ومن ثمّ يُمكن وضع علاجات تعتمد على أسباب المرض، وهي ما تشكل جميعها العناصر الأساسية التي يقوم عليها الطب الشخصي والطب الموجَّه.

المختبر المركزي لمشروع الجينوم البشري السعودي.
مصدر الفيديو: مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية

وهذا ما يقودنا إلى حالة “طفلتنا” الرضيعة كما وصفتها الدكتورة ملاك الثقفي في سلسلة من التغريدات؛ فبعد الوصول إلى طريق مسدودة لعلاج الطفلة المصابة بورم في الدماغ، قررت الدكتورة الثقفي وزملاؤها في مدينة الملك فهد الطبية إجراء فحص تسلسل جيني متطور، آملين في العثور على طفرة لها علاج موجَّه. وبالفعل، وجد الفريق طفرة نادرة في مستقبلات المغذيات العصبية التبروزين كيناز (NTRK). وبفضل متابعة الفريق لآخر تطورات العلاجات الموجَّهة، كانوا على علم بأن هيئة الغذاء والدواء الأميركية قد وافقت قبل أشهر على دواء اسمه فيتراكفي (Vitrakvi)، وهو عبارة عن شراب مخصَّص للحالات المماثلة. وقام الفريق ببذل جميع الجهود لتأمين هذا الدواء وإدخاله إلى المملكة ليبدؤوا في علاج الطفلة في أواخر عام 2019. وكانت استجابتها ممتازة للعلاج، وانكمش الورم لديها بدرجة كبيرة دون أعراض جانبية تُذكر. وقد تم نشر تفاصيل الحالة وعلاجها في مجلة علم الأورام الدقيق التابعة للجمعية الأميركية للأورام.

الدكتورة ملاك عابد الثقفي أثناء عملها ضمن مشروع الجينوم البشري السعودي.
مصدر الصورة: د. ملاك الثقفي على تويتر

لكن بما أنه تم التعرف على الجينوم البشري منذ سنوات، فما الغاية من العمل على توثيق خريطة وراثية خاصة بالشعب السعودي؟

قد تتباين الجينات المسببة للأمراض -والتسلسل الجيني عموماً- بدرجة ما بين الشعوب المختلفة، ما يتطلب من كل شعب أن يطور قاعدة بيانات خاصة به. ومن هنا تنبع أهمية مشروع الجينوم البشري السعودي في مساعدة الأطباء على إجراء تشخيص صحيح في زمن أقصر. ولتوضيح أهمية هذا الأمر، يكفي أن نشير إلى تقرير شركة شاير في عام 2013، الذي وجد أن المريض المصاب بمرض نادر في الولايات المتحدة يزور في المتوسط ثمانية أطباء، وينتظر أكثر من سبعة أعوام قبل أن يتم تشخيص مرضه على النحو الصحيح. كما أوضح الدكتور فوزان الكريع، بروفيسور علم الوراثة في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض، في مقابلة مع مجلة نيتشر آسيا العام الماضي أن ربع المرضى فقط الذين خضعوا لتحليل الجينوم قد تلقوا تشخيصاً سريرياً دقيقاً قبل حصولهم على نتائج التحليل. وبالاعتماد على الإمكانات والتقنيات التي يوفرها مشروع الجينوم البشري السعودي، سيتم تقليص الوقت اللازم لإجراء تشخيص دقيق من سنوات إلى بضعة أيام، ما يفسح المجال لتقديم علاجات مناسبة في وقت مبكر.

وعلاوة على التطبيقات السابقة، فإن مشروع الجينوم البشري السعودي يمكِّن المواطنين من اتخاذ القرارات السليمة المتعلقة بصحتهم لمنع انتقال الأمراض الوراثية إلى الأجيال الجديدة. وتقول الدكتورة الثقفي إن مشروع الجينوم البشري السعودي يتكامل ويعزز أثر البرامج الوقائية التي سبق وأطلقتها وزارة الصحة في البلاد لتقليل الإصابة بالأمراض الوراثية في المجتمع، مثل برنامج فحص ما قبل الزواج الذي يشمل الكشف عن الأنيميا المنجلية والتلاسيميا والأمراض المعدية، ما ساهم بشكل رئيسي في تقليل نسبة إصابة المواليد بتلك الأمراض. وتضيف الثقفي: “بناءً على هذه التجربة الناجحة، وبالتنسيق والتعاون مع وزارة الصحة، سيتم استخدام مخرجات برنامج الجينوم البشري السعودي وإدراج أمراض وراثية أخرى إلى قائمة برنامج فحص ما قبل الزواج للمساهمة في تقليل نسبة المواليد المصابين بالأمراض الوراثية؛ وكذلك تقليل تكلفة الرعاية السنوية للمصابين بحوالي 3.5 مليار ريال سنوياً”.

كما سيستفيد المجتمع السعودي بشكل مباشر من مخرجات مشروع الجينوم البشري؛ حيث يحمل إمكانات واعدة في مجال زراعة الأعضاء والتجارب السريرية المبتكرة بناء على الخريطة الوراثية للسعوديين. بل تجري الاستفادة حالياً من مشروع الجينوم في دراسة وتحديد الأسباب الوراثية الكامنة وراء تباين أعراض الإصابة بفيروس كورونا، بما يساعد على مواجهة هذا الوباء وحماية الأفراد الأكثر عرضة لتطوير مضاعفات خطيرة جراء الإصابة بكوفيد-19.

إضافة إلى ذلك، يساهم مشروع الجينوم البشري السعودي في بناء قاعدة بيانات جينية عن الصحة والأمراض وتطوير عدد كبير من الاختبارات المبنية على المعلومات الجينية. وتقول الثقفي إن المشروع قد نجح في تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية السعودية وتوطين وتطوير العديد من التقنيات المتطورة والأبحاث العلمية والدراسات التي تم نشرها في العديد من المؤتمرات والمجلات المرموقة.

مشروع الجينوم البشري السعودي: إنجازات وأرقام

منذ انطلاقته في عام 2013، قطع مشروع الجينوم البشري السعودي شوطاً متقدماً وحقق مجموعة من الإنجازات منها:

  • إنشاء المختبر المركزي في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ومجموعة من المراكز الموزعة في أنحاء المملكة. وهي مراكز تنتهج الأسلوب المركزي في جمع العينات والمعلومات السريرية وتوليد البيانات لتوسيع قاعدة بيانات مشروع الجينوم السعودي. حيث يتم توزيع البنية التحتية عبر المواقع المختلفة، كما يشغِّل كل مركز من هذه المراكز بنية تحتية للمعلوماتية الحيوية ولكل منها قدرات متفاوتة؛ فجميع هذه المراكز ترتبط بوحدة حاسوبية مركزية تقع في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بغرض إجراء النسخ الاحتياطي والتحليل الثانوي للبيانات. وتقول الدكتورة الثقفي إنه قد تم تصميم هذه البنية بشكلٍ معياري يسمح بتوسيع نطاقها بسهولة ويتيح معالجة آلاف الجينومات المتولدة كل عام، وتضيف أنه في حالة الزيادة المفاجئة في التحميل ولتجنب التوقف في حالة حدوث أي عطل، يمكن توسيع البنية التحتية بمرونة باستخدام مصادر حوسبة سحابية بطريقة تلقائية.
  • تطوير منصة مخصصة لعلم الجينوم السعودي تغطي جميع الأمراض الوراثية المبلغ عنها، وتأسيس مركز بيانات راسخ ونظام سحابي لتخزين وتحليل البيانات. وتوضح الدكتورة الثقفي أن المشروع ينطوي أيضاً على عدة تطبيقات قيد الإنشاء قائمة على الذكاء الاصطناعي، مثل تطبيق تحديد التشخيص الإكلينيكي الدقيق  للأمراض الوراثية وتطبيق آخر يساعد على التنبؤ بالطفرات الجينية التي تؤدي إلى الإصابة بالأمراض وغيرها.
  • إعداد وتأهيل مجموعة من الكوادر الوطنية المتخصصة والمؤهلة للقيام بإجراء التسلسل الجينومي والتحليل المطلوب.

  • الانتهاء من تسلسل ما يقرب من 60,000 عينة وتحديد أكثر من 7 آلاف من المتغيرات المرضية لدى السعوديين.
  • تطوير موقع ويب متاح للعامة على شبكة الإنترنت يضم أكثر من 400 باحث و72 معهداً. وإتاحة الوصول إلى قاعدة البيانات أمام الباحثين والعلماء فقط حفاظاً على خصوصية المرضى.

المراكز النشطة التابعة لمشروع الجينوم البشري في المملكة العربية السعودية.
المصدر: مشروع الجينوم البشري السعودي

كما أقامت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية العديدَ من الشراكات وبرامج التعاون مع العديد من المراكز الطبية والبحثية والشركات في إطار مشروع الجينوم البشري السعودي؛ فعلى الصعيد المحلي عقدت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية شراكة مع مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، ووزارة الصحة، ووزارة الحرس الوطني، ومركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية (كيمارك)، وجامعتي طيبه وحائل. أما على الصعيد الدولي فقد تم التعاون مع العديد من الشركات الرائدة في مجال الجينوم، ومنها: شركة ثيرمو ساينتيفيك (Thermo Scientific)، وشركة إلومينا (Illumina). وخرجت من هذه الشراكات بالعديد من الفوائد، منها:

  • التعرف على مجموعات جغرافية ومرضية مختلفة.
  • المشاركة في برامج مختلفة واكتساب خبرات جديدة.
  • تسهيل إنشاء منصات الاختبار الوراثي المتخصصة.
  • نقل تقنيات جديدة للاستفادة منها في عمليات التشخيص.
  • سهولة تسويق المنتجات والخدمات من خلال الشركاء.

يضع مشروع الجينوم البشري السعودي حجر الزاوية لتطوير الطب الشخصي في المملكة، ويفسح المجال لبناء قدرات وخبرات وطنية في مجال علم الجينوم. ومن المتوقع أن يستمر هذا المشروع لمدة 10 سنوات من أجل التوصل إلى الجينات المسؤولة عن الأمراض الجينية التي تصيب سكان المملكة، من خلال قراءة تسلسل الجينوم لعدد كبير من الأشخاص الذين يمثلون شريحة كبيرة من السكان. ويعتبر هذا المشروع أضخم مشروع سبق إطلاقه في المملكة وفي منطقة الشرق الأوسط لاكتشاف الطفرات المسببة للأمراض وتسريع التشخيص وزيادة دقته وتطوير العلاجات الموجهة، ما سيضع المملكة في مكانة رائدة عالمياً في مجال البحوث الجينية للأمراض والطب الشخصي.


شارك