Article image




على الرغم من اتساع نطاق التلوث المائي، إلا أننا نمتلك الكثير من الخيارات التي تمكننا من السيطرة على هذه الظاهرة.

بقلم

2021-03-21 18:15:50

21 مارس 2021

عرضنا في الحلقة السابقة من هذه السلسلة مدى اتساع نطاق تلوث المياه وكيف أثرت الأنشطة البشرية سلباً على مختلف المسطحات المائية على الأرض، سواء مسطحات المياه العذبة أو المالحة، السطحية أو الجوفية، الأمر الذي يمثل تحدياً بيئياً واجتماعياً واقتصادياً أمام البشرية ويدق طبول “حروب المياه”.

من المحتمل أن تكون كل المياه الموجودة على الأرض قد أعيد تدويرها عدداً لا يحصى من المرات، من خلال دورة الماء في الطبيعة (الدورة الهيدرولوجية). فالأمطار تسقط على الأرض ثم تتدفق إلى الأنهار والبحيرات والمحيطات ويتسرب بعضها إلى طبقات المياه الجوفية. ثم يتبخر الماء من هذه المسطحات المائية ويرتفع إلى السماء ويتكثف على شكل غيوم، ثم يسقط مرة أخرى على الأرض، لتستمر الدورة. لذا، فإن الكثير من جزيئات الماء التي تشربها قد مرت غالباً عبر أجسام بشر أو حيوانات أخرى.

ولكن خلال هذه العملية يمكن أن تتعرض المياه للتلوث بسبب أي نوع من المواد السامة الصلبة أو السائلة أو الغازية. ومع ذلك، فإن هناك عدة حلول عملية يمكن من خلالها تقليل تلوث المياه. وفي هذه المقالة سنقسم تلك الحلول إلى نوعين رئيسيين: حلول مجتمعية تنفذها الدول والحكومات والمجتمعات المحلية، وحلول فردية يمكن لكل منا تطبيقها بنفسه إذا أراد المساهمة في تقليل تلوث المياه.

أولاً: ما الذي يمكن للدول القيام به؟

– معالجة وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي: تُعد مياه الصرف الصحي المنزلية ومياه الصرف الصناعية أحد أبرز الملوثات المائية. في محطات معالجة المياه، تمر مياه الصرف الصحي عبر عدد من الغرف والعمليات الكيميائية لتقليل سميتها. ومن شأن تحسين وصيانة أنظمة معالجة مياه الصرف الصحي أن تمنع تسرب التلوث إلى أنظمة المياه، وأن تحول مياه الصرف الصحي إلى مورد قيم للمياه النظيفة.

باتت هذه العملية حلاً تقنياً مقبولاً وموثوقاً لمعالجة مشكلة ندرة المياه في جميع أنحاء العالم. وقد سلط البنك الدولي الضوء على إحدى التجارب العربية الناجحة في هذا المجال. ففي تقرير نشره عام 2018، تحت عنوان “مياه الصرف الصحي: من نفايات إلى موارد – حالة القاهرة الجديدة”، أوضح البنك أن مصر لجأت إلى أسلوب الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لإنشاء محطة القاهرة الجديدة للصرف الصحي، التي يمكنها معالجة ما يصل إلى 250 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يومياً، موضحاً أن المياه المعالجة يتم توجيهها إلى العمليات الزراعية، ما يقلل من الطلب على المياه العذبة اللازمة للزراعة. كما يتم بيع السماد الطبيعي الناتج من المياه إلى مصانع الإسمنت لاستخدامه كوقود بدلاً من الفحم، وبالتالي يقلل من انبعاث غازات الاحتباس الحراري.

محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي

محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي.
مصدر الصورة: ميشال جارمولوك عبر بيكساباي

– تحسين ممارسات الري والزراعة: تحذر وكالة حماية البيئة الأميركية من تأثير الري المفرط على جودة المياه من خلال التسبب في تآكل التربة ونقل العناصر الغذائية ومبيدات الآفات والمعادن الثقيلة إلى الجداول والأنهار، كما يمكن أن يتسبب أيضاً في تراكم عنصر السيلينيوم، وهو معدن سام يمكن أن يضر بتكاثر الطيور المائية.

كما تلعب الزراعة -التي تستهلك أكثر من 70% من إمدادات المياه العذبة- دوراً رئيسياً في تلوث المياه، بحسب ما تشير إليه منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. حيث يقوم المزارعون بتصريف كميات كبيرة من الكيماويات الزراعية والمواد العضوية ومخلفات العقاقير البيطرية والرواسب ومياه الصرف المالحة في المسطحات المائية. وفي الولايات المتحدة، تعد الزراعة المصدر الرئيسي للتلوث في الأنهار والجداول، وثاني أكبر مصدر تلوث للأراضي الرطبة، وثالث أكبر مصادر تلوث البحيرات.

وتشمل الممارسات الزراعية -التي تساهم في الحد من مخاطر تلوث المياه- تحديدَ وتحسين نوعية الأسمدة ومبيدات الآفات وكميتها وتوقيت رشها على المحاصيل، وإنشاء مناطق حماية على طول مجاري المياه داخل المزارع، وكذلك تطبيق أنظمة الري التي تقلل من تدفق المياه العائدة إلى الأنهار.

كما تعد الشرائط النباتية العازلة التي توضع على طول الأنهار فعالة في تقليل تركيز الملوثات التي تدخل المجاري المائية.

– تقليل النفايات البلاستيكية: يشكل البلاستيك -الذي يستغرق عقوداً أو قروناً ليتحلل- تهديداً خطيراً للموارد المائية. كل عام، يتسرب حوالي 8 ملايين طن من النفايات البلاستيكية إلى المحيطات من الدول الساحلية. وقد تم اكتشاف جزيئات بلاستيكية دقيقة في المياه في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الأنهار والبحيرات والمحيطات. وينتهي الأمر بالجسيمات البلاستيكية التي لا يمكن هضمها في الماء الذي نشربه والكائنات البحرية التي نأكلها.

وتتمثل أفضل الحلول في هذا المجال في سَن تشريعات تمنع استخدام المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، وتفرض استخدام الأكياس والزجاجات القابلة لإعادة الاستخدام، بالإضافة إلى تحسين أنظمة إدارة النفايات وإعادة التدوير.

معرض يصور النفايات البلاستيكية في المحيطات

معرض يصور النفايات البلاستيكية في المحيطات.
مصدر الصورة: مارتين بودوين عبر أنسبلاش

إحدى المحاولات الحديثة لتحسين هذا الوضع جاءت من شركة كوكاكولا، التي أعلنت الشهر الماضي أنها ستُجري اختباراً عملياً لبيع منتجاتها في زجاجات ورقية، ضمن إستراتيجية طويلة المدى تهدف إلى التوقف نهائياً عن استخدام البلاستيك في زجاجتها، وذلك بعدما تعرضت لانتقادات واسعة بسبب استمرارها في احتلال المرتبة الأولى على مستوى العالم، لعدة سنوات متتالية، في ترتيب أكثر الشركات مساهمة في التلوث البلاستيكي.

– إدارة مياه الأمطار: عندما تتدفق مياه الأمطار على طول الأرصفة والشوارع، فإنها تلتقط الملوثات الضارة وتنقلها إلى مصارف مياه الأمطار والجداول والأنهار. ويمكن معالجة مياه الأمطار من خلال مجموعة من العمليات المختلفة، أبرزها التنقية باستخدام الرمال (Sand Filtration) والتخثير الكهربائي (Electrocoagulation) وعمليات الأكسدة المتقدمة (Advance Oxydation).

– استصلاح الأراضي الرطبة: تُعد تجربة هولندا من بين التجارب الدولية الناجحة لإدارة وتحسين جودة المياه من خلال استعادة الخصائص الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية للأراضي الرطبة.

وتقول خبيرة المياه ماهيتاب الرمال: “إن الإدارة الرشيدة للمياه بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، ووجود مجالس مياه إقليمية منتخبة ومستقلة لإدارة الحواجز والمجاري المائية لامركزياً، قد ساهمت في نجاح التجربة الهولندية لإدارة جودة المياه”.

وأشارت الرمال -باحثة الماجستير في معهد ديلفت لدراسات المياه التابع للأمم المتحدة- إلى اهتمام هولندا باستصلاح وإعادة تأهيل الأراضى الرطبة -التي يُطلق عليها اسم “كلية العالم”، نظراً إلى أنها تقوم بتنقية المياه قبل طرحها فى البحار والمحيطات- عبر سياسة (Room for the river)، التي استهدفت تحويل الأراضى الزراعية المتاخمة لنهر الراين إلى أراضي طبيعية مرة أخرى، من أجل رفع كفاءة عملية الترسيب والفلترة الطبيعية وكذلك عمليات التحلل والإزالة البيولوجية للملوثات (Bioremediation).

كما تنفذ الولايات المتحدة خطة طويلة الأمد لإعادة استصلاح أراضى “إيفرجلادز” الرطبة، التي تقع في جنوب ولاية فلوريدا، والتي كانت مساحتها تبلغ فيما مضى أكثر من ثلاثة ملايين فدان، لكنها فقدت أكثر من نصف هذه المساحة منذ القرن التاسع عشر نتيجة تحويلها إلى أراضي زراعية أو سكنية وتنفيذ العديد من مشروعات السيطرة على الفيضانات. وقد بلغت التكلفة المبدئية للخطة -التي تُعد أكبر مشروع ترميم هيدرولوجي يتم تنفيذه على الإطلاق في الولايات المتحدة، التي أقرها الكونجرس عام 2000- 10.5 مليار دولار، وبخط زمني يزيد عن 35 عاماً.

ثانياً: ما الذي يمكنك القيام به؟

مواجهة مشكلة تلوث المياه لا تعتمد فقط على الإجراءات والتدابير الحكومية، فكل منا مسؤول بشكل ما عن هذا التلوث، وكل منا مسؤول أيضاً عن منعه، انطلاقاً من الفكرة التي تقول إن الطريقة المثلى لتقليل التلوث هي التحكم فيه من المصدر. لذا، إليكم بعضاً من الأشياء البسيطة التي يمكننا القيام بها بأنفسنا للحد من التلوث:

التخلص من الزيوت والكيماويات بطريقة صحيحة: كل يوم يرمي ملايين الناس زيوت الطهي وزيوت المحركات المستعملة والمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية السامة والدهون ومواد التنظيف في البالوعات أو في المرحاض. وعلى الرغم من أنها تختفي من أمام أعيننا إلا أنها تتراكم في أماكن أخرى وتتسبب في انسداد أنابيب الصرف الصحي أو تلوث المجاري المائية لمدة طويلة.

استخدام المنتجات البلاستيكية القابلة لإعادة الاستخدام، أو الاستعاضة عنها بالمنتجات الورقية أو القماشية.

استخدام أقل كمية من المنظفات والمبيضات عند غسل الملابس أو الأطباق، وتجنب استخدام المنظفات التي تحتوي على الفوسفات، فالفوسفات يؤدي إلى تكاثر الطحالب وقتل الأسماك عن طريق تقليل الأكسجين في الماء.

تقليل استهلاك اللحوم: على الرغم من أن هذا الأمر قد يبدو غريباً، إلا أن تربية الحيوانات والماشية تستهلك كميات كبيرة من الماء وتعد كذلك من أهم أسباب الاحترار العالمي. وفي كثير من الأحيان، تنتهي المضادات الحيوية التي تحصل عليها والنفايات الناتجة عنها في المياه الجوفية والأنهار.

بلدة زونيل، جواتيمالا

بلدة زونيل، جواتيمالا.
مصدر الصورة: ألكسندر شيميك عبر أنسبلاش

تجنب رمي القمامة بجانب المسطحات المائية: إذا تواجدت بالقرب من بحيرة أو نهر أو محيط، فحاول ألا ترمي أي نوع من أنواع القمامة في الماء أو بالقرب منه؛ لأنك حتى لو رميت غلاف حلوى على الشاطئ، فسيلتقطه المد في النهاية ويجرفه إلى الماء.

بالطبع ثمة الكثير من الممارسات الأخرى التي لا يتسع المقام هنا لذكرها والتي قد تساعد على الحد من تلوث الماء، كالانضمام إلى جمعيات حماية المياه، والمساعدة في تنظيف الشواطئ والأنهار، وغيرها.

وفي النهاية…

كما بدأنا المقالة الأولى من هذه السلسلة بكلمات بنجامين فرانكلين: “عندما يجف البئر، فسنعرف قيمة الماء”، يمكننا أن نختتم هذه المقالة بقول الشاعر البريطاني ويستن هيو أودن: “الآلاف عاشوا بلا حب، ولم يعش أحدهم بلا ماء”.


شارك