انتقادات لتطبيقات تتبع الاختلاط في فرنسا وأستراليا لتوقُّف إشعارات الفيروسات منها، ولكن الخبراء يقولون إن هذا ليس إخفاقاً كلياً، بشرط أن نحدد المشكلة.

2020-07-12 15:05:13

12 يوليو 2020
Article image
مصدر الصورة: أسوشييتد برس

عندما أطلقت فرنسا تطبيقها لتتبع الاختلاط، بدا وكأنه إنجاز هام لهذه الدولة التي اكتسحها الفيروس. وبعد انطلاقه في يونيو، قام مليونا شخص بتحميل ستوب كوفيد خلال فترة قصيرة، وقال وزير الشؤون الرقمية [سيدريك أو] إن “التطبيق سيساعد على تجنب التلوث والمرض والكثير من الوفيات منذ بداية عمليات التحميل”. ولكن المسؤولين اضطروا بعد فترة قصيرة للتراجع عن حماسهم، وذلك بعد أن تبين لهم أن التطبيق أنذر 14 شخصاً فقط لإعلامهم باحتمال تعرضهم للعدوى بالفيروس خلال أول ثلاثة أسابيع من عمله. 

قال الوزير [أو] مدافعاً عن التطبيق: “هذه ليست نهاية القصة، فنحن نعمل باستمرار على تحسين التطبيق”

أما في أستراليا، فقد وصلت الأمور إلى حد أسوأ من هذا حتى. فقد انطلق تطبيق كوفيد سيف في أبريل، ونال درجة أكبر من الإقبال، حيث قام بتنزيله 6 ملايين شخص من أصل إجمالي سكان البلاد، والبالغ عددهم 25 مليون نسمة. وعلى الرغم من هذا، فقد كان أثره أكثر ضعفاً، ففي ولاية فيكتوريا، لم يتمكن من كشف اختلاط واحد لم يكشفه المتتبعون البشر من قبل، وذلك وفقاً لجيزمودو.

وعلى الرغم من أن النقص الكبير في الإشعارات لا يبدو مبشراً بالخير، فإنه ليس بالضرورة دلالة على الفشل بحد ذاته.

وقد يعود جزء من الانتقاد إلى الضجة الكبيرة التي أثيرت حول هذه التطبيقات. كان التركيز الأولي على تطبيقات تتبع الاختلاط متوقعاً ومفهوماً؛ فقد كان ظهور اللقاح على مسافة أشهر عديدة، وذلك على فرض تمكننا من إيجاده. دخلت التطبيقات ساحة المعركة كحل سحري محتمل، على الرغم من أن الكثير من المشاركين في مكافحة الفيروس قالوا مراراً وتكراراً إنها ليست سوى أداة واحدة من بين عدة أدوات يمكن الاستفادة منها.

من ناحية أخرى، فإن نقص الإشعارات يمكن أن يكون مُتوقعاً أيضاً على المستوى الرياضي، وذلك وفقاً لجون كروكروفت، وهو بروفسور مختص بأنظمة الاتصالات في جامعة كامبريدج، ويقول إنه في حال وجود عدد منخفض من إصابات كوفيد-19، مترافقاً بتطبيق التباعد الاجتماعي وكثافة غير مرتفعة لمستخدمي التطبيق، فليس من المتوقع أن تظهر الكثير من الإشعارات.

ويضيف شارحاً: “إن عدد الإشعارات يخضع لحساب رياضي بسيط، فإذا كانت نسبة المصابين 1% من السكان وخضعوا جميعاً للاختبار، وكانت نسبة مستخدمي التطبيق 1% أيضاً، فإن احتمال وجود التطبيق لدى شخص خضع للاختبار ويحمل التطبيق في نفس الوقت هو 1 من عشرة آلاف، ولهذا سيكون معدل الإشعارات أقل بعشرة آلاف مرة من معدل الإصابات”  (وعلى سبيل المثال، عندما أصدرت ولاية فيكتوريا 21 إشعاراً، كان عدد الحالات المسجلة فيها 350 حالة).

ولكن حتى بأقصى حد من التفاؤل، تبقى هناك هُوّة كبيرة بين ما وعدت به هذه التطبيقات وما تقدمه فعلياً. إذن، ما الذي حدث؟

غرابة تقنية

أولاً، قد يكون من المفيد أن نلقي نظرة على التشابهات بين الخدمتين. نبذت كل من فرنسا وأستراليا النموذج الذي قدمته جوجل وآبل -حيث تبقى البيانات على هاتف المستخدم حفاظاً على الخصوصية- وفضلتا المقاربة المركزية، حيث تُرسل معلومات المستخدمين إلى مخدمات بعيدة. وهو ما يعني ظهور المشاكل؛ لأن جوجل وآبل وضعتا قيوداً على مقدار المسح الخفي بالبلوتوث للتطبيقات المركزية.

وقد قدم مايكل فيل، وهو محاضر مختص بالسياسة الرقمية في جامعة لندن، تلخيصه للمسألة، قائلاً: “إن هذه التطبيقات عاجزة عن كشف الكثير من الهواتف؛ لأن وظيفة البلوتوث الخفية لا تعمل. وذلك لأنها لا تعمل بالطريقة اللامركزية”.

أدى هذا الوضع إلى سلسلة من المشاكل الفنية الأخرى. حيث إن تطبيق أستراليا يعمل بنجاح بنسبة لا تتعدى 25% على بعض الأجهزة، خصوصاً أجهزة آيفون؛ وذلك لأن وظيفة “المصافحة” في البلوتوث -وهي ضرورية لتسجيل حالة التقارب بين هاتفين- لا تعمل إذا كانت شاشة الهاتف مقفلة. كانت هذه بالضبط هي المشكلة التي أرغمت المملكة المتحدة على التخلي عن تطبيقها منذ حوالي الشهر (لم يُحدد حتى الآن موعد إطلاق التطبيق البديل).

يقول أحد الباحثين، الذي لم يشارك مباشرة في تطوير أي من التطبيقين، وطلب عدم ذكر اسمه: “يعني هذا من الناحية العملية أنه إذا رغب المستخدم في الاستفادة من التطبيق دون استخدام النظام، يجب عليه أن يتجول هنا وهناك وكأنه يمارس لعبة بوكيمون جو، ممسكاً بهاتفه أثناء تشغيل التطبيق، دون استخدام الهاتف لأي شيء آخر”.

تحفّظ زائد

يقول كروكروفت إن هذه المشكلة ربما تكون قد تفاقمت بسبب تبنّي مقاربة متحفظة أكثر من اللازم تقوم على تجنب “المبالغة في الإشعارات” الموجهة إلى المستخدمين. إن المخاوف من الذعر المحتمل الناتج عن الإشعارات زائدة الحساسية تعني أن التطبيقات لا تأخذ بعين الاعتبار سوى الأشخاص الذين يُحتمل إلى حد كبير أنهم كانوا في حالة تقارب لفترات طويلة من الزمن، وليس فقط الأشخاص الذين يمكن أن نمر بقربهم لثوانٍ معدودة في المتجر. ويقول: “حرّص المعنيون إلى حد كبير على تجنب الإشعارات الإيجابية الخاطئة في بعض التطبيقات. وهو ما قد يجعلها متحفظة إلى حد كبير”.

إضافة إلى ذلك، فإن كلا التطبيقين في أستراليا وفرنسا يعانيان من العديد من مشاكل الأداء والأخطاء البرمجية؛ فقد اشتكى المستخدمون في فرنسا من استنزاف التطبيق للبطارية، وقد يكون هذا هو السبب الذي دفع بالمئات من الآلاف إلى إزالته عن الهاتف.

يقول آندرو إيلاند، الذي كان يعمل حتى فترة قريبة مديراً هندسياً في جوجل ومن ثم ديب مايند هيلث: “تمثل هذه المسألة أحدَ أهم الأخطار التي يواجهها المطورون: غلطة واحدة تكفي للقضاء على البطارية”. أيضاً يقول بعض المستخدمين إن تطبيق ستوب كوفيد يتعطل عن العمل بشكل متكرر، ويجب إعادة تفعيله في كل مرة يُعاد فيها تشغيل الهاتف من جديد.

السعي نحو التحسين

ما الدروس والعبر المستفادة؟ تتسم تقنية البلوتوث بالتعقيد الشديد، غير أن بناء تطبيق لتتبع الاختلاط من دون نظام آبل وجوجل أمرٌ أقرب إلى الاستحالة. ولهذا، ومن أجل السرعة في بناء التطبيق، قد يكون من الأفضل أن تتخلى الحكومات عن الأنظمة المركزية، أو أي شيء آخر يمكن أن يؤدي إلى مشاكل فنية. وإذا أمكن، يجب أن تدرس البلدان إمكانية الاستفادة من التعليمات البرمجية من تطبيقات البلدان الأخرى التي أثبتت نجاحها، وعلى سبيل المثال، فقد أنتجت ألمانيا تطبيقاً مفتوح المصدر لتتبع الاختلاط باسم [كورونا وورن]، قام بتحميله أكثر من 15 مليون مستخدم من أصل 83 مليون نسمة منذ إطلاقه في 15 يونيو. إن السرية والتعلق الزائد بالتميز ليسا بالأمر الجيد عند بناء تطبيقات تتبع الاختلاط.

وفي نهاية المطاف، يجب على العامة ألا ينسوا أن هذه التطبيقات لن تمثل على الأرجح سوى جزء بسيط من المعركة ضد الفيروس، وليست حلاً سحرياً للمشكلة. 

يقول إيلاند: “إذا أردت أن تعرف الطريقة الأمثل لإنفاق الوقت والمال على تكنولوجيا تتبع إصابات فيروس كورونا، فمن الأفضل على الأرجح أن تركز على ابتكار طريقة لزيادة فعالية التتبع اليدوي”.