تُعتبر المناطق الريفية المكان المثالي لاختبار الجيل الجديد من إنترنت الأقمار الاصطناعية، بما أن الخدمة فيها سيئة.

Article image
جونو، ألاسكا

تعمل كريستين أوكونر لأحد عشر شهراً في السنة في جمعية اتصالات ألاسكا في أنكوراج. وتشغل منصب المديرة التنفيذية لهذه المجموعة التجارية، والتي تسعى إلى تحسين خدمة الإنترنت لكل سكان ألاسكا.

تتمتع أوكونر بخدمة إنترنت جيدة في مكتبها، حيث تشترك مع بقية المبنى بوصلة تبلغ سرعتها 100 ميجا بت في الثانية. ولكن في يوليو من كل عام، تعمل أوكونر في صيد السمك في إيكوك، وهي منطقة نائية لا توجد فيها سلطات محلية، ويبلغ عدد السكان المسجلين فيها اثنين فقط. وهناك تتذكر مراراً وتكراراً، الوضع الحرج الذي تعاني منه الكثير من المناطق الريفية في الولاية.

تضع أوكونر على سح منزلها صحناً لاقطاً للأقمار الاصطناعية من الجيل قبل الماضي، موجهاً بشكل شبه مباشر نحو الأفق لالتقاط خدمة الإنترنت من أقرب قمر اصطناعي للإنترنت من شبكة هيوزنت. وقد اشترت صحناً مستعملاً لأن النسخ الجديدة لا تستطيع التقاط الإشارة حيث تعيش. وبفضل هذا الصحن، تستطيع الحصول على سرعة تحميل تبلغ 2 ميجا بت في الثانية، مع حد أعلى يومي يعادل 800 ميجا بت، بتكلفة 199.99 دولار شهرياً. وللمقارنة، فقد كان متوسط سرعة تحميل إنترنت الحزمة العريضة في الولايات المتحدة لعام 2017 يعادل 64.17 ميجا بت، بتكلفة وسطية تعادل 67 دولار شهرياً تقريباً. ولكنها راضية بما لديها، كما تقول: “أنا ممتنة فقط لمجرد وجود هذا الاتصال”.

أوكونر تقف في مدخل أحد أنفاق تمديدات الخدمات في أوتكياجفيك، ألاسكا.
تقدمة من كريستين أوكونر

تتراوح نسبة سكان ألاسكا الذين يعانون من تردي خدمات مزودي الإنترنت ما بين 15% و39%، ما يعني أنه يمكنهم الوصول إلى مزود واحد على الأكثر. وتُعتبر إنترنت الأقمار الاصطناعية الخيار الوحيد لإيصال الخدمة إليهم، حيث إن مد خط ضوئي إلى منطقة ريفية لا تحوي الكثير من السكان ليس بالعملية المربحة. ولهذا، بدأت شركات إنترنت الأقمار الاصطناعية بالانتباه إلى ألاسكا بوصفها المكان المثالي لاختبار حلولها التكنولوجية الجديدة، بما في ذلك مجموعات الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض. وتخطط العديد من الشركات، مثل ون ويب وسبيس إكس وتيليسات وليوسات لاستخدام عدد كبير من الأقمار الاصطناعية منخفضة الاستطاعة في المدار الأرضي المنخفض لتقديم إنترنت الحزمة العريضة للكوكب. حيث ستدور الآلاف من الأقمار الاصطناعية حول الكوكب وتبث الإنترنت إلى السطح من ارتفاع يبلغ حوالي 2000 كيلومتر. وهو أقرب بكثير من الأقمار الاصطناعية الأكبر في المدار المستقر، وهي الوسيلة المُثبتة حالياً لتقديم الإنترنت الفضائي، والتي تدور في الفضاء فوق خط الاستواء على ارتفاع أكثر من 350,000 كيلومتر.

لا شك في أن هذه أخبار جيدة لسكان ألاسكا. ولكن التركيز المفاجئ على إيصال الإنترنت إلى هذه الولاية الثرية – وإن كانت بعيدة – يتعارض مع ما كانت الكثير من الشركات تعد به بالنسبة لتكنولوجيا الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض. ففي البداية، كان الضجيج حول هذه الأقمار الجديدة يركز على الوعد بوصل العالم غير المتصل، أي “المليارات الثلاثة أو الأربعة الأخرى”. وعلى الرغم من أن هذه قضية نبيلة، يبقى الواقع الملتوي الذي يقول إن جني الأرباح من هذه المناطق أمر صعب، كما يقول الباحث في مرحلة الدراسات العليا في إم آي تي مات جرايدون: “لقد قال لي أحد المدراء التنفيذيين من دون مواربة أنه لا يوجد أي ربح في تقديم الإنترنت للأشخاص الذين يجنون أقل من دولار واحد يومياً”.

قام جريج وايلر – مؤسس ون ويب – فيما مضى بتأسيس شركة أو ثري بي O3B، والتي أطلق عليها هذا الاسم تيمناً بطموحه في إيصال الإنترنت إلى “المليارات الثلاثة الأخرى Other 3 Billion”. يقول ماني شار، مدير التحليل في المملكة المتحدة في شركة برايس سبيس أند تكنولوجي: “لقد تبين لهذه الشركات على مدى العقد المنصرم تقريباً أن سوقها الأساسي يكمن في الجزر وسفن الرحلات البحرية. من المثير للاهتمام أن نرى كيف ابتعدوا عن هدفهم الأول. وبدلاً من المليارات الثلاثة الأخرى، يبدو أنهم قرروا التركيز على المليارديرات الثلاثة الآخرين”.

ولكن يمكن اعتبار ألاسكا بمثابة حل وسط. حيث تحوي على سكان يعانون من نقص في خدمة الإنترنت، والذين يتوافقون مع أهداف الشركات بوصل من يفتقرون للإنترنت، ولكن أيضاً يمتلكون الأموال اللازمة لدعم خدمة كهذه. إنها ولاية أميركية بعيدة ذات كثافة سكانية منخفضة ترغب بشدة بالحصول على اتصال أفضل وأقل تكلفة.

قد يكون هناك حافز مادي آخر. حيث أن موقع ألاسكا قرب القطب الشمالي هو أحد أسباب ضعف خدمة الإنترنت فيها، ولا تستطيع الأقمار الاصطناعية الحالية في المدار المستقر، والتي تدور حول خط الاستواء، أن توصل الخدمة إلى هذه المناطق على خطوط العرض المرتفعة إلا بصعوبة بالغة بسبب الزاوية الحادة المطلوبة لإرسال الإشارة. وبالتالي، فإن تأمين خدمة جيدة للمناطق القطبية الشمالية قد يفتح سوقاً رابحة للغاية مع خطوط الشحن وغير ذلك من الشركات.

“لا يمكننا أن نقلل من الأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة القطبية الشمالية”.

تقول كارين جونز، مديرة المشروع الأساسية لمركز سياسة واستراتيجية الفضاء في منظمة ذا أيروسبس كوربوريشن: “أعتقد أن مزودي خدمة الأقمار الاصطناعية سيطبقون استراتيجية تسمى الكشط السعري، حيث سيركزون في البداية على الزبائن ذوي القدرات المادية الكبيرة. وأعتقد أن هذا سيشمل شركات الطيران، وسفن الرحلات البحرية، والأماكن التي تتصف بطلب غير مرن للخدمة مثل المناطق القطبية الشمالية. ولا يمكننا أن نقلل من الأهمية الجيوستراتيجية للمنطقة القطبية الشمالية”.

تعتبر ون ويب أكبر واحدة من الشركات الناشئة الجديدة للأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض، والتي تدرس إمكانية العمل في ألاسكا. وكما قال وايلر في 2017: “نحن نتطلع إلى إيصال الخدمة إلى ألاسكا من ضمن أولى مناطق عملنا، لأنها تعاني من مشكلة صعبة في إنترنت الحزمة العريضة. وإذا تمكنا من حل مشكلة ألاسكا، سيكون هذا بمثابة عرض تجريبي رائع على ما نستطيع فعله في المناطق الأخرى”. وتقول أوكونر أنه من بين جميع الشركات الجديدة، فإن ون ويب تبدو الأكثر وجوداً على الأرض، حيث تشارك في اللقاءات المحلية وتتواصل مع الجهات الأساسية في ألاسكا. وقد أعاد وايلر تأكيد خطط الشركة في مجلة ذا إيكونوميست مؤخراً، وقال إنها ستبدأ بتقديم الخدمات في المناطق الشمالية في 2019. ولكن تقول التقارير أن الشركة تواجه مصاعب مالية، بما في ذلك ارتفاع أسعار أقمارها الاصطناعية بشكل يتجاوز مخصصاتها. وبعد عدة تأخيرات، تم إطلاق أول مجموعة من الأقمار الاصطناعية للشركة في 22 فبراير.

غير أن ون ويب ليست لوحدها. حيث تخطط شركة ناشئة أخرى، أسترانيس، لإطلاق أول قمر اصطناعي مصغر في المدار الأرضي المستقر لتقديم الإنترنت لألاسكا بحلول العام 2020. ويتصف هذا القمر الاصطناعي بأنه أقل تكلفة من الأقمار الاصطناعية المستخدمة عادة في المدار الأرضي المستقر، كما أنه لا يتجاوز واحداً على عشرين من حجمها المعتاد.

يقول جون جيدمارك، المدير التنفيذي لأسترانيس: “ستكون ألاسكا أول زبائننا. ويجب أن يكون هذا نداء تنبيه للجميع. لقد بحثنا في جميع أنحاء العالم، وتبين لنا أن أفضل مكان لاستهدافه بهذه الخدمة هو في الواقع هنا في الولايات المتحدة”. وعلى الرغم من أن كلمة “أفضل” قد تعني منطقة بحاجة ماسة إلى الإنترنت، فهي تعني أيضاً أنها منطقة تتيح فرصة كبيرة لتحقيق بعض الأرباح.

في الشهر الماضي، وقعت أسترانيس صفقة مع مزود الإنترنت باسيفيك داتابورت لتقديم الخدمة إلى سكان ألاسكا. وتبيع أسترانيس الخدمة بأسعار الجملة إلى الشركة المحلية، وتعدها بالحصول على الأرباح فور بدء العمل.

أيضاً، لا يمكن أن نتجاهل بعض الجهات الأساسية التي كانت تعمل في مجال الأقمار الاصطناعية في ألاسكا منذ زمن. حيث أن شركة خدمات الأقمار الاصطناعية لإنترنت الحزمة العريضة، هيوز-والتي تزود أوكونر بالإنترنت- تقدم خدماتها بالأقمار الاصطناعية حالياً لما يصل إلى 1.2 مليون مشترك في الأميركتين. ووفقاً لبول جاسكي، المدير العام لشركة هيوز في أميركا الشمالية، فإن الشركة تخطط لمواصلة الاستثمار في الأقمار الاصطناعية ذات المدار الأرضي المستقر بدلاً من الانتقال إلى تلك التي تعمل في المدار الأرضي المنخفض. وسيتم إطلاق قمرها الاصطناعي جوبيتر 3 في 2021، وهو ما سيؤدي إلى مضاعفة سعة الخدمة في الولايات المتحدة بمقدار ثلاثة أضعاف. لا يعتقد جاسكي أن الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض قادرة على تأمين السعة المطلوبة لتقديم الخدمات إلى أعداد كبيرة من المشتركين.

ويقول أخيراً: “نحن نعتبر أن نوعي الأقمار الاصطناعية يكملان بعضهما البعض. حيث إن الأقمار في المدار الأرضي المنخفض تتميز بقدرة عالية على الوصول، بدلاً من السعة الكبيرة”.

في ألاسكا، فإن الشركات مثل ون ويب وأسترانيس وليوسات ستضطر إما إلى منافسة الشركات الموجودة، أو الاستفادة من قدرتها على الوصول إلى أماكن بعيدة لتقديم الخدمات إلى من يفتقرون إليها تماماً. ويجب أن يفعلوا هذا مع إثبات قدراتهم للشركاء المحليين. يقول مارك آيرز، نائب المدير للهيكلية والتخطيط لمزود الإنترنت في ألاسكا جي سي آي: “لا أعتبر أن هذه مجرد تجربة. حيث أنهم يجب أن يثبتوا قدراتهم الفنية قبل بدء العمل”. وفي توقيت مناسب تماماً، قد يبدأ أول عمل تجريبي للأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض قريباً. وقد غرد وايلر من ون ويب على تويتر قائلاً: “آمل أن أول عمل تجريبي للأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض سيبدأ بتفعيل نسبة من حركة البيانات لأصدقائنا في ألاسكا”.

من المشاكل الأخرى أيضاً قلة عدد السكان في تلك الولاية، وكثرة اللاعبين الجدد الذين يحاولون اقتطاع حصة من السوق لأنفسهم. وفي أمكنة أخرى، أدى تزايد المنافسة إلى إيذاء بعض الشركات الموجودة مسبقاً. حيث أن ثايكوم، وهي شركة في بانكوك، ومن المزودين القدامى لإنترنت الأقمار الاصطناعية بالمدار الأرضي المستقر، شهدت انخفاضاً في الدخل بنسبة 10.2% في السنة الماضية، وهي السنة الثانية على التوالي لحدوث هذا الأمر، والذي تعزوه إلى “المنافسة الشرسة”.

فيما تناور الشركات المختلفة في أساليبها، وتحاول أن تدرس إمكانية تحقيق الأرباح، فإن سكان ألاسكا أنفسهم ينتظرون بفارغ الصبر بدء هذه التكنولوجيا بالعمل. تقول أوكونر: “أنا تواقة لرؤية خيارات أفضل وأقل تكلفة للإنترنت في ألاسكا، وأشعر بالفضول إزاء الموعد الذي سيتحقق فيه هذا الأمل. ولكننا حالياً ننتظر وحسب”.


شارك



مراسلة الفضاء، إم آي تي تكنولوجي ريفيو