تعتمد اللقاحات من هذا النوع على تقنية قد تُحدث ثورة في مجال الطب. سيكون التطبيق القادم متعلقاً بفقر الدم المنجلي ومرض الإيدز.

2021-03-31 10:26:38

19 فبراير 2021
Article image
مصدر الصورة: سِلمان ديزاين

كجزء من حملة ترويجية لتشجيع الناس على أخذ لقاح فيروس كورونا، نشرت جامعة بنسلفانيا في 23 ديسمبر مقطعاً مصوراً للباحثَيْن اللذَيْن طورا المبدأ العلمي للقاح، كاتالين كاريكو ودرو وايسمان، وهما يحصلان على جرعتيهما. استخدمت اللقاحات –المؤلفة من جزيئات دهنية متجمدة وتعليمات جينية– تقنيةً غير مثبتة سابقاً تعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال، والتي تم ابتكارها واختبارها في أقل من عام، وذلك بفضل الاكتشافات التي توصل إليها الباحثان قبل 20 عاماً.

في المقطع الترويجي الصامت، لا يتحدث أيّ من الباحثيْن أو يبتسم بينما تقوم الممرضة بإدخال الحقنة تحت الجلد في الذراع. فيما بعد، سألتُ وايسمان، وهو طبيب وعالم يعمل منذ عام 1987، عما كان يفكر فيه في تلك اللحظة. قال لي: “دائماً ما كنت أرغب في تطوير شيء يساعد الناس. وعندما وضعوا الإبرة في ذراعي، قلتُ إنني أعتقد بأني فعلت ذلك أخيراً”.

تسبّب الفيروس بوفاة أكثر من مليوني شخص حول العالم، بمن فيهم بعض أصدقاء وايسمان في مرحلة الطفولة. حتى الآن، اعتمدت حملة اللقاح الأميركية بالكامل على اللقاحات التي طورتها شركة مودرنا ثيرابيوتكس، ومقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، وشركة بيو إن تك، ومقرها في ماينز بألمانيا، بالشراكة مع شركة فايزر. كلتا الشركتين تستخدمان اكتشافات وايسمان. (يحصل مختبر وايسمان على تمويل من شركة بيو إن تك، ويعمل كاريكو في الشركة الآن).

على عكس اللقاحات التقليدية، التي تستخدم فيروسات حية أو ميتة أو أجزاء من الغلاف الذي يحيط بالفيروسات لتعريف الجهاز المناعي للجسم عليها، فإن اللقاحات الجديدة تستخدم الحمض النووي الريبي المرسال، وهو الجزيء الوسيط قصير العمر الذي يقوم في خلايانا بنقل نسخ من الجينات إلى حيث يمكنها توجيه عملية اصطناع البروتينات.

إن الرسالة التي يُضيفها لقاح الحمض النووي الريبي المرسال إلى خلايا الإنسان مأخوذة من فيروس كورونا نفسه، وهي عبارة عن تعليمات خاصة بالبروتين الشبيه بالتاج، الذي يسمى بالبروتين الناتئ ويستخدمه الفيروس لدخول الخلايا. لا يمكن لهذا البروتين وحده أن يجعل الإنسان يمرض، ولكنه يحفز حدوث استجابة مناعية قوية، كان من شأنها أن تمنع حوالي 95% من حالات كوفيد-19 في الدراسات الكبيرة التي انتهت في شهر ديسمبر.

درو وايسمان

أدت أعمال درو وايسمان على الحمض النووي الريبي المرسال إلى إنتاج لقاحات ناجحة لفيروس كورونا.
مصدر الصورة: جاستن جيمس ميور

إلى جانب احتمال إنهائه للجائحة، يُظهر اكتشاف اللقاح كيف يمكن للحمض النووي الريبي المرسال أن يقدم طريقة جديدة لتصنيع الأدوية.

يعتقد الباحثون أنه في المستقبل القريب يمكن أن تؤدي اللقاحات -التي تقدم تعليمات مؤقتة للخلايا- إلى لقاحات ضد الهربس والملاريا، وإلى لقاحات أفضل ضد الأنفلونزا، وإلى لقاحات محدّثة لفيروس كورونا، إذا استمر بالتعرض للطفرات.

لكن الباحثين يرون بأن لها أيضاً تطبيقات مستقبلية تتجاوز اللقاحات بكثير؛ فهم يعتقدون أن هذه التقنية ستسمح بتعديلات جينية رخيصة التكلفة لأمراض السرطان وفقر الدم المنجلي وربما مرض الإيدز حتى.

بالنسبة إلى وايسمان، فإن نجاح لقاحات فيروس كورونا ليس مفاجئاً، ولكنه بمنزلة تأكيد مرحب به لأعماله طوال حياته. ويقول: “لقد عملنا على ذلك لأكثر من 20 عاماً. كنا نعلم دائماً أن الحمض النووي الريبي سيكون أداة علاجية مهمة”.

توقيت ممتاز

على الرغم من هذين العقدين من الأبحاث، لم يتم استخدام الحمض النووي الريبي المرسال في أي دواء تم تسويقه قبل العام الماضي.

بعد ذلك، ظهرت في ديسمبر 2019 تقارير أولية من مدينة ووهان الصينية عن التهاب رئوي فظيع قابل للانتقال، وكان يعتقد بأن سببه على الأرجح نوع من فيروسات الخفافيش. سعت الجهات الرقابية في الحكومة الصينية في البداية للتستر على تفشي المرض، ولكن في 10 يناير 2020، نشر عالم من شنغهاي الشفرة الجينية للفيروس عبر الإنترنت من خلال جهة اتصال في أستراليا. كان الفيروس ينتشر بسرعة بالفعل، حيث انتقل عبر الطائرات وظهر في هونغ كونغ وتايلاند. لكن المعلومات الجينية انتقلت بشكل أسرع حتى؛ فقد وصلت إلى مدينة ماينز إلى شركة بيو إن تك، وإلى مدينة كامبريدج إلى شركة مودرنا؛ حيث حصل بعض الباحثين على البيانات على شكل ملف مايكروسوفت وورد.

تمكن العلماء في شركة مودرنا، وهي شركة تكنولوجية حيوية متخصصة في الحمض النووي الريبي المرسال، من تصميم لقاح على الورق في غضون 48 ساعة، وذلك قبل 11 يوماً من تسجيل أول حالة إصابة في الولايات المتحدة. وفي غضون ستة أسابيع، كان لدى شركة مودرنا جرعات مبرّدة جاهزة للاختبار على الحيوانات.

وعلى عكس معظم الأدوية التكنولوجية الحيوية، لا يتم تصنيع الحمض النووي الريبي في أجهزة التخمير أو الخلايا الحية، بل يتم إنتاجه داخل أكياس بلاستيكية تحتوي على مواد كيميائية وإنزيمات. ونظراً لأنه لم يكن هناك سابقاً أي دواء يعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال في الأسواق، فلم يكن هناك مصنع لاستعماله ولا سلسلة إمداد للاتصال بها.

عندما تحدثتُ إلى الرئيس التنفيذي لشركة مودرنا، ستيفان بانسل، في شهر ديسمبر، تماماً قبل موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية على لقاح شركته، كان يشعر بالثقة حيال اللقاح ولكنه كان قلقاً بشأن صنع ما يكفي منه. وعدت شركة مودرنا بصنع ما يصل إلى مليار جرعة خلال عام 2021. وقال تخيل لو أن هنري فورد كان يطرح أول سيارة فورد موديل تي من خط الإنتاج، ليقال له بأن العالم يحتاج إلى مليار سيارة منها.

يصف بانسل الطريقة التي ظهر بها فيروس كورونا تماماً عندما أصبحت تقنية الحمض النووي الريبي المرسال جاهزة بأنها “حالة شاذة عبر التاريخ”.

بعبارة أخرى، لقد حالفنا الحظ.

المفاعلات الحيوية البشرية

كانت المحاولة الأولى لاستخدام الحمض النووي الريبي المرسال الاصطناعي لجعل الحيوانات تنتج بروتينات في عام 1990. نجحت المحاولة ولكن سرعان ما ظهرت مشكلة كبيرة؛ فقد أدت الحقن إلى إصابة الفئران بالمرض. يقول وايسمان: “تجمّع فراؤها على شكل طيات. وخسرت الوزن وتوقفت عن الركض”. كما أنها ماتت في غضون ساعات عند إعطائها جرعة كبيرة. ويضيف: “أدركنا سريعاً أن الحمض النووي الريبي المرسال غير صالح للاستخدام”.

كان السبب وراء ذلك هو الالتهاب؛ فعلى مدى مليارات السنوات، تطورت البكتيريا والنباتات والثدييات لتتمكن من اكتشاف المادة الجينية للفيروسات والاستجابة لها. كانت الخطوة التالية التي اتخذها وايسمان وكاريكو، التي “استغرقت سنوات” كما يقول، هي تحديد كيفية تعرُّف الخلايا على الحمض النووي الريبي الغريب.

ووجدوا أن الخلايا مليئة بجزيئات حساسة تميّز الحمض النووي الريبي الخاص بك عن حمض الفيروس. إذا كشفت هذه الجزيئات وجود جينات فيروسية، فإنها تطلق عاصفة من الجزيئات المناعية تسمى السيتوكينات التي تثبط الفيروس بينما يدرك جسمك كيفية التعامل معه. ويقول وايسمان: “يستغرق حدوث الاستجابة بالأجسام المضادة أسبوعاً، وما يبقيك على قيد الحياة طوال تلك الأيام السبعة هو هذه الحساسات”. لكن حدوث استجابة قوية جداً بالسيتوكينات يمكن أن يقتلك.

كانت لحظة بداية الحل عندما قرر العالمان أنهما يمكنهما تجنب رد الفعل المناعي باستخدام وحدات أساسية معدلة كيميائياً لصنع الحمض النووي الريبي. ونجح الأمر. بعد فترة وجيزة، بدأت مجموعة من رواد الأعمال في مدينة كامبريدج بتأسيس شركة مودرنا ثيرابيوتكس لتطوير فكرة وايسمان.

لم تكن اللقاحات محور تركيز الشركة؛ فعند تأسيسها في عام 2010، كان تصور القائمين عليها أنهم قد يتمكنوا من استخدام الحمض النووي الريبي لاستبدال البروتينات التي يتم حقنها والتي تشكل معظم الأدوية التكنولوجية الحيوية المتوافرة، أي إنتاج الأدوية بشكل أساسي داخل خلايا المريض اعتماداً على تعليمات الحمض النووي الريبي. يقول نوبار أفيان، الشريك المؤسس للشركة ورئيس مجلس إدارتها ورئيس شركة فلاغشيب بيونيرينغ، التي شكّلت بداية شركات التكنولوجيا الحيوية: “كنا تتساءل، هل يمكننا تحويل الإنسان إلى مفاعل حيوي؟”.

إذا كان الأمر كذلك، فيمكن للشركة بسهولة تسمية 20 أو 30 أو حتى 40 دواءً يستحق الاستبدال. لكن شركة مودرنا كانت تعاني من أجل إيصال الحمض النووي الريبي المرسال إلى الخلايا الصحيحة في الجسم دون الكثير من الآثار الجانبية. وكان علماء الشركة يدركون أيضاً المشاكل التي ستحدث بسبب إعطاء جرعات متكررة، والتي ستكون ضرورية لاستبدال المواد الرائجة في مجال التكنولوجيا الحيوية مثل أحد عوامل التخثر الذي يتم إعطاؤه شهرياً. ويقول أفيان: “وجدنا أنه ينجح في المرة الأولى، ثم بشكل أقل في المرة الثانية، ثم بشكل أقل من ذلك حتى في المرة الثالثة. كانت هذه مشكلة”.

وجّهَت شركة مودرنا محور تركيزها. فما هو الدواء الذي يمكن أن يُعطى لمرة واحدة ولكن له تأثير كبير؟ أصبحت الإجابة واضحة في النهاية، إنه اللقاح. باستخدام اللقاح، سيكون الإمداد الأولي بالبروتين كافياً لتعريف جهاز المناعة بطريقة قد تستمر لسنوات أو مدى الحياة.

كان السؤال الرئيسي الثاني هو حول كيفية تعبئة جزيئات الحمض النووي الريبي الحساسة، التي لا تدوم صلاحيتها أكثر من دقيقتين فقط إذا تم كشفها. يقول وايسمان إنه جرب 40 ناقلاً مختلفاً، بما فيها قطرات الماء والسكر والبروتينات المأخوذة من الحيوانات المنوية للسلمون. كان الأمر كما لو كان إديسون يبحث عن السلك المناسب لصنع مصباح كهربائي. ويقول: “لقد جربنا كل ما تم نشره تقريباً”. الأمر الأكثر احتمالاً كان الجسيمات النانوية المصنوعة من مزيج من الدهون. لكن هذه الجسيمات كانت تمثل ابتكارات تجارية سرية وكان النزاع قائماً على براءات اختراعها. ولم يتمكن وايسمان من الحصول عليها حتى عام 2014، أي بعد نصف عقد من المحاولات.

عندما قام بذلك أخيراً، أعجبه ما رآه. ويقول: “لقد كانت أفضل من أي مادة أخرى قمنا بتجربتها. كان الأمر يحتوي على ما يلزم وجوده في الدواء. فعالية عالية دون آثار سلبية”. وبحلول عام 2017، أظهر مختبر وايسمان كيفية إعطاء الفئران والقرود لقاحات فيروس زيكا باستخدام الحمض النووي الريبي المرسال، وسرعان ما فاز هذا الجهد بتمويل من شركة بيو إن تك. وكانت شركة مودرنا قريبة من ذلك.  وسرعان ما نشرت نتائج اختبار أولي على الإنسان للقاح جديد للأنفلونزا يعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال وبدأت بعد ذلك سلسلة كبيرة من الدراسات السريرية التي تتضمن أمراضاً من بينها زيكا.

كان التركيز على اللقاحات له مساوئه بالنسبة لشركة مودرنا. يقول أندرو لو، الأستاذ في مختبر إم آي تي للهندسة المالية، إن معظم اللقاحات تخسر المال. والسبب هو أن العديد من اللقاحات تباع “بجزء بسيط من قيمتها الاقتصادية”. تدفع الحكومات 100 ألف دولار مقابل دواء للسرطان من شأنه أن يطيل حياة الشخص شهراً واحداً، ولكنها لا تريد أن تدفع سوى 5 دولارات مقابل لقاح يمكن أن يحمي من أحد الأمراض المُعدية مدى الحياة. ووفقاً لحسابات لو، فإن برامج اللقاح للأمراض الناشئة مثل زيكا أو إيبولا، التي تظهر فاشياتها وتختفي، تحقق عائداً بنسبة -66% في المتوسط. ويقول: “هناك خلل في النموذج الاقتصادي للقاحات”.

من ناحية أخرى، فإن اللقاحات أكثر قابلية للتنبؤ. عندما قام فريق لو بتحليل آلاف التجارب السريرية، وجد أن برامج اللقاحات تنجح في أحيان كثيرة. فقد أثبتت حوالي 40% من اللقاحات المحتملة نجاحها في اختبارات الفعالية، التي تسمى التجارب السريرية في المرحلة الثانية، وهو معدل يبلغ 10 أضعاف معدل نجاح أدوية السرطان.

كانت فرصة نجاح لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال بمنزلة ضربة حظ؛ فعند حقن الجسيمات النانوية التي تحمل التعليمات المهمة في الذراع، بدا أنها تستقر في الخلايا المتغصّنة، وهي نفس الخلايا التي تتمثل مهمتها في تدريب الجهاز المناعي على التعرف على الفيروس. علاوة على ذلك، كان هناك شيء ما يتعلق بالجسيمات يثير تأهب الجهاز المناعي. لم يكن الأمر مخططاً له، لكنها كانت تعمل بمنزلة ما يُسمى المادة المساعدة للقاح. ويقول وايسمان: “لم نتمكن من تصديق التأثير”.

وفرت اللقاحات للرئيس التنفيذي لشركة مودرنا، بانسل، فرصة لتطوير مجموعة من المنتجات الجديدة؛ ونظراً لأن كل لقاح سيستخدم نفس الحامل من الجسيمات النانوية، فمن الممكن إعادة برمجتها بسرعة، كما لو كانت برمجيات. (حتى أن شركة مودرنا أطلقت على نظام التشغيل اسم “mRNA OS”.) ويقول: “الطريقة التي نصنع بها الحمض النووي الريبي المرسال لأحد اللقاحات هي نفسها تماماً للقاح آخر. ولأن الحمض النووي الريبي المرسال هو عبارة عن جزيء معلومات، فإن الاختلاف بين لقاح كورونا ولقاح زيكا ولقاح الأنفلونزا هو في ترتيب النيوكليوتيدات فقط”.

فعالية بنسبة 95%

في مارس 2020، عندما كانت برامج اللقاحات قيد التطوير، قال المشككون إن تقنية الحمض النووي الريبي المرسال لا تزال غير مثبتة. حتى أن هذه المجلة قالت إن اللقاح سيستغرق 18 شهراً كحد أدنى، وهو تقدير ثبت خطؤه عندما تم الأمر خلال تسعة أشهر فقط. يقول أفيان: “تستغرق الأمور أحياناً وقتاً طويلاً لمجرد أن الناس يعتقدون أنها كذلك. يشكل ذلك عبئاً عليك كجزء من فريق علمي. فالناس يقولون لك بألا تسرع!”.

أثبتت لقاحات شركتي مودرنا وبيو إن تك فعاليتها بحلول شهر ديسمبر، وحصلت في ذلك الشهر على الترخيص في الولايات المتحدة. لكن السرعة القياسية لم تكن بسبب التقنية الجديدة فقط. السبب الآخر هو معدل انتشار العدوى. فقد تمكنت الدراسات من جمع الأدلة بسرعة؛ لأن الكثير من الأشخاص كانوا يصابون بفيروس كورونا.

هل يشكل الحمض النووي الريبي المرسال لقاحاً أفضل فعلاً؟ يبدو أن الإجابة هي نعم وبقوة. هناك بعض الآثار الجانبية، ولكن كلا اللقاحين فعال بنسبة 95% تقريباً (أي أنهما يمنعان 95 حالة من بين كل 100 حالة)، وهو رقم قياسي لا نظير له حتى الآن من قبل اللقاحات الأخرى لفيروس كورونا، كما أنه أفضل بكثير من أداء لقاحات الأنفلونزا. وتبلغ فعالية لقاح آخر طورته شركة أسترازينيكا باستخدام فيروس الزكام المعدل 75%. ولا يوفر لقاح آخر تم تطويره في الصين باستخدام فيروسات كورونا المثبطة الحماية إلا لنصف الأشخاص الذين يتلقون اللقاح، على الرغم من أنه منع الإصابة بالمرض الشديد.

يقول رون رينو، الرئيس التنفيذي لشركة ترانسليت بيو، التي تعمل بهذه التقنية: “يمكن أن يغير ذلك كيفية صنع اللقاحات من الآن فصاعداً”.

إن فعالية اللقاحات وسهولة إعادة برمجتها تعني أن الباحثين يستعدون بالفعل لمكافحة فيروس مرض الإيدز والهربس وفيروس الجهاز التنفسي عند الرضع والملاريا، وجميعها أمراض لا يوجد لها لقاح ناجح حتى الآن. من الأفكار أيضاً لقاحات “عالمية” للأنفلونزا وما يسميه وايسمان لقاح “فيروس كورونا الشامل” الذي يمكنه أن يوفر الحماية الأساسية من آلاف العوامل الممرضة في تلك الفئة، والتي لم تُسبب جائحة فيروس كورونا فحسب، ولكن عدوى السارس قبل ذلك، وربما أوبئة أخرى عبر التاريخ.

يقول وايسمان: “عليك أن تفترض حدوث أوبئة أخرى؛ لذا بدلاً من إغلاق العالم لمدة عام ريثما يتم صنع لقاح جديد، سيكون هناك لقاح جاهز للتطبيق”.

منشآت شركة لونزا في سويسرا ونيوهامبشاير

منشآت شركة لونزا في سويسرا ونيوهامبشاير

 

منشآت شركة الصناعات الدوائية الحيوية لونزا في سويسرا ونيوهامبشاير، التي تساعد في تصنيع لقاح شركة مودرنا.

في الربيع الماضي، بدأ بانسل تقديم طلب إلى الحكومة لدفع تكاليف مراكز تصنيع ضخمة لصنع الحمض النووي الريبي المرسال. كان يتخيل مصنعاً عملاقاً “يمكن للشركات استخدامه في الأوقات التي لا يكون فيها وباء” ولكن يمكن إعادة توجيهه بسرعة لإصدار اللقاحات أثناء الجائحة القادمة. ويقول إن ذلك سيكون بمنزلة تأمين ضد سيناريو مرعب لفيروس ينتشر بسرعة انتشار فيروس كورونا، ولكن لديه نصف معدل وفيات الإيبولا. وقال بانسل في شهر أبريل إنه إذا “أنفقت الحكومات المليارات على الأسلحة النووية التي تأمل عدم استخدامها مطلقاً، فيجب أن نجهز أنفسنا حتى لا يحدث هذا الأمر مرة أخرى”.

وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، تم اختيار شركة مودرنا بشكل فعال لتكون بمنزلة بطل قومي لبناء مثل هذه المراكز، وذلك كجزء من عملية وورب سبيد​​ الأميركية الهادفة إلى إنتاج اللقاحات. وقامت الحكومة بتسليمها قرابة 500 مليون دولار لتطوير لقاحها والتوسع في التصنيع.

ما بعد اللقاحات

بعد لقاحات كورونا، يتوقع بعض الباحثين أن تعود شركتا مودرنا وبيو إن تك إلى خططهما الأصلية للتقنية، مثل علاج الأمراض التقليدية كالنوبات القلبية أو السرطان أو الأمراض الجينية النادرة. لكن لا يوجد ضمان للنجاح في ذلك المجال.

يقول لويجي وارين، رائد الأعمال في مجال التكنولوجيا الحيوية، الذي شكّل بحثه في مرحلة ما بعد الدكتوراة نواة لشركة مودرنا: “على الرغم من وجود الكثير من التطبيقات العلاجية المحتملة للحمض النووي الريبي المرسال الاصطناعي من حيث المبدأ، فإن مشكلة إيصال كميات كافية منه إلى المكان المناسب في الجسم تمثل تحدياً كبيراً، وربما لا يمكن التغلب عليه في معظم الحالات”.

ومع ذلك، هناك تطبيق واحد بالإضافة إلى اللقاحات، حيث يمكن أن يكون للتعرض القصير للحمض النووي الريبي المرسال تأثيرات تدوم لسنوات، أو حتى مدى الحياة.

ففي أواخر عام 2019 وقبل بداية جائحة كورونا، أعلنت معاهد الصحة الوطنية الأميركية ومؤسسة بيل وميليندا جيتس أنهما ستنفقان 200 مليون دولار لتطوير علاجات جينية مقبولة التكلفة لاستخدامها في جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. وكانت أهم الأمراض المستهدفة هي مرض الإيدز وفقر الدم المنجلي، اللذان ينتشران على نطاق واسع هناك.

لم توضح مؤسسة جيتس والمعاهد الوطنية للصحة كيف يمكن جعل مثل هذه العلاجات المتطورة رخيصة وسهلة الاستخدام، لكن وايسمان أخبرني أن الخطة قد تعتمد على استخدام الحمض النووي الريبي المرسال لإضافة تعليمات لأدوات تعديل الجينات مثل كريسبر في جسم الشخص، ما يؤدي إلى إجراء تغييرات دائمة على الجينوم. ويقول وايسمان إن الأمر أشبه بحملات اللقاحات الجماعية، إلا أنه يتم باستخدام تعديل الجينات لتصحيح الأمراض الجينية.

يعدّ العلاج الجيني معقداً ومكلفاً في الوقت الحالي. فمنذ عام 2017، تمت الموافقة على عدة أنواع من العلاجات في الولايات المتحدة وأوروبا. الأول هو علاج للعمى، حيث تقوم الفيروسات فيه بنقل جين جديد إلى الشبكية، وتبلغ تكلفته 425 ألف دولار لكل عين.

وتختبر شركة ناشئة تُدعى إنتليا ثيرابيوتكس علاجاً يضع تقنية كريسبر في الحمض النووي الريبي ثم في جسيمات نانوية، وتأمل من خلاله علاج أحد أمراض الكبد الوراثية المؤلمة. الهدف هو جعل أداة قص الجينات تصل إلى خلايا الشخص، لتزيل الجين الذي يسبب المشكلة، ثم تتلاشى. اختبرت الشركة الدواء على مريض لأول مرة في عام 2020.

وليس من قبيل المصادفة أن شركة إنتليا تعالج مرضاً في الكبد. فعندما يتم حقن الجسيمات النانوية الدهنية في مجرى الدم من خلال الوريد، فإنها تميل إلى التجمع في الكبد في نهاية المطاف، وهو العضو المسؤول عن التنظيف الداخلي في الجسم. يقول وايسمان: “إذا كنت تريد علاج مرض في الكبد، فسيكون الأمر عظيماً، ولكنك ستواجه مشكلة في أي شيء آخر”.

لكن وايسمان يقول إنه اكتشف كيفية استهداف الجسيمات النانوية بحيث ينتهي بها الأمر داخل نقي العظام، الذي يصنع بشكل مستمر جميع خلايا الدم الحمراء والخلايا المناعية. سيكون لهذا الأمر قيمة كبيرة جداً، لدرجة أن وايسمان لم يخبرني كيف يقوم بذلك. وقال إنه سر “حتى ننتهي من براءات الاختراع”.

وهو ينوي استخدام هذه التقنية لمحاولة علاج مرض فقر الدم المنجلي عن طريق إرسال تعليمات جديدة إلى الخلايا التي تصنع الدم في الجسم. كما أنه يعمل مع باحثين مستعدين لاختبارها على القردة لمعرفة ما إذا كان من الممكن تعديل الخلايا المناعية المسماة بالخلايا التائية جينياً لتقوم بمهمة البحث عن فيروس مرض الإيدز وتدميره وعلاج المرض بشكل نهائي.

ما يعنيه كل ذلك هو أن الجسيمات الدهنية للحمض النووي الريبي المرسال قد تصبح وسيلة لتعديل الجينوم على نطاق واسع وبتكلفة زهيدة. يمكن أن يصبح الدواء الذي يتم حقنه ليسمح بتعديل الجهاز الدموي إضافة عظيمة في مجال الصحة العامة لا تقل أهميتها عن أهمية اللقاحات؛ إذ ينتشر فقر الدم المنجلي، وهو مرض وراثي يؤدي إلى تقصير العمر لعقود (أو قد يسبب الموت أثناء الطفولة في المناطق الفقيرة)، بشكل كبير بين السود في أفريقيا الاستوائية والبرازيل والولايات المتحدة. كما أصبح فيروس مرض الإيدز كارثة طويلة الأمد، حيث يتواجد في أفريقيا حوالي ثلثي الأشخاص المصابين بالفيروس، أو الذين يموتون بسببه.

تبيع شركتا مودرنا وبيو إن تك جرعات لقاح فيروس كورونا مقابل 20 إلى 40 دولاراً للجرعة الواحدة. فماذا لو أصبحت تكلفة التعديل الجيني مثل هذه التكلفة أيضاً؟ يقول وايسمان: “يمكننا تصحيح فقر الدم المنجلي بجرعة واحدة. نعتقد أنه علاج جديد ورائد”.

وهناك ثروات مذهلة يمكن الحصول عليها من تقنية الحمض النووي الريبي المرسال؛ إذ أصبح الآن ما لا يقل عن خمسة أشخاص مرتبطين بشركتي مودرنا وبيو إن تك من المليارديرات، بمن فيهم بانسل. ولا يعدّ وايسمان واحداً منهم، رغم أنه سيحصل على حقوق ملكية براءة الاختراع. ويقول إنه يفضل الأوساط الأكاديمية، حيث تقل احتمالية أن يُطلب منه ما الذي عليه أن يبحث فيه، أو الأهم، ما الذي عليه ألا يبحث فيه. إنه يبحث دائماً عن التحدي العلمي الكبير القادم، ويقول: “ليس الأمر بأن اللقاح يعدّ شيئاً قديماً، ولكن نجاحه كان واضحاً”. أما الحمض النووي الريبي المرسال “فله مستقبل باهر”. 


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.