Article image
مصدر الصورة: إم إس تك | صورة الحطام: صور جيتي | صورة الأرض: ناسا



لا يمكن تتبع الحطام الفضائي في المدار الأرضي إلا خلال عدد محدود من الساعات كل يوم، غير أن بعض العلماء يعتقدون أنهم تمكنوا من زيادة هذه الساعات.

2020-08-09 11:05:54

09 أغسطس 2020

يبدو أن الحطام الفضائي سيبقى معنا لفترة طويلة، مصحوباً بجميع المشاكل التي يتسبب فيها. فمن المتوقع أن نشهد تزايد عدد عمليات إطلاق الأقمار الاصطناعية مع مرور كل سنة، ما يعني انتشار المزيد من خردة الصواريخ والمركبات الفضائية التي تندفع في المدار بسرعة تزيد على 35,400 كيلومتر في الساعة. عند هذه السرعات، يمكن حتى لجسم لا يتجاوز بضعة سنتيمترات طولاً أن يدمّر قمراً اصطناعياً على الفور، بل يتسبب حتى في قذف المزيد من الحطام إلى الفضاء.

كيف يمكننا التعامل مع هذه المشكلة؟ يمكن استخدام أشعة ليزرية قوية لقياس المسافة بين هذه الأجسام، تماماً مثل الرادار أو السونار؛ حيث يصيب الشعاع الليزري الحطام في المدار ويرتد عائداً إلى الأرض، وتستطيع الطواقم الأرضية قياس الزمن الذي يستغرقه هذا الأمر لحساب مواقع أجزاء الحطام، والاتجاهات التي تسلكها، وتوجيه الإنذارات حول الاصطدامات المحتملة مع أجسام أخرى. ليست هذه الطريقة لحساب المسافة بالليزر جديدة في مجال تتبع الأقمار الاصطناعية، “غير أن تتبع الحطام الفضائي يمثل حالة مختلفة تماماً”، كما تقول كارولين فروي، وهي خبيرة في الديناميكا الفلكية في جامعة بوردو. لا يبقى الحطام الفضائي في مدار مستقر، بل “سيبدأ بالتقلب واكتساب حركة سريعة متغيرة، ولهذا فإنه ليس مستقر الاتجاه”، كما تقول فروي. ولهذا، ستكون إشعارات النظام الذي يعتمد على الليزر أكثر عشوائية مما في حالة الأقمار الاصطناعية، ولهذا يجب الاعتماد على عمليات رصد أقل تقطعاً لكشف الاتجاه الفعلي للحطام.

لا يعطي كشف المسافة بالليزر معلومات عن الموقع إلا ضمن مجال من الانزياح، وذلك ضمن مسافة تصل إلى عدة آلاف من الكيلومترات. ولحساب التوقعات بشكل أفضل، يمكن أن تقوم أنظمة تتبع الحطام أيضاً بقياس انعكاس سطح الشمس عن هذه الأجسام، ما يسمح بتضييق هذا المجال إلى بضعة أمتار وحسب. غير أن هذه الانعكاسات لا يمكن رصدها إلا في فترتي الفجر والغسق، عندما تكون المحطات الأرضية مظلمة والأقمار الاصطناعية نفسها مضاءة.

ولكن، يعتقد فريق من الباحثين الأوروبيين أنهم تمكنوا أخيراً من الالتفاف حول هذه المشكلة، وذلك وفقاً لبحث جديد نُشر في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز (Nature Communications)؛ فقد قام فريق بقيادة مايكل ستايندورفر، وهو باحث مختص بالحطام الفضائي من الأكاديمية النمساوية للعلوم، بابتكار طريقة لرصد الحطام الفضائي في وضح النهار أمام خلفية السماء الزرقاء. فبدلاً من قياس انعكاسات ضوء الشمس بالطريقة القديمة، تعتمد الطريقة الجديدة على مرشح خاص، وتلسكوب، ونظام كاميرا، وذلك لرصد النجوم في السماء خلال النهار، حيث تكون رؤيتها أصعب بعشر مرات من فترة الليل. وبهذا، يمكن الحصول على خلفية تؤمّن التباين المطلوب مع الحطام الفضائي، الذي يعكس الضوء بشكل أكثر سطوعاً نظراً لقرب المسافة من الأرض، ما يعني انتفاء الحاجة إلى انتظار الغسق أو فترة ما قبل الفجر لإجراء قياسات انعكاس ضوء الشمس. إضافة إلى ذلك، قام الفريق بتصميم برنامج يقوم آلياً بتصحيح توقعات مواقع الأجسام في الزمن الحقيقي، وبدقة أعلى مما تحققه الأنظمة السابقة.

اختبر الفريق “النظام النهاري” الجديد خلال فترة النهار على أربعة أجسام صاروخية تتحرك عبر المدار على ارتفاع أقل من 1,000 كيلومتر فوق سطح الأرض، وتمكنوا من تحديد مواقعها بارتياب متر واحد تقريباً. قام الفريق بعد ذلك بتأكيد دقة النظام برصد 40 جسماً آخر. يعتقد الباحثون أن بإمكان النظام النهاري الجديد أن يحسن من دقة أنظمة قياس المسافة بالليزر لفترة تتراوح ما بين 6 ساعات و22 ساعة في اليوم، اعتماداً على الموسم. وسيكون من الممكن لمحطة رصد أن تستخدم نظاماً كهذا.

عمل ما زال قيد التطوير

تشير بعض التقديرات إلى وجود 130 مليون قطعة من الحطام الفضائي تسبح حول الأرض.
مصدر الصورة: مكتب برنامج الحطام المداري، ناسا

غير أن إجراء عمليات الرصد في وضح النهار لا يخلو من السلبيات، ويقر ستايندورفر بأن الانعكاسات من أجسام أخرى يمكن أن تشوش بسهولة على عملية تتبع الحطام. وبالتالي، يجب تحسين التجهيزات والبرمجيات مع مرور الزمن للحد من التوقعات الخاطئة، ويقول ستايندورفر إنه يجب أن ننظر إلى النظام بأكمله على أنه عمل ما زال قيد التطوير. تضيف فروي –التي لم تشارك في الدراسة الجديدة- قائلة إن التتبع النهاري ممكن باستخدام الرادار، كما أن عمليات الرصد المرئي النهارية كانت تُستخدم لتتبع تحركات الحطام الذي يتمتع بدرجة سطوع عالية.

ولكن الجمع ما بين عمليات الرصد التلسكوبية وقياسات المسافة بالليزر يؤمن فعلاً “تحسيناً كبيراً على دقة قياسات تحركات الأجسام المفهرسة حالياً، خصوصاً في المدارات العالية، التي لا تخضع للتتبع بالرادار”، كما تقول فروي. غير أنها تحذر من أن هذا لا يمثل حلاً سحرياً نهائياً لتتبع الحطام من جميع الأحجام على جميع الارتفاعات، بل هو بالأحرى أداة مفيدة أخرى في ترسانة أدوات تتبع الحطام.

بطبيعة الحال، يشعر ستايندورفر بتفاؤل أكبر إزاء أثر النظام النهاري الجديد، ويعتقد أن بإمكان النظام أن يساعد على تحفيز تنظيم العمل في شبكة محطات تتبع الحطام حول العالم، بحيث تعمل معاً بطريقة “تحسن التوقعات المدارية إلى درجة عالية، وتؤمن تحذيرات أفضل لحوادث التصادم، بل يمكن حتى أن تكون مصدر معلومات قيمة لأية بعثات فضائية لإزالة الحطام في المستقبل” ونظراً لتفاقم مشكلة الحطام الفضائي، لا شك في أننا نرحب بأية حلول جديدة.