Article image
مصدر الصورة: إم إس تك عبر صور جيتي



رغم أن نموذج العمل الحالي يلحق ضرراً لا يمكن إصلاحه بالمجتمع، لكننا نمتلك بين أيدينا بديلاً لا يستدعي تفكيك عمالقة التكنولوجيا.

2021-01-12 13:01:51

12 يناير 2021

هذا الأسبوع، شن حشد عنيف أشرس هجوم منذ أكثر من 200 عام على مبنى الكابيتول، معقل الديمقراطية الأميركية، مدفوعاً بالاعتقاد الخاطئ بأن الانتخابات الرئاسية قد سُرقت منهم. وفي حين أن الرئيس دونالد ترامب كان المصدر الرئيسي لهذا الادعاء، لكن استعداد الحشد الغوغائي لتصديقه كان في جزء كبير منه نتاج اقتصاد الاهتمام الذي أوجدته التكنولوجيا الحديثة.

يعمل شريط المنشورات على فيسبوك أو تويتر مستنداً إلى نموذج أعمال قائم على تسليع اهتمام مليارات الأشخاص يومياً، وفرز التغريدات والمنشورات والمجموعات لتحديد أيها يحصد أكبر قدر من الانخراط (النقرات، والمشاهدات، والمشاركات) وأيها يحصل على أقوى تفاعل عاطفي. لقد أدت منصات تسليع الاهتمام هذه إلى تشويه النفسية الجماعية، وقادت البعض إلى رؤية العالم من منظور أضيق وأكثر جنوناً.

تقوم خوارزميات التوصيات على يوتيوب -التي تقرر 70% من وقت المشاهدة اليومي لمليارات الأشخاص- “باقتراح” ما يبدو في ظاهره مقاطع فيديو مشابهة. ولكنها في الحقيقة تدفع المشاهدين إلى متابعة محتوى أشد تطرفاً أو أكثر سلبية أو تآمرياً بدرجة أكبر؛ لأن ذلك يبقيهم أمام شاشاتهم لفترة أطول. وعلى امتداد سنوات، قامت يوتيوب باقتراح فيديوهات “إلهام لجسد نحيل” -وهي مقاطع فيديو تروج لفقدان الشهية- للفتيات المراهقات اللواتي يشاهدن مقاطع فيديو حول “اتباع نظام غذائي”. وعندما شاهد الناس مقاطع فيديو علمية عن هبوط ناسا على سطح القمر، أوصت يوتيوب بمقاطع فيديو حول نظرية المؤامرة التي تزعم أن الأرض مسطحة. وقامت يوتيوب باستخدام النهج ذاته لمئات الملايين من المرات. لقد أفضت شرائط المنشورات وأنظمة التوصية من هذا القبيل إلى خلق دوامة من السلبية والرهاب، وقادت إدراك مليارات من الناس حول الحقيقة إلى الانفصال عن الواقع.

إن قدرتنا على القيام بأي شيء تقوم في جوهرها على وضوح رؤيتنا للواقع وصدقها. وعبر تسليع الانتباه وتحقيق الربح منه، قمنا ببيع قدرتنا على رؤية المشاكل واجتراح الحلول الجماعية. ليس ذلك بأمر جديد لم يحدث من قبل؛ تقريباً في كل مرة نسمح بتحويل أنظمة دعم الحياة لكوكبنا أو مجتمعنا إلى سلعة، ينتهي الأمر بالتسبب في أضرار أخرى.

فعندما تقوم بتسليع السياسة بإعلانات موجهة بدقة ومحسنة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، فإنك تنزع سمة النزاهة من السياسة. وعندما تقوم بتسليع الطعام، تفقد الصلة بدورة الحياة التي تمنح الزراعة استدامتها. وعندما تقوم بتسليع التعليم إلى موجزات من المحتوى الرقمي، فإنك تفقد الترابط بين التنمية البشرية والثقة والرعاية والسلطة التعليمية. وعندما تقوم بتسليع الحب عن طريق تحويل الناس إلى أوراق لعب على تندر Tinder، فإنك تقطع أواصر الرقصة المعقدة التي ينطوي عليها تكوين علاقات جديدة. وعندما تقوم بتسليع التواصل وتحويله إلى أجزاء من المنشورات وسلاسل التعليقات على فيسبوك، فإنك تسلب منه السياق والاختلافات والاحترام. في كل هذه الحالات، تؤدي النظم الاستخراجية إلى تآكل بطيء لأسس المجتمع السليم والكوكب المزدهر.

تحويل الأنظمة لحماية الاهتمام

اقترح إدوارد أوسبورن ويلسون، عالم الأحياء الشهير، أنه ينبغي على البشر أن يمارسوا أنشطتهم في نصف الكرة الأرضية فقط دون المساس بالنصف الآخر. تخيل اقتراحاً مشابهاً للتعامل مع اقتصاد الاهتمام. نستطيع -بل ينبغي علينا- أن نقول إننا نريد حماية اهتمام الإنسان، حتى لو أدى ذلك إلى التضحية بجزء من أرباح أبل وجوجل وفيسبوك وغيرها من شركات التكنولوجيا الكبرى.

تعد أدوات حظر الإعلانات على الأجهزة الرقمية مثالاً مثيراً للاهتمام لما يمكن أن يصبح تحولاً بنيوياً في العالم الرقمي. هل يمكن اعتبار أدوات حظر الإعلانات حقاً من حقوق الإنسان؟ لو تمكن الجميع من حظر الإعلانات على فيسبوك وجوجل والمواقع الإلكترونية، فستغدو الإنترنت عاجزة عن تمويل نفسها، وسيخسر اقتصاد الإعلانات كميات هائلة من الإيرادات. هل تمثل هذه النتيجة سبباً كافياً لإنكار الحق باستخدام هذه الأدوات؟ هل يمكن اعتبار اهتمامك وانتباهك أحد حقوقك؟ هل تملكه؟ هل ينبغي علينا تسعير هذا الاهتمام؟ في حين أن بيع الأعضاء البشرية أو العبيد يمكن أن يلبي الطلب ويحقق ربحاً، لكننا نقول إن هذه السلع لا مكان لها في السوق. هل ينبغي اعتبار اهتمام الإنسان شيئاً لا يستطيع المال شراءه، تماماً مثل البشر وأعضائهم؟

أدى وباء كوفيد-19 وحركة “حياة السود مهمة” وتغير المناخ والأزمات البيئية الأخرى إلى تنامي وعي المزيد من الناس وإدراكهم لمدى تداعي أنظمتنا الاقتصادية والاجتماعية. لكننا لا نضع أيدينا على الأسباب الجذرية لهذه الأزمات المترابطة؛ إذ إننا نخدع أنفسنا باتخاذ إجراءات تبدو أنها تمثل الحلول الصحيحة، ولكنها في الواقع ليست إلا فخاخاً تحافظ خلسة على الوضع الراهن.

هل يمكن اعتبار اهتمامك وانتباهك أحد حقوقك؟ هل تملكه؟ هل ينبغي علينا تسعير هذا الاهتمام؟ هل ينبغي اعتبار اهتمام الإنسان شيئاً لا يستطيع المال شراءه، تماماً مثل البشر وأعضائهم؟

وعلى سبيل المثال، فإن اتباع الشرطة لممارسات أفضل قليلاً واستخدامها لكاميرات الجسد لا تمنعها من ممارسة سلوكيات خاطئة. كما أن شراء سيارة بريوس أو تسلا لا يشكل خطوة كافية لخفض مستويات الكربون في الغلاف الجوي. ولن يؤدي استبدال المصاصات البلاستيكية بأخرى قابلة للتحلل إلى إنقاذ المحيطات. ولن تنجح خطوة إنستقرام بإخفاء عدد “الإعجابات” إلى تخفيف مشاكل الصحة العقلية لدى المراهقين، عندما تستند الخدمة إلى مقارنة اجتماعية مستمرة واختطاف منهجي للدافع البشري نحو التواصل. إننا في حاجة إلى إصلاحات بنيوية أعمق بكثير؛ نحن في حاجة إلى تحويل المؤسسات لخدمة المصلحة العامة بطرق تتناسب مع طبيعة وحجم التحديات التي نواجهها.

 

في مركز التكنولوجيا الإنسانية، كان أحد الأمور التي قمنا بها هو إقناع أبل وجوجل وفيسبوك بتبني -جزئياً على الأقل- مهمة “حسن إنفاق الوقت” رغم أنها تتعارض مع مصالحهم الاقتصادية. كانت هذه حركة أطلقناها من خلال الترويج وحملات التوعية الإعلامية العامة، واكتسبت مصداقية لدى مصممي التكنولوجيا والأهالي القلقين من تأثيراتها والطلاب. دعت حركتنا إلى تغيير حوافز العالم الرقمي من سباق “الوقت المستغرَق” على الشاشات والتطبيقات إلى “سباق نحو القمة” لمساعدة الأشخاص على قضاء الوقت بشكل أفضل.

لقد أفضت هذه الحركة إلى تغيير حقيقي بالنسبة لمليارات الناس. وعلى سبيل المثال، قدمت أبل ميزة “وقت الشاشة” في مايو 2018، التي يتم تضمينها الآن في جميع أجهزة أيفون وآيباد والأجهزة الأخرى. ولا تقتصر فوائد ميزة “وقت الشاشة” على إظهار مقدار الوقت الذي يقضيه المستخدمون على هواتفهم فحسب، وإنما توفر أيضاً لوحة تحكم من أدوات رقابة الأهل وتحديد الفترات الزمنية لاستخدام التطبيقات التي تُظهر للأهل مقدار الوقت الذي يقضيه أطفالهم على الإنترنت (والأنشطة التي يقومون بها). وخلال الفترة نفسها تقريباً، أطلقت جوجل مبادرة مماثلة للرفاهية الرقمية تتضمن المزيد من الميزات التي اقترحناها، مثل تسهيل الابتعاد عن الشاشة قبل النوم والحد من الإشعارات. وعلى نفس المنوال، أضافت يوتيوب إشعارات “خذ قسطاً من الراحة”.

تظهر هذه التغييرات أن الشركات مستعدة لتقديم تضحيات تناهز قيمتها المادية مليارات الدولارات. ومع ذلك، فإننا لم ننجح بعد في تغيير جوهر طريقة تفكير هذه الشركات. هناك بونٌ شاسع بين قيام شركة بشيء ما يتعارض مع مصلحتها الاقتصادية من جهة وبين قيامها بشيء ما يناقض الحمض النووي لغايتها وأهدافها.

العمل نحو تحقيق تحرك جماعي

نحن في حاجة إلى إصلاح عميق ومنهجي من شأنه أن يحول شركات التكنولوجيا إلى خدمة المصلحة العامة أولاً وقبل كل شيء. علينا أن نفكر بصورة أشمل في مقدار التغيير المنهجي الممكن وكيفية تسخير الإرادة الجماعية للشعب لتحقيق ذلك.

في الآونة الأخيرة، قمنا في مركز التكنولوجيا الإنسانية بإجراء مقابلة مع كريستيانا فيجريس، الأمينة التنفيذية السابقة لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (2010-2016)، في إطار بثنا الصوتي المسمى “كامل انتباهك”. كانت فيجريس مسؤولة عن “الدبلوماسية التعاونية” التي قادت إلى إنجاز اتفاقية باريس، واكتشفنا كيف تمكنت من توحيد 195 دولة مختلفة، رغم كل الصعاب، لاتخاذ قرارات مشتركة بنية صادقة تجاه مواجهة تغير المناخ.

في البداية، لم تؤمن فيجريس بإمكانية إقناع العديد من الدول بالموافقة، لكنها أدركت أن الاستضافة الناجحة لاتفاقية باريس تفرض عليها أن تتغير هي أيضاً؛ كان يتوجب عليها أن تؤمن إيماناً حقيقياً بإمكانية حمل البلدان على الالتزام بالعمل المناخي، كان ذلك وسيلتها التي مكنتها لاحقاً من التركيز على إقناع الدول المشاركة بإمكانية مواجهة تغير المناخ أيضاً. وبينما فشلت مفاوضات المناخ الدولية السابقة، أثمرت جهود فيجريس في جمع الدول معاً للاتفاق على التمويل والتقنيات الجديدة والأدوات الأخرى الهادفة إلى الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة العالمية أدنى من 2 أو حتى 1.5 درجة مئوية.

في مجال التكنولوجيا، نمتلك أسبقية تتمثل في عدم حاجتنا إلى إقناع مئات البلدان أو الملايين من الناس بأهمية الأمر؛ حيث إن أقل من 10 أشخاص يديرون أقوى بنية تحتية رقمية في القرن الواحد والعشرين، ما يسمى بشركات فاانج (FAANG)، التي تضم فيسبوك وأمازون وأبل ونتفليكس وألفابت (جوجل سابقاً). إذا ما اجتمعت هذه الحفنة من الأفراد واتفقوا على أن تعظيم أرباح المساهمين لم يعد الهدف المشترك، فربما نحصل حينها على بنية تحتية رقمية مختلفة. وما دامت كريستيانا فيجريس قد تمكنت من تحقيق إجماع بين 195 دولة، يمكننا إذن النظر في إمكانية إنجاز ذلك مع 10 رؤساء تنفيذيين لشركات تقنية.

اقتصاد جديد لتكنولوجيا إنسانية

لا بدّ من تغيير العديد من المبادئ الاقتصادية حتى تتوافق التكنولوجيا مع مصالح البشرية وكوكب الأرض. ويتمثل أحد هذه المبادئ في نموذج النمو؛ إذ ببساطة لا يمكنك مواصلة اتباع منطق النمو اللامحدود بالاستناد إلى بنية تحتية محدودة. كما أن المضي قدماً في النمو الاقتصادي اللامحدود يقودنا إلى أزمة بيئية على مستوى الكوكب. بالنسبة لشركات التكنولوجيا، فإن السعي وراء نمو لا محدود للانتباه البشري المستخرج سيؤدي إلى أزمة مماثلة في الوعي العالمي والرفاهية الاجتماعية. نحن في حاجة إلى التحول تجاه “اقتصاد اهتمام ما بعد النمو” الذي يضع الصحة العقلية والرفاهية في صميم النتائج المرجوة.

لا بدّ من تغيير العديد من المبادئ الاقتصادية حتى تتوافق التكنولوجيا مع مصالح البشرية وكوكب الأرض.

 

هناك إشارة صغيرة لهذا التحول قيد التنفيذ في دول مثل نيوزيلندا وإسكتلندا؛ حيث تعمل منظمات مثل تحالف اقتصاد الرفاهية (Wellbeing Economy Alliance) على التحول من اقتصاد يروج للناتج المحلي الإجمالي (GDP) إلى اقتصاد آخر يركز على هذه الأولويات البديلة. يتساءل القادة كيف يمكن للرفاهية أن ترشد الفهم العام للسياسات والخيارات السياسية، وتوجه القرارات، وتصبح أساساً جديداً للتفكير الاقتصادي والممارسة الاقتصادية.

 

يتطلب تحول آخر نحو تكنولوجيا أكثر إنسانية مجموعةً أوسع من أصحاب المصلحة الذين يمكنهم خلق المساءلة عن التأثير الاجتماعي لتصرفاتنا وقراراتنا على المدى الطويل. في الوقت الحالي، يمكن لشركات التكنولوجيا الكبرى جني الأموال عن طريق بيع شرائح اهتمام “وهمية” أقل، أي بيع نقرات مزيفة من مصادر أخبار مزيفة إلى معلنين مزيفين. وتجني هذه الشركات الأموال حتى إذا كان ما يؤدي إليه الرابط أو المقالة خاطئ بشكل فاضح وينشر معلومات مضللة. من شأن هذه الانتهازية أن تقوض بيئة المعلومات من خلال تدمير قدرتنا على الثقة في مصادر المعرفة أو مشاركة المعتقدات حول ما هو صحيح، وهذا بدوره يحطم قدرتنا على اتخاذ قرارات جيدة. ونحصد في النتيجة الاستقطاب والتضليل وانهيار المواطنة الديمقراطية. نحن في حاجة إلى إنشاء آليات تشجع المشاركين في العالم الرقمي على التفكير في التأثير الأوسع لأعمالهم على المجتمع ضمن أطر زمنية أطول.

ستلعب الإرادة البشرية دوراً هاماً في هذا الصدد؛ ماذا لو اختار القادة الذين يقفون وراء نموذج توزيع عائدات متجر التطبيقات من أبل -الذي يعمل بمثابة البنك المركزي أو الاحتياطي الفدرالي لاقتصاد الاهتمام- ببساطة توزيعَ الإيرادات على صانعي التطبيقات بناءً على مستوى تعاونهم مع التطبيقات الأخرى على الهاتف؛ بهدف مساعدة جميع أفراد المجتمع على ممارسة حياتهم بما يتوافق بشكل أكبر مع قيمهم، وليس بناءً على أي التطبيقات قام مستخدموه بشراء معظم السلع الافتراضية أو أمضوا معظم الوقت في استخدامه؟

في نهاية المطاف، يتمحور الأمر حول وضع القواعد الصحيحة. من الصعب على أي جهة فاعلة وحدها أن تنجح في تحسين الرفاهية والتوافق مع قيم المجتمع عندما يواصل اللاعبون الآخرون التنافس فيما بينهم على النفوذ والموارد المحدودة. ومن دون قواعد وسياسات حماية، فإن أكثرهم قسوة سينتصر. من هنا تبرز ضرورة التشريعات والسياسات، بالإضافة إلى توافر الإرادة الجماعية للشعب لسَنّها. تكمن الأزمة العميقة الأكبر في أن العمليات الديمقراطية لإنشاء سياسات الحماية تعمل بوتيرة أبطأ بكثير من معدل التطور التكنولوجي المطلوب لإحداث فرق ملموس. وستواصل التكنولوجيا تقدمها بشكل أسرع مما يمكن أن تستوعبه مؤسسات القرن العشرين الديمقراطية. يحتاج قطاع التكنولوجيا نفسه إلى العمل معاً بشكل تعاوني وإيجاد طرق للعمل بحيث يتم وضع الأهداف المجتمعية المشتركة فوق المنافسة الشديدة وتعظيم الأرباح.

أخيراً، نحتاج إلى الإقرار بالنفوذ الهائل غير المتكافئ الذي تتمتع به شركات التكنولوجيا على الأفراد والمجتمع، إنها تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا؛ لذا يجب أن تتبع أي بنية نفوذ غير متكافئة النموذج الائتماني أو نموذج “واجب الرعاية”، المتمثل في معلم جيد أو معالج أو طبيب أو عامل رعاية، أي يجب أن تعمل في خدمة الأضعف. ويجب ألا يتم تشغيل هذه البينة مترافقة مع نموذج عمل استخراجي. يجب أن تكون نماذج الأعمال المطورة للتكنولوجيا مُنتجة؛ أي يجب أن تعاملنا بصفتنا العميل وليس المنتَج، وأن تتماشى مع قيمنا وإنسانيتنا الراسخة.

نحو إنسانيتنا

قال إي. أو. ويلسون يوماً: “المشكلة الحقيقية للبشرية هي أننا نمتلك عواطف من العصر الحجري القديم، ومؤسسات من العصور الوسطى، وتكنولوجيا شبيهة بالآلهة”. ينبغي علينا تقبل مشاعرنا التي تعود إلى العصر الحجري بكل ما فيها من عيوب ومكامن ضعف معروفة. وينبغي علينا تحديث مؤسساتنا لتضمينها المزيد من الحكمة والحصافة والمحبة. وعلينا إبطاء تطوير تكنولوجيا شبيهة بالآلهة تتعدى قوتها قدرتنا على توجيه اتجاه السفينة التي نسافر جميعاً على متنها.

رغم أن نطاق الممكن آخذ في التوسع، لكنه ينشأ بالتزامن مع النمو الأسي في حجم التحديات العالمية الصعبة التي تتطلب معلومات أجود وقيادة أقوى وإجراءات أفضل. وبدلاً من قبول خوض سباق إلى الحضيض يحط من قيمتنا ويقسمنا، نستطيع معاً إنشاء مشهد تكنولوجي يمكّننا من السباق نحو القمة، وهو سباق يدعم ترابطنا وتحضرنا وذكاءنا المتأصل. أعتقد أن البشرية قادرة على إنجاز هذا التغيير.

تريستان هاريس؛ مؤسس مشارك ورئيس مركز التكنولوجيا الإنسانية.
هذا المقال مقتطف مقتبس من كتاب الممكن الجديد: رؤى لعالمنا ما بعد الأزمة، الذي سيتم نشره في 26 يناير 2021 من قِبل دار النشر كاسكيد بوكس (Cascade Books).