Article image
حقوق الصورة: جيتي



نميل للاعتقاد بأن الأطفال يثقون ثقةً عمياء في أية معلوماتٍ يصادفونها، لكن الأبحاث تظهر أننا مخطئون.

2019-12-23 10:10:22

23 ديسمبر 2019

في أحد الأيام، سمعت جوديث دانوفيتش ابنها -ذا الأربع سنوات وقتها- يسأل سيري على جهاز آيباد الخاص بالعائلة السؤال التالي: “ما لون القميص الذي أرتديه؟”.

تقول دانوفيتش، وهي باحثةٌ في جامعة لويزفيل، إن ابنها كان يختبر حدود معرفة سيري، وهو أمرٌ -كما يكشف بحثها- يحدث غالباً عندما يصل الأطفال إلى تلك السن. وكلما ازدادت الدراسات التي تجريها هي وغيرها في هذا المجال، برز هذا السلوك أكثر رسوخاً.

وفي إحدى هذه الدراسات، التي نُشرت في مايو الماضي، أجرت دانوفيتش وزملاؤها “دراسة ثقةٍ انتقائية” على أطفالٍ صينيين تتراوح أعمارهم بين 5 و8 سنوات؛ حيث تم تقسيمهم إلى مجموعاتٍ ثم طُرحت عليهم أسئلةٌ من قبيل: “كم يوماً تستغرق دورةٌ كاملة للمريخ حول الشمس؟”.

قامت دانوفيتش وزملاؤها بتقديم رواياتٍ متناقضة إلى هؤلاء الأطفال. على سبيل المثال: قالت الإنترنت إن هذه الدورة تستغرق 600 يوم، أما مُعلِّم الأطفال فقد قال 700 يوم. فيمن وَثِق الأطفال؟ (الجواب الصحيح، بالمناسبة، هو 687 يوماً).

تبيَّن أنَّ الأطفال -بأغلبيةٍ ساحقة- يثقون في المعلم حتى لو كان هذا الأخير مُخطِئاً. تبدو هذه النتيجة منطقيةً؛ فالأطفال يعرفون معلمهم، كما أن هذا المعلم قد طوَّر علاقةً قوية معهم. لكن الأطفال فضَّلوا أقرانهم أيضاً على الإنترنت، على الرغم من علمهم بأن أصدقاءهم يقفون معهم على قدم المساواة من حيث كمية المعرفة التي يمتلكونها.

إنَّ نظرية دانوفيتش حول السبب وراء تصرف الأطفال بهذه الطريقة تشير إلى أن فكرة المساعِدات الصوتية -وبالتالي الإنترنت- هي فكرةٌ مُبهمة وغير متبلورةٍ ومن الصعب استيعابها بالنسبة لهم. فإذا كنتَ طفلاً يعتقد بأن هناك امرأةً صغيرة تعيش في المطبخ واسمها أليكسا (حالك كحال ابن دانوفيتش، على حدّ قولها)، فأنت لا تحاول استيعاب الكيفية التي يعمل بها هذا الشيء فحسب، بل أيضاً ماهية قاعدته المعرفية في المقام الأول. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن الثقة في شخصٍ آخر هو أمرٌ مختلف ومتأصِّل في أدمغتنا بالفطرة.

وفي وقتٍ سابق من هذا العام، قدمت سيلفيا لوفاتو من جامعة نورث ويسترن بحثاً أظهر أن الأطفال الأميركيين من نفس الشريحة العمرية التي درستها دانوفيتش ليسوا فقط متشككين في المساعِدات الصوتية، وإنما مبدعون على نحوٍ ملفت في محاولاتهم لاختبار مدى موثوقية هذه الأجهزة.

تقول لوفاتوس إن الأطفال في دراستها كانوا يُمطِرون المساعِدات الصوتية بالأسئلة. وكانت المخلوقات الخيالية حاضرةً دائماً في أسئلتهم، ومن هنا جاء عنوان بحثها: “مرحباً جوجل، هل الأحصنة وحيدة القرن موجودة فعلاً؟”. وغالباً ما تتم برمجة المساعِدات الصوتية للإجابة بـ “لا أعرف” على هذا النوع من الاستعلامات (من قبيل: بابا نويل وأرنب الفصح وجنية الأسنان، وغيرها)، مما يجعلها تبدو غير جديرةٍ بالثقة بالنسبة للأطفال.

إن أبحاث دانوفيتش ولوفاتو لا تشير فقط إلى أن تفكير الأطفال في التكنولوجيا أكثر تطوراً مما نعتقد، وإنما تشير أيضاً إلى أننا -بصفتنا بشر- لدينا حسٌّ متأصِّل بالتشكيك في المصادر المجهولة، وهو يغدو أكثر ضبابيةً مع التقدم في العمر. كما أنَّ هجمة الأخبار المزيفة وحملات التضليل المنتشرة بشكلٍ واسع اليوم على مواقع التواصل الاحتماعي تجعلنا نبدو أشخاصاً مغفَّلين لا يتحققون من المصادر بالدرجة اللازمة من العمق. وتشير هذه الدراسات إلى أنَّ التكنولوجيا ليست أمراً نثق فيه تلقائياً، على الأقل عندما نكون صغاراً في العمر.

تقول دانوفيتش: “الأطفال متيقِّظون لهذا الأمر؛ فهم يتتبعون بانتباهٍ مَن يعرف الأجوبة على تساؤلاتهم ومن لا يعرف. كما أن الأطفال لا يثقون بشكلٍ أعمى في أي جوابٍ يحصلون عليه. وهذا السلوك ينطبق على الإنترنت والبرامج الحاسوبية، فالأطفال لا يثقون فيهما أيضاً”.