Article image




تسهم عمليات تحليل التركيبة الجينية لسلالات فيروس كورونا المستجد حول العالم بتقديم فهمٍ أفضل للعديد من الجوانب المرتبطة به.

2020-04-15 21:16:32

29 مارس 2020

كيف يُمكن التصدي لجائحة كوفيد-19 الناتجة عن فيروس كورونا المستجد؟

هذا الأمر يتطلب الكثير من الأمور، التي تبدأ من الالتزام بإستراتيجية الابتعاد الاجتماعي الهادفة لتقعير منحنى انتشار الفيروس، ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ إذ إن هذه الاستراتيجية هي مجرّد وسيلة لكسب الوقت في ظل غياب لقاحٍ أو علاجٍ دوائي يمكن استخدامها ضد المرض. ولهذا السبب، يعمل العديد من الباحثين والعلماء حول العالم على مدار الساعة من أجل تكوين فهمٍ أفضل وأكثر عمقاً حول الفيروس وأشكال انتشاره؛ فكلما زادت معارفنا حول الفيروس وآلية عمله، تحسنت فرص تطوير علاجٍ أو لقاحٍ ضده. 

ما يجب معرفته هو أنه لا توجد نسخة واحدة فقط منشرة للفيروس حول العالم؛ حيث تم حتى الآن تحديد 8 سلالات مختلفة للفيروس تنتشر في 6 قارات حول الكوكب، يقوم العلماء بتعقب بصمتها الجينية ودراستها بشكلٍ مفصل. ولا يزال هناك الكثير من المعلومات الغامضة المرتبطة به، ولا يزال أمام العلماء كثيرٌ من العمل والجهد قبل التوصل لفهمٍ كاملٍ للفيروس وأصله وكيفية نشوء طفراتٍ جديدة منه، وما السلالات القادرة على تشكيل خطرٍ كبيرٍ على السكان أو تلك التي لن تصمد في ظل إجراءات الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي.

ويعتمد الباحثون على دراسة التركيبة الوراثية والجينية للفيروس باستخدام أجهزة السلسلة Sequencing Machines، التي تمتلك معظمها حجم الطابعة المكتبية، وذلك عبر عيناتٍ مأخوذة من المرضى الذين تم تأكيد إصابتهم بمرض كوفيد-19. تتوفر الكثير من البيانات على موقع NextStrain.org الذي يوفر خريطةً تفاعلية تُظهر كيفية انتشار الفيروس وسلالاته المختلفة، بدءاً من مركز تفشيه الأولي وهو مدينة ووهان الصينية، بالإضافة لشجرةٍ وراثية تظهر التطورات الحاصلة على البنية الجينية للفيروس وتاريخ ومكان ظهورها. ما يهمنا معرفته هنا هو أن المعلومات المتاحة على الموقع تظهر كيفية نشوء أنواع فرعية جديدة من الفيروس، ولو أنها جميعها متشابهة. 

خريطة انتشار سلالات فيروس كورونا المستجد حول العالم. 
مصدر الصورة: موقع Nextstrain

بالرّغم من أنه لا يزال من المبكر الإدلاء بمعلوماتٍ أكيدة حول الانتشار العالميّ للفيروس إلا أنه يمكن القول بأن الاختلافات الصغيرة بين سلالات الفيروس تُظهر أن إجراءات الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي تؤتي بثمارها في العديد من المناطق حول العالم، كما أنه لا يوجد حتى الآن سلالة أشد فتكاً وأكثر خطورةً من السلالات الأخرى، وعلاوةً على ذلك، لا يوجد حتى الآن أي مؤشر يُرجح احتمالية تطور إحدى السلالات لشكلٍ أكثر خطورة. وبحسب تشارلز تشيو Charles Chiu، أستاذ الطب والأمراض المعدية في جامعة كاليفورنيا، فإن معدل نشوء طفراتٍ جديدة للفيروس لا يزال بطيئاً بما أدى إلى كون السلالات المنتشرة حول العالم متشابهة جداً مع بعضها البعض. 

بدأ فيروس كورونا المستجد تفشيه في الصين في وقتٍ ما بين منتصف شهر نوفمبر وشهر ديسمبر من سنة 2019، وتتألف تركيبته الوراثية من 3000 زوج، وبالمقارنة، يمتلك الإنسان أكثر من 3 مليار زوج ضمن التركيبة الوراثية. تمكن العلماء من تحديد اختلافاتٍ في 11 زوجاً جينياً للفيروس، وذلك ضمن سلالاته الأكثر تغيراً، وهذا الأمر يسهل بشكلٍ كبير من عملية تعقب السلالات الجديدة والتعرف عليها. ويقول تشارلز تشيو بهذا الصدد: “يمكن تعقب كل تفشي جديد للمريض، ونحن نمتلك القدرة على إجراء عمليات السلسلة الجينية للفيروس في الزمن الحقيقي تقريباً، وبذلك فإننا سنكون قادرين على معرفة السلالات المنتشرة”.

لو تم أخذ حالة الساحل الغربي من الولايات المتحدة الأميركية، فإن معظم حالات الإصابة المكتشفة هناك تعود لسلسلةٍ من الفيروس تم التعرّف عليها أولاً في ولاية واشنطن، التي من المرّجح أنها تعود لشخصٍ سبق وأن تواجد في مدينة ووهان الصينية وعاد للولايات المتحدة بتاريخ 15 يناير، والسبب في هذا الاستنتاج أن هذه السلالة تختلف عن تلك المنتشرة في مدينة ووهان بثلاث طفراتٍ فقط، وذلك بحسب العمل البحثيّ المُنجز من قِبل تريفور بيدفورد Trevor Bedford، الباحث في مجال الحوسبة الحيوية. وبالنسبة للساحل الشرقي الذي يشمل العديد من المدن بدءاً من نيويورك شمالاً ووصولاً حتى مدينة فلوريدا جنوباً، تم تحديد عدة سلالات للفيروس تتضمن تلك المكتشفة ضمن ولايات الساحل الغربي، بالإضافة لسلالاتٍ أخرى من المرّجح أنها ناتجة عن تطور السلالات المنتشرة في أوروبا، والتي بدورها نتجت عن السلالات الصينية. 

كن حذراً من الشكل الجميل للشجرة الوراثية

عمليات التنقيب عن المعلومات ضمن البيانات الجينية الخاصة بفيروس كورونا ليست الأولى من نوعها؛ إذ مارس العلماء نفس النشاط سابقاً مع أوبئة أخرى مثل سارس وإيبولا وحمى غرب النيل، ولكن هذا الجهد بقي محصوراً ضمن الأوساط العلمية، بينما الآن فإننا سنجد أن الشجرة الوراثية الخاصة بتطور طفرات فيروس كورونا أصبحت في كل مكان على مواقع التواصل الاجتماعيّ، وذلك بسبب توافر الخرائط الجينية على موقع Nextstrain وإمكانية مشاهدتها ومشاركتها من أي شخص متصل بالإنترنت. يستخدم العلماء البيانات المتوافرة على هذا الموقع لأغراض بحثية مرتبطة بتعقب انتشار فيروس كورونا المستجد وفهم سلوكه، وهو يضم نتائج عمليات السلسلة الجينية لطفرات الفيروس من 36 دولة حول العالم. 

خريطة التطور الزمني للطفرات والسلالات المختلفة للفيروس بدءاً من الظهور الأول لها في ديسمبر سنة 2019 ضمن مدينة ووهان الصينية وحتى شهر مارس 2020. 
مصدر الصورة: موقع nextstrain

المشكلة هنا أن توافر هذه المعلومات بشكلٍ مجانيّ قد يؤدي لاجتهاداتٍ شخصية وإساءة تفسيرها من قِبل الكثيرين، وفي عصر التواصل الاجتماعيّ فإن محاربة المعلومات الزائفة والمضللة هو أمرٌ هام ولا يقل شأناً عن الجهود المبذولة لتطوير علاجٍ أو لقاحٍ للفيروس. حتى بالنسبة للخبراء والمختصين فإن الصورة لا تزال ضبابية ولا يزال هنالك الكثير من الجهد الذي يجب بذله من أجل فهم الأمور على نحوٍ أوضح. وكمثال، فإن عدد حالات الإصابة بالفيروس قد تجاوز 650 ألفاً حول العالم، إلا أن عمليات السلسلة قد تمت على 1000 جينوم تقريباً، أي أن كمية البيانات المتوافرة لا تزال غير كافية، وقد تكون مضللة. 

أعراض مختلفة ضمن نفس السلالات

لا يمكن التنبؤ حتى الآن بشكلٍ قطعيّ بمدى شدة الإصابة الناتجة عن مرض كوفيد-19؛ فبعض الأشخاص يشعرون بعوارض خفيفة والبعض الآخر لا يظهر أي عوارض، في حين أن بعض الحالات تظهر عوارض متقدمة تتطلب البقاء في المنزل والراحة، وهنالك الحالات الشديدة التي تتطلب رعايةً صحية متقدمة في المستشفيات، وأخيراً هنالك الحالات السيئة التي تنتهي بالوفاة، وحالياً فإن معدل الوفيات العالمي هو حوالي 4.6%، وبالنسبة لمعدل الوفاة نفسه فإنه يختلف بشكلٍ كبير بين الدول والمناطق الجغرافية، ففي ألمانيا مثلاً تبلغ نسبة الوفيات حوالي 0.7%، بينما ترتفع لحدود 10% في إيطاليا. أسباب اختلاف معدل الوفيات يرتبط بأمورٍ قد لا تتصل بدرجة خطورة الفيروس نفسه، مثل جودة نظام الرعاية الصحية واستجابة المواطنين لإجراءات الوقاية وقدرة الدولة على إجراء الفحوصات على نطاقٍ واسع. 

بحسب تشارلز تشيو، وبالعودة للمعلومات المتوافرة حالياً من البيانات الوراثية والجينية، فإنه لا يوجد مؤشر قطعي على أن اختلاف معدل الوفيات بين الدول بالاختلافات بين سلالات الفيروس المختلفة، وذلك بسبب التشابه الكبير جداً بينها، أي سلالات الفيروس حول العالم. بالإضافة إلى ذلك، فإن الفيروس نفسه لا يقوم بتشكيل الطفرات على نحوٍ سريع، وتشير المعلومات الحالية إلى أن معدل نشوء الطفرات هو أقل بحوالي 8 إلى 10 مرّات من معدل نشوء الطفرات الخاص بفيروس الأنفلونزا، وهذا يعني أن معدل التطور الخاص بفيروس كورونا المستجد مشابه لذلك الذي تملكه فيروسات أخرى من نفس العائلة؛ فيروس سارس وفيروس ميرس. هنالك نقطة هامة بهذا الصدد، وهي أن النسخة الحالية من الفيروس تمتلك فعالية كبيرة بالانتقال بين البشر والعثور على مضيفٍ جديد، وهذا يعني عدم وجود ضغط تطوري عليها لتطور نفسها وتعزز من قابليتها على العدوى. 

أثر إجراءات التباعد الاجتماعي

من الأمور الهامة التي يمكن قياسها عبر دراسة المعلومات الوراثية الخاصة بالفيروس هي أثر وكفاءة إجراءات التباعد الاجتماعي، وبحسب تشارلز تشيو، فإن التحليل الحالي يظهر أن القوانين الصارمة المتبعة في ولاية كاليفورنيا قد أثمرت بشكلٍ جيد؛ فأكثر من نصف الحالات التي قام تشارلز تشيو بإجراء عمليات السلسلة الجينية لها مرتبطة بعدوى ناتجة عن السفر من خارج الولاية، كما أن 30% من الحالات التي تم تحليلها ترتبط بالعاملين في مجال الرعاية الصحية والإصابات الناتجة عن عدوى من أحد أفراد العائلة. أخيراً، أظهرت تحاليله أن 20% فقط من الحالات ناتجة عن عدوى محلية، أي عبر انتقال الفيروس بين شخصين يعيشان ضمن نفس المجتمع ولم يكن بينهما روابط وثيقة، وهذا يشير إلى عدم قدرة الفيروس على الانتشار بشكلٍ واسع ضمن المجتمعات المحلية كنتيجةٍ لتطبيق سياسات التباعد الاجتماعي وتخفيف التواصل بين الأفراد. 

بهذه الصورة، ومع الأنباء السارة المرتبطة بأثر سياسات التباعد الاجتماعيّ والحجر الصحيّ، فإن القدرة على احتواء الفيروس -وحتى اختفائه- ستكون قابلة للتطبيق، وبالتالي إذا نشأت بؤرة انتشار جديدة ضمن مجتمعٍ محليّ ناتجة عن مريضٍ قادم من خارج هذا المجتمع، فمن المفترض أن تختفي هذه البؤرة من تلقاء نفسها كنتيجةٍ للتواصل المنخفض جداً بين الأفراد، وبالتالي عدم إفساح المجال أمام الفيروس للانتقال بشكلٍ فعال.

الكثير من الغموض حول الصين

ماذا عن الصين نفسها؟ ماذا عن المعلومات الجينية المتعلقة بالفيروس من البلد الذي تفشى فيه للمرة الأولى؟ ما يعرفه العلماء حالياً هو أن الفيروس قد ظهر وتفشى للمرة الأولى في مدينة ووهان خلال وقتٍ بين شهري نوفمبر وديسمبر من سنة 2019، أما التفاصيل المتعلقة بتركيبته الجينية فهي لا تزال غير واضحة. تم نشر السلسلة الوراثية الأولى من الفيروس بتاريخ 10 يناير من سنة 2020 عبر البروفيسور الصيني يونغ زين زانغ، ولكن بحسب تشارلز تشيو، فإن العديد من العلماء حول العالم لا يزالون غير متأكدين إن كان هنالك سلالة واحدة للفيروس في الصين أو عدة سلالات. 

وجد باحثون في المملكة المتحدة البريطانية معلوماتٍ تشير إلى احتمالية نشوء عدة سلالات في الصين قبل أن تنتشر حول العالم، وذلك بعد أن قاموا بإجراء عملية سلسلة للجينوم الخاص بعدة مسافرين من مدينة غواندونغ جنوبي الصين، فقد تبين أن الفيروسات المكتشفة ضمن هؤلاء المرضى تنتمي للسلالات المنتشرة حول العالم. وفي ظل عدم وجود بيانات كافية من الصين، فإن تفسير هذه النتائج يحمل الكثير من التكهنات؛ فمن المحتمل أنه لم يتم إجراء عمليات سلسلة جينية بشكلٍ كافٍ في الصين، أو أنه من المحتمل أن البيانات لم تنشر لأهدافٍ سياسية، وسيكون من الصعب التحقق من صحة كل احتمال. 

الفيروس ليس صناعة بشرية

من بين الأسئلة المتنوعة التي يمتلكها الكثيرون حول فيروس كورونا المستجد هو الاستفسار عن كيفية نشوئه، ومع الأسف فإن العديد من المنظرين يستثمرون في نظرية الاصطناع المخبريّ للفيروس من قبل البشر، وانتشاره إما عبر خطأ بأحد التجارب، أو الأسوأ: الترويج لفكرة الانتشار المقصود والموجه للاستفادة من هذه الجائحة الصحية لغاياتٍ سياسية واقتصادية.

ما توفره المعلومات الجينية المتوافرة حالياً هو عدم وجود أي دليل على أن الفيروس قد نشأ في ظروفٍ مخبرية اصطناعية، وعلى العكس، فإن التفسير الأكثر منطقية حتى الآن هو نشوء الفيروس ضمن مضيفٍ حيوانيّ ومن ثم انتقاله للبشر عبر عملية التطور الطبيعي. فهذا التركيب الجزيئي لجينوم فيروس كورونا المستجد المنتشر بين البشر يشبه التركيب الخاص بفيروس كورونا موجود عند الخفافيش، كما أن بعض أجزاء الجينوم الخاص به تشبه فيروساً ينتشر ضمن آكلات النمل، وذلك وفقاً لورقةٍ بحثية منشورة في مجلة نيتشر. 

كيف انتقل الفيروس من الحيوانات للبشر؟ هذا ما يصعب معرفته في الوقت الحاليّ، وهناك جهودٌ كثيرة في هذا الصدد منها تلك الرامية إلى تحديد المريض صفر، أي أول حالة ظهور للفيروس بين البشر. من المرّجح أن التفشي الكبير للفيروس بين البشر هو نتيجة لحالة ظهور وحيد، بمعنى أن الفيروس قد انتقل مرةً واحدة فقط من الحيوانات للبشر ومن ثم حصل التفشي الكبير بين البشر أنفسهم.