Article image
مصدر الصورة: إم إس تيك. الصورة الأصلية: تشيب سوموديفيلا/ جيتي
Article image مصدر الصورة: إم إس تيك. الصورة الأصلية: تشيب سوموديفيلا/ جيتي

قضايا منوعة

بفضل دولارات الضغط السياسي والعلاقة المريحة مع الحكومة، نالت الشركة التقنية العملاقة نفوذاً واسعاً في وزارة الأمن الداخلي.

عندما بدأت وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (اختصاراً: آيس ICE) في يونيو بالتفريق ما بين الأطفال المهاجرين وأهاليهم، تعرَّضت عدة شركات تقنية لانتقادات حادة لأنها قدمت للوكالة البرمجيات التي ساعدتها على تحقيق هذا الأمر.

وكانت شركة تنقيب البيانات بالانتير في مركز هذه العاصفة، حيث قامت بتصميم نظام إدارة قضايا التحقيق، وهو جزء هام من عمليات الترحيل التي كانت تجريها آيس، ويقوم هذا النظام بمكاملة مجموعة ضخمة من البيانات العامة والخاصة لتعقب المهاجرين، وترحيلهم في أغلب الأحيان.

ولا نعرف الكثير عن طريقة عمل هذا البرنامج أو مدى استخدامه من قِبل آيس، ولكن خلال الأشهر التسعة الأولى من عهد ترامب، تزايدت اعتقالات آيس بنسبة 42% مقارنة مع نفس الفترة في العام الماضي. ووفقاً لناشطي الحقوق المدنية والهجرة، فإن هذا البرنامج ينظم عمليات واسعة النطاق لمراقبة المهاجرين واستهدافهم، وبوتيرة غير مسبوقة.

أما الآن، فقد نشر تحقيق جديد مؤخراً يلقي المزيد من الضوء على شبكة الشركات التقنية المشاركة في دعم آيس ومؤسستها الأم، أي وزارة الأمن الداخلي.

وقد صِيغَ التقرير بطلبٍ من منظمات الناشطين ميهينتي، ومشروع المهاجرين الوطني، ومشروع الدفاع عن المهاجرين، وقد وجد التقرير أن أمازون لعبت دوراً مركزياً لا يقل عن دور بالانتير في تأمين البنى التحتية الداعمة اللازمة للكثير من البرامج الأساسية لآيس ووزارة الأمن الداخلي. كما أن أمازون كانت تنعم بعلاقة حميمة مع الحكومة الفدرالية، مما مكّنها من الحصول على عدد كبير للغاية من العقود الحكومية.

تقول جاسينتا جونزاليس (مديرة العمل الميداني في ميهينتي): “لقد بدأنا نلاحظ -وبشكل متزايد- أن التكنولوجيا والعقود التقنية تشكل جزءاً ضخماً من ميزانية آيس، وأنها أدوات أساسية في تنفيذ عملياتها الميدانية”.

دعم تقني من أمازون

في 2017، نُشر تقرير استقصائي في موقع ذا إنترسيبت، ورد فيه أن وزارة الأمن الداخلي جمعت بيانات من مجموعة من مؤسسات تطبيق القانون الفدرالية والخاصة، وذلك لبناء توصيفات تفصيلية استخدمت في ذلك الحين لتعقب المهاجرين. ويمكن أن تتضمن البيانات تاريخ الهجرة للشخص، والعلاقات العائلية، والعلاقات الشخصية، والعناوين، والسجلات الهاتفية، والقياسات الحيوية، وغيرها من المعلومات.

والآن يتم نقل جميع تلك البيانات والخوارزميات التي يعتمد عليها برنامج إدارة قضايا التحقيق بشكل كامل إلى خدمات أمازون للويب (AWS). ووفقاً لمؤلفي التقرير، تدفع بالانتير لأمازون ما يقارب 600,000 دولار شهرياً لقاء استخدام مُخدّماتها.

وعلى الرغم من أن الأموال لا تتدفق مباشرة من آيس إلى أمازون، إلا أن الشركة العملاقة دفعت بالانتير -بشكل غير مباشر- إلى اختيار خدمات أمازون للويب. فحتى تفوز بالانتير بالعقد الحكومي، يجب على برنامج إدارة قضايا التحقيق أن يُوضَع ضمن خدمة سحابية حائزة على تصريح فدرالي. وتُظهر قاعدة بيانات حكومية على الإنترنت أن أمازون تحمل أكبر حصة (بنسبة 22%) من التصريحات الفدرالية ضمن البرنامج الفدرالي لإدارة المخاطر والتصريحات (اختصاراً “فيدرامب FedRAMP”)، وهو الذي يصادق على متطلبات الحماية الضرورية لمقدمي الخدمات السحابية، وذلك لمعالجة وتخزين ونقل البيانات الحكومية. والأهم من هذا أن أمازون حازت أيضاً على 62% من التصريحات من أعلى مستوى، والمطلوبة عادة للتعامل مع بيانات أنظمة فرض القانون.

البيانات: فيدرامب

ويمكن أن نقول إن أمازون تجني الأرباح فقط من توجهٍ كان موجوداً من قبل؛ حيث وضعت الحكومة الأميركية في 2010 سياسة “السحابة أولاً”، وبدأت تنقل بيانات وكالاتها ومواردها الحاسوبية إلى السحابة. وقد ترسخ هذا التوجه في 2014 مع إقرار القانون الفدرالي لإصلاح عمليات شراء تكنولوجيا المعلومات (اختصاراً: “فيتارا FITARA”). ومع مناقشة ذلك التشريع في الكونجرس أثناء يناير من ذلك العام، شكَّلت شركات أمازون ومايكروسوفت وإي إم سي (التي استحوذت عليها ديل منذ ذلك الحين) مجموعةَ ضغط باسم المجموعة الاستشارية لتجمُّع الحوسبة السحابية، وذلك للمساعدة في دعم التشريع وإقراره. كما قدَّمت هيئات التحرك السياسي للشركات الثلاثة مساهمات تزيد على 250,000 دولار بشكل مباشر للحملات الانتخابية لعضوي الكونجرس الداعمين للتشريع، وذلك وفق تقرير لميهينتي.

إضافة إلى هذا، فإن وزارة الأمن الداخلي هي من أولى المؤسسات التي اعتمدت خدمات أمازون السحابية بإشراف مارك شوارتز، وهو المسؤول الأساسي للمعلومات في خدمة الهجرة والمواطَنة الأميركية (USCIS). وفي 2017 -وبعد تسهيل عملية نقل كبيرة لإحدى الوكالات الفرعية من وزارة الأمن الداخلي إلى خدمات أمازون للويب- ترك شوارتز الوكالة ليشغل منصب المخطط الإستراتيجي في تلك الشركة، ولم تستجب خدمات أمازون للويب لطلب مجلة إم آي تي تكنولوجي ريفيو للحديث مع شوارتز حول علاقته مع الشركة أثناء عمله في الحكومة.

وإضافة إلى برنامج إدارة قضايا التحقيق، تستضيف خدمات أمازون للويب عدة قواعد بيانات وعمليات هامة لوزارة الأمن الداخلي حول الهجرة، بما فيها جميع أنظمة البيانات الرئيسية لخدمة الهجرة والمواطنة الأميركية، وبيانات القياسات الحيوية لأكثر من 230 مليون شخص، مثل بصمات الأصابع وسجلات الوجه ومسح القزحية، التي أصبحت تلعب دوراً هاماً في تطبيق قوانين الهجرة في البلاد.

ولا توجد سجلات متاحة للعامة حول أرباح أمازون من هذه العقود، ولكن إجمالي إنفاق وزارة الأمن الداخلي على التكنولوجيا يبلغ 6.8 مليار دولار، وهو ما يساوي حوالي 10% من الإنفاق المتوقع للوزارة في السنة المالية 2019. وقد رفض ناطق باسم خدمات أمازون للويب التعليق عندما عرضت عليه تفاصيل من التقرير الجديد.

البيانات: لائحة الإنفاق التقني لحكومة الولايات المتحدة الأميركية، والتي تم تجميعها من قبل شركة إمباور

وتحاول أمازون حالياً الفوز بعقد بقيمة 10 مليار دولار مع وزارة الدفاع لتحديث البنى التحتية الحاسوبية فيها، ومكاملة جميع العمليات العسكرية الأميركية على منصة واحدة، ومن المتوقع أن تفوز بالعقد؛ نظراً للنفوذ الواسع للشركة ضمن مزودي الخدمات السحابية للحكومة.

استجابة مناعية

يأتي هذا التقرير الجديد مع تصاعد الضغوط على أمازون وغيرها من الشركات التقنية الكبيرة للالتزام بمعايير أخلاقية أكثر صرامة فيما يتعلق بتطوير تقنياتها وتطبيقها. فمنذ فترة وجيزة، كتب موظف مجهول من أمازون رسالة مفتوحة إلى الشركة، مطالباً إياها أن تتوقف عن بيع منصة ريكوجنيشن للتعرف على الوجوه إلى مسؤولي تطبيق القانون، وقد ورد في الرسالة: “يخبرنا التاريخ أن إطلاق يد الدولة بدون قيود لاستخدام أدوات المراقبة الحديثة والقوية سيؤدي إلى استهداف أفراد لم يرتكبوا أي خطأ. وإن تجاهل هذه المخاوف العاجلة عند تقديم تقنيات متطورة إلى الوكالات الحكومية ومؤسسات تطبيق القانون يعد فعلاً خطيراً وغير مسؤول”.

وعلى الرغم من هذا، فقد أوردت الديلي بيست أن موظفي أمازون كانوا يحاولون بيع ريكوجنيشن إلى آيس منذ يونيو المنصرم. كما أشار كاتب الرسالة إلى رسالة داخلية وقَّعها أكثر من 450 موظفاً لمطالبة أمازون بفسخ عقودها مع بالانتير.

وبشكل مماثل، اعترض موظفو مايكروسوفت وجوجل على التعاملات المثيرة للجدل لشركاتهم مع الحكومة، فعلى إثر اعتراضات داخلية عارمة، سحبت جوجل عرضها لتوقيع عقد مع وزارة الدفاع بقيمة 10 مليار دولار، ووجَّه موظفو مايكروسوفت بعد عدة أيام رسالةً مفتوحة إلى إدارتهم لمطالبتها بأن تحذو حذو جوجل.

وعلى الأقل يبدو أن جيف بيزوس (المدير التنفيذي لأمازون) ما زال ثابتاً على موقفه بالرغم من المطالبات التي تدعو شركته إلى التراجع عن عرضها لوزارة الدفاع، كما قال مؤخراً على منصة مؤتمر وايرد 25: “سنستمر في دعمنا لوزارة الدفاع، فهو برأيي ما يجب أن نفعله. ومن أهم وظائف الإدارة العليا هو اتخاذ القرارات السليمة، حتى لو كانت هذه القرارات مكروهة من قِبل الجميع”.

قال بيزوس أيضاً إن “الاستجابة المناعية” للمجتمع ستتدخل لمنع استخدام تقنيات أمازون بطرق مؤذية، وقد أثار هذا التعليق انتقادات حادة من ناشطي الحقوق المدنية وموظفي أمازون على حد سواء.

ويقول موظف أمازون المجهول في رسالته: “لا نشعر بالقلق إزاء حدوث مشكلة ما في المستقبل. لكن ما يقلقنا أن أمازون تصمم نظاماً خطيراً لمراقبة البشر وتسوِّقه وتبيعه على نطاق واسع حالياً”.

وفي الوقت الحاضر، ليس هناك أدلة على أن هذا الأمر سيتغير.

المزيد من المقالات حول قضايا منوعة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!