Article image
الصورة الأصلية: منظمة المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي | تعديل: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية



تحاول سبع قوى عظمى استكشاف طريقة صنع شمس مصغرة على الأرض، بهدف إنتاج طاقة تساوي عشرة أضعاف كمية الطاقة التي سيحتاجها المفاعل لتشغيله.

بقلم

2020-12-27 17:24:24

27 ديسمبر 2020

هل يمكن للبشر صنع الشمس على الأرض؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مستحيلاً، بل حتى عبثياً، إلا أن هذا بالضبط هو ما يسعى إليه علماء الفيزياء في 35 دولة من مشروع المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي (International Thermonuclear Experimental Reactor) المعروف اختصاراً باسم: “إيتير”، الذي يوصف بأنه “أكبر مشروع علمي في تاريخ البشرية”.

35 عاماً على ظهور فكرة إيتير

في 28 يوليو الماضي، وبينما كان العالم منشغلاً بمتابعة تداعيات جائحة كورونا، كان عدد كبير من علماء الفيزياء والمسؤولون من مناطق مختلفة حول العالم مجتمعين في منطقة سان بول ليه دورانس بجنوب فرنسا من أجل تدشين عملية تجميع مفاعل إيتير المُقام على مساحة 100 فدان. وقد جاءت هذه الخطوة الهادفة لبناء أكبر مشروع تجريبي في مجال فيزياء البلازما الممغنطة في العالم، بعد تعطل دام لسنوات طويلة بسبب تأخيرات في تسليم المعدات وتضخم التكاليف واستقالة بعض من أكبر المسؤولين عن المشروع قبل عدة سنوات تحت ضغط الانتقادات المستمرة.

المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي

مصدر الصورة: منظمة المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي

طُرحت فكرة بناء مفاعل إيتير -الذي يعني “الطريق” باللاتينية- لأول مرة عام 1985، عندما اقترح آخر الرؤساء السوفييت ميخائيل جورباتشوف، على الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريجان، إقامة مشروع لتطوير طاقة الاندماج النووي للأغراض السلمية. وبعدما تم التفاهم على تفاصيل المشروع، تولت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مسؤوليته منذ ذلك الحين.

وتبلغ تكلفة المشروع الكلية نحو 25 مليار دولار، تتقاسمها دول الاتحاد الأوروبي مع المملكة المتحدة وسويسرا وروسيا والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة. والهدف النهائي من بناء المفاعل هو إثبات جدوى الاندماج كمصدر طاقة واسع النطاق وخالٍ من الكربون، عبر القيام بما لم تفعله أي تجربة اندماج نووي من قبل: توليد طاقة أكثر مما تستهلكه، على غرار التفاعلات التي تجري داخل الشمس.

بناء شمس صغيرة داخل مفاعل توكاماك

الاندماج النووي هي العملية التي يتم فيها دمج نواتين خفيفتين لتكونا نواة واحدة أثقل منهما، وهذا هو مصدر الطاقة التي تنتجها الشمس والنجوم. ويتمثل التحدي الأساسي في مفاعل إيتير في بناء نجم مصغر والتحكم فيه، حيث ستحاول مغناطيسات فائقة التوصيل إبقاء البلازما -التي يُشار إليها غالباً بالحالة الرابعة للمادة -عند درجة حرارة تصل إلى 150 مليون درجة مئوية (أي ما يساوي عشرة أضعاف حرارة مركز الشمس) لفترة كافية لحدوث الاندماج داخل وعاء فراغي يبلغ وزنه 23 ألف طن.

وقد تم تصميم المفاعل وفقاً لمفهوم التوكاماك (Tokamak)، وهو نوع من أنواع المفاعلات النووية الاندماجية التي تستخدم مجالاً مغناطيسياً قوياً لجعل البلازما تطفو وسط المفاعل دون أن تلامس أياً من أجزائه، حتى لا تتلفه بسبب درجة حرارتها العالية. ويشير العلماء إلى أن كمية الطاقة التي يستطيع مفاعل التوكاماك إنتاجها ترتبط على نحو مباشر بعدد تفاعلات الاندماج التي تحدث داخله، فكلما كبر حجم الوعاء الفراغي الخاص بالمفاعل، زاد حجم البلازما، وبالتالي زادت إمكانات طاقة الاندماج.

وحجرة التوكاماك التي تم بناؤها داخل مفاعل إيتير أكبر بعشرة أضعاف من أكبر حجرة توكاماك في العالم حالياً، وقد تم إنزال قاعدة الوعاء في الحجرة في يوليو 2020. ويتكون الوعاء من ستة أجزاء يتم تصنيع بعضها في كوريا الجنوبية والبعض الأخر في إيطاليا. وقد وصلت عدة أجزاء بالفعل، وسيقوم العمال بتوصيلها بالمغناطيسات والدروع الحرارية ثم ينزلونها في حجرة التوكاماك.

المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي

مصدر الصورة: منظمة المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي

ولا يمكن للمغناطيسات فائقة التوصيل المستخدمة في المفاعل أن تعمل سوى في درجات حرارة فائقة البرودة تقترب من الصفر المطلق (تبلغ -269 درجة مئوية على وجه التحديد)، لذا سيتم تبريدها بواسطة هيليوم سائل يتحرك داخل مضخات يتم التحكم فيها يدوياً.

ويشكل التجميع الناجح لأكثر من مليون مكون من مكونات المفاعل (التي تتكون إجمالاً من عشرة ملايين قطعة)، ونقلها من قارات مختلفة، تحدياً لوجستياً وهندسياً هائلاً. وتبلغ أطوال بعض أجزاء المفاعل ارتفاعات عالية تصل إلى ارتفاع مبنى مكون من أربعة طوابق، كما يصل وزنها في بعض الأحيان إلى عدة مئات من الأطنان، ومنها على سبيل المثال المغناطيس الذي يبلغ وزنه ألف طن والذي يمكنه رفع حاملة طائرات يبلغ وزنها 100 ألف طن.

المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي

صورة توضيحية: المغناطيس المستخدم في مفاعل إيتير قوي لدرجة قد تمكنه من رفع حاملة طائرات من الماء.
مصدر الصورة: منظمة المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي

10 أضعاف الطاقة المُدخلة

يستهدف المفاعل إنتاج 500 ميجاوات من طاقة إنتاج مُدخلة تساوي 50 ميجاوات، أي أن إنتاجه سيساوي عشرة أضعاف كمية الطاقة التي سيحتاجها لتشغيله. والرقم القياسي السابق -الذي حققه مشروع الطارة الأوروبية المشتركة (JET)- يبلغ 16 ميجاوات فقط تم إنتاجها من طاقة إدخال بلغت 24 ميجاوات عام 1997. وعلى الرغم من أن الحرارة التي ينتجها مفاعل إيتير لن تُستخدم لتوليد الكهرباء، إلا أنه سيمهد الطريق -باعتباره أول تجربة اندماج في التاريخ تنتج طاقة أكثر مما تستهلك- لإنشاء محطة طاقة اندماجية تستطيع تحقيق ذلك في المستقبل.

ويتكون خليط وقود المفاعل من نظيري الهيدروجين: الديوتيريوم (D) والتريتيوم (T)؛ حيث يتم تسخينهما في درجات حرارة مرتفعة للغاية (حوالي 150,000,000 درجة مئوية) حتى اندماج جسيمات الوقود مُنتجة ذرة الهيليوم، كما يتولد نيوترون واحد عن كل تفاعل اندماجي نووي. وتنتقل معظم الطاقة المولدة من تفاعل الاندماج إلى الجدار عن طريق النيوترونات، وفي داخل هذا تتفاعل النيوترونات مع طبقة رقيقة من ذرات الليثيوم حيث يتم إنتاج التريتيوم مرة أخرى.

ويمثل اختبار طريقة إنتاج وقود التريتيوم أهمية خاصة في التجربة؛ لأن الإمدادات العالمية منه لا تكفي لتغطية احتياجات محطات الطاقة المستقبلية. ويتم التخلص من الحرارة الناتجة عن إبطاء حركة النيوترونات بواسطة ثلاثة أنظمة تبريد متصلة ببعضها البعض.

في التجارب الأصغر حجماً كان تفاعل البلازما يتوقف فوراً بعد بداية الاندماج، بسبب ارتفاع درجة الحرارة إلى ملايين الدرجات، ما يعمل على تفرقة البلازما عن بعضها فيتوقف الاندماج؛ لذا تهدف هذه التجربة إلى تقييد البلازما والتحكم فيها بواسطة مغناطيسات ضخمة تحصرها داخل المفاعل وتجبرها على الاستمرار في الاندماج.

ويقول برنار بيجو، المدير العام للمشروع إن “كل جرام من هذا الوقود يطلق كمية من الطاقة تعادل ما يمكن الحصول عليه من ثمانية أطنان من النفط”، مضيفاً أنه في الوقت الذي ينتج فيه التفاعل الانشطاري نفايات مشعة تدوم لعشرات الآلاف من السنين، فإن انصهار الهيدروجين لا يولد نفايات مشعة لفترة طويلة.

المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي

مصدر الصورة: منظمة المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي

ميزات أمان فريدة

تختلف التفاعلات النووية الاندماجية والانشطارية عن بعضها تماماً؛ ففي حين تحتوي المفاعلات الانشطارية على عدة أطنان من الوقود المشع، يحتوي نظام التفاعل الاندماجي بِرمته على بضعة كيلوجرامات من الوقود المشع (التريتيوم)، حيث تتفاعل عدة جرامات قليلة منه فقط في وقت معين داخل حجرة التفاعلات.

وتمتاز تقنية الاندماج بثلاث ميزات أمان فريدة تجعلها خياراً جذاباً لتوليد الكهرباء على نطاق واسع في المستقبل؛ أولها أنها تمنع خطر الانتشار النووي، فعلى عكس المواد المستخدمة في المفاعلات الانشطارية كاليورانيوم والبلوتونيوم، لا يعد التريتيوم مادة انشطارية، ولا يمكن استغلاله في صنع أسلحة نووية.

أما الميزة الثانية فتتمثل في أن مفاعلات الاندماج النووي لا تنتج أي نفايات نووية عالية النشاط أو طويلة العمر، فالوقود “المحترق” هو ​​الهيليوم، وهو غاز غير مشع. والمواد المشعة في النظام هي الوقود (التريتيوم) والمواد التي يتم تنشيطها أثناء تشغيل المفاعل فقط. وأخيراً، في حالة أي اضطراب أو فشل للنظام سيوقف التفاعل تلقائياً. لهذا يُقال إن الاندماج يحتوي على جوانب أمان متأصلة.

ويتوقع العلماء القائمون على المشروع تشغيل المفاعل لأول مرة وإنتاج أول بلازما في شهر ديسمبر من عام 2025، لكنه لن يصل إلى مرحلة الاندماج الكاملة قبل عام 2035.

وخلال المراسم الرسمية التي أقيمت بمناسبة بدء عملية تجميع المفاعل، أشاد الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن، بما وصفه بأنه “أكبر مشروع علمي في تاريخ البشرية”، بينما قال الدكتور فيكتور إلجيسونيس، عضو المجلس الدولي لمشروع إيتير: “منذ انطلاقه عام 2007، أصبح إيتير أكبر مشروع علمي في التاريخ سواء من حيث التعقيد والتكلفة والأهمية المفترضة للبشرية. واستناداً إلى نتائجه، سنستطيع الحكم على ما إذا كان الحلم النووي الحراري بمصدر طاقة آمن لا ينضب سيصبح واقعاً في القرن الحادي والعشرين أم لا”.


شارك