Article image
مصدر الصورة: ماكينزي



يمكن أن تساعد إثارة المشاعر الإيجابية لدى الآخرين على دعم انتشار الأفكار الجديدة بسرعة.

نشرة خاصة من ماكينزي

تعتبر أعمال جيمس دايسون الكبيرة والأفكار الغريبة لآرت فراي بمثابة أيقونات مبجلة لدى مبتكري الشركات؛ فقد توصل دايسون إلى التصميم المثالي لمكنسة كهربائية لا تحتاج إلى كيس للغبار بعد عدد هائل من المحاولات وصل إلى 5,127 محاولة. أما إلهام فراي فقد هبط عليه -من بين كل الأماكن المحتملة- أثناء حضور قداس كنسي. فقد كانت قطع الورق التي استخدمها لتحديد الترنيمات الدينية تقع باستمرار من كتاب الكورس الذي كان يحمله، مما دفع بالعالم الذي كان يعمل في شركة ثري إم إلى التفكير في كيمياء المواد التي أدت في المحصلة إلى تصميم الملاحظات سهلة اللصق (القطع الورقية التي تُسجل عليها ملاحظات سريعة وتُلصق في أي مكان بسهولة). إنها قصص رائعة تتناسب مع هذه المنتجات التي غيرت العالم.

لن نبالغ إذا قلنا إن الشركات اليوم تركز بشكل أساسي على الابتكار، وقد أعادت الكثير منها تنظيم نفسها بحيث تستطيع الأفكار التقدم بسرعة ومن دون معوقات داخلية. وتصف مقالة نُشرت في ماكينزي كوارترلي كيف تُجري الشركات تجارب ابتكارية بمسابقات القرصنة للواقع الافتراضي وما يسمى “المرائب الابتكارية” حتى تزيد من معدل تطوير المنتجات. ونحن نعلم أن الكثير من ابتكارات الشركات تتحرك عبر مسارات جيدة التنسيق، تبدأ بإنجاز تكنولوجي جيد، ومالك منتج، يلي ذلك تقدّمٌ منظم عبر مراحل مستقلة تفصل بينها عمليات اتخاذ قرار، وصولاً إلى الإطلاق الناجح.

ولكن بين الحين والآخر، تظهر فكرة “جنونية” عن طريق رائد أعمال وحيد يعمل عكس التيار، ويتجاوز عمليات الإطلاق الفاشلة، ويتغلب على جميع الصعوبات. وعلى الرغم من أن هذه الحوادث غريبة ومتميزة بطبيعتها، فإنها قد تشترك جميعاً في شيء واحد، وهو أن رواية قصة جيدة عنها أمر إيجابي يساعدها على الانتشار. ولطالما كانت القصص هامة في مجال الأعمال بطبيعة الحال، ولكن في البيئة الحالية، فإن هذه المفاهيم غير المحسوسة أصبحت أكثر أهمية في جذب الانتباه إلى هذه الأفكار.

وعلى مدى ثلاث سنوات، عملت بالاشتراك مع مجموعة من الزملاء على البحث في قضية صياغة الناس لقصصهم الابتكارية بحثاً عن خلق هالة من التميز واجتذاب الانتباه. وقد بدأ مشروعنا بتأسيس جائزة ابتكارية، تحمل اسم “جوائز الابتكار الحقيقي” في مدرسة لندن للأعمال في 2016. تضمنت الجائزة عدداً من الفئات الغريبة والمثيرة للجدل (انظر الأشكال اللاحقة)، وكانت الترشيحات في كل منها تعتمد على الجمع ما بين آراء الحكام الخبراء والتصويت الجماهيري. وعلى مدى ثلاث سنوات، جمعنا أكثر من 1,000 ترشيح من شركات أو أفراد، وصل منهم إلى المرحلة النهائية 54 مرشحاً، وفاز منهم 26 بالجوائز. وبناء على تحليلنا لقصص جميع المرشحين حتى الآن، نقدم هنا ثلاثة دروس لكبار المديرين ورواد الأعمال، في المنظمات الكبيرة والصغيرة، حول ما يضفي على القصة طابعاً جذاباً وعاطفياً.

الفصل ما بين المصطلحات الأكاديمية والرواية الجيدة للقصص
لطالما استخدم الأكاديميون من أمثالي مصطلحات مثل “المقلد السريع” و”المزاحمة الذاتية” لوصف ما تفعله بعض الشركات لابتكار وتجديد نماذج الأعمال لديها بأسلوب أكاديمي بارد. وقد خصصنا فئتين لهذين المصطلحين تحديداً، وكانت الفئتان تضمّان معاً حوالي 20% من المرشحين، ومن الهام ملاحظة أن الكثير من المرشحين رفضوا قبول ترشيحهم في هذه الفئات أو عبّروا عن عدم ارتياحهم للمصطلحات المستخدمة في توصيفها، ولهذا أعدنا تسميتها كما يلي: “الأفضل يتفوق على السبّاق” و”معلم إعادة الابتكار”.

يقوم المبتكر من فئة “الأفضل يتفوق على السبّاق” بدراسة المنافس الذي قد يهيمن على السوق بمنتج مقبول، ومن ثم يقفز إلى المقدمة بتقديم شيء أفضل. يعتمد هذا الأسلوب على الفوز عن طريق التخطيط بذكاء، بدلاً من استخدام الأسلوب التقليدي بإطلاق منتج مشابه واستثمار مبالغ طائلة فيه للحفاظ على حصة الشركة في السوق. وقد قال لنا الكثير من المبتكرين إن مصطلح “المقلد السريع” خالٍ من العواطف إلى حد كبير، فلا يوجد مَن يستطيع الفوز بإعجاب الناس بالحديث عن قدرته على التقليد. أما مصطلح “الأفضل يتفوق على السبّاق” فيكرم القدرة على فعل الأشياء بأسلوب جديد والتغلب على المنافسين باستغلال الفرصة التي فوّتوها على أنفسهم. ومن أفضل الأمثلة على هذا من ضمن الفائزين بجائزتنا شركة فيفينو، التي صممت أهم تطبيق للتصنيف والتوصيات للنبيذ بالاعتماد على تصوير لصاقة الزجاجة بالجهاز الخلوي.

وعند رواية قصة مماثلة، يجب الحرص على تأكيد نقاط الاختلاف وتخفيف التركيز على التشابهات مع المنتجات التي تقدمها الشركة المنافسة؛ حيث إن كيفية تحقيقك لهدفك ليست بأهمية إبراز ما يجعل منك مميزاً.

أما القصة من نوع “معلم إعادة الابتكار” فتحمل حبكة مختلفة. فبدلاً من أن يتفوق المبتكر على المؤسسة، تتحدى المؤسسة نفسها. إنها القصة التقليدية التي تتمحور حول التحول أو الولادة من جديد، حيث يقع بطل القصة في ورطة كبيرة، ويمر بتجربة تكاد تقضي عليه، وبعد أن يتأمل عميقاً، يجد في أعماق روحه وسيلة لإعادة ابتكار نفسه والتحول إلى شخص أفضل. وتعتبر هذه القصة من الأحداث الشائعة في مجال الأعمال، ويمكن أن نأخذ مثالاً عنها شركة أورستيد الهولندية، التي كانت تنتج الوقود الأحفوري، أما الآن فتحصل على 40% من دخلها من طاقة الرياح. وعلى الرغم من شيوع هذه القصص، فإنها نادراً ما تُروى بالزخم العاطفي الذي تستحقه.

وغالباً ما تُحدث الشركات تغييراً كبيراً في بنيتها عن طريق إزاحة منتجاتها القديمة بتقديم منتجات جديدة قبل أن يقوم المنافسون الجدد بهذا، غير أن المرشحين قالوا لنا إن هذا يقوض من مكانة إنجازاتهم السابقة، كما أنهم لا يرغبون في الظهور بمظهر من يقضي على المنتجات ذات المبيعات المتردية بلا هوادة، على الرغم من أن هذا يعتبر في أغلب الأحيان هو الأسلوب السليم للتكيف مع التغيرات الكبيرة.

ويدرك معلم إعادة الابتكار أن الناس يريدون أن يسمعوا عن ظهور الفراشة بدلاً من نهاية اليسروع. لا مشكلة في الاعتراف بتردي بعض منتجاتك والتغيرات الخارجية التي ترغمك على إعادة تقييم وضعك، ولكن لا تركز على الصراعات الداخلية التي عانيت منها لتنفيذ هذا القرار. وبدلاً من ذلك، يجب أن تركز على قصة الابتكار الجديد مع مجموعة النجاحات الممكنة، وسيجد هذا صدى لدى المبتكرين، حيث يشير إلى أنك على صلة وثيقة بماضي الشركة ومستقبلها.

القوة التي لا تخبو لموهبة الاكتشاف بالصدفة، والجهد، والمنافس الصاعد
كانت هذه الفئات الكلاسيكية تحوي حوالي 30% من المرشحين، وهي ما تزال تتمتع بصدى إيجابي كبير.

تتضمن موهبة الاكتشاف بالصدفة العثور على شيء غريب من دون سابق تخطيط، ومن ثم التمتع بالبصيرة أو وجهة النظر السديدة للاستفادة منه. ما الذي يجعل من هذه القصة جذابة؟ إنه الترابط والتناقض الواضح بين شيئين يبدوان مستقلين للوهلة الأولى. وفي ومضة إلهام من هذا النوع، أدركت إحدى الجهات الفائزة -وهي شركة هندسية- أن التصميم الذي وضعته لمراكب جمع المحار بجر الشباك يمكن استخدامه أيضاً لاستعادة المواد التي يصعب الوصول إليها ضمن أحواض النفايات النووية. وتؤدي هذه الصلات المفاجئة إلى إطلاق سلسلة من الأحداث التي تنتهي بفرصة تجارية. ولبناء حبكة هذه القصة، يجب أن نفكر في التركيبة الغريبة من الأفكار التي دفعتك إلى البدء بالعمل، والتذكر أن موهبة الاكتشاف بالصدفة تختلف عن الصدفة العادية؛ حيث إنك كنت تحمل ما يكفي من الحكمة لرؤية الإمكانات الكامنة في هذا الشيء الذي تصادف حدوثه أمامك.

وتتمحور السمة العامة لقصة الجهد (“إذا لم تنجح في المرة الأولى…”) حول العمل الجاد والإصرار؛ حيث لا تجري الأمور كما خططت لها، ولكنك تقوم بتنقيح وتعديل فكرتك بوعي وتفكير، وتحقق النجاح في نهاية المطاف، كما حصل مع توماس إديسون الذي نجح في تصميم المصباح الكهربائي بعد ألف محاولة فاشلة. كيف يمكن لقصة كهذه ألا تكون جذابة للمستثمرين والزبائن أو حتى لجنة بحث وتطوير؟ يجب أن تتذكر وحسب أن تنهي حلقة التكرار في القصة، وتبين أن الإصرار أدى في نهاية المطاف إلى نتيجة ملموسة. لا تركز على الأخطاء وتضيع نفسك بالتفاصيل المكررة، وتذكر أن تبرز كيف أدى الإصرار إلى النتيجة بفضل “التعلم” و”التجريب” و”التغيير”.

في فئة المنافس الصاعد، أو “الشخص غير المنطقي”، يدخل المبتكر في مواجهة مع النظام، أي ما يعيق التقدم من الرؤساء التنفيذيين والعمليات الداخلية. ومن أبرز الأمثلة على المبتكرين الذين لا يستسلمون: ستيف جوبز وإيلون ماسك؛ حيث وضعوا أنفسهم في مواجهة مع العقليات التي تفضل النمو التدريجي وتقليد المنتجات الأخرى لمنع المنافسين من احتكار السوق، ورفضوا الأساليب والجداول الزمنية التقليدية لتطوير الأفكار. يمكن أن نشبه المبتكرين من نوع المنافس الصاعد بمحارب يكون في أحسن حالاته عند خوض المعارك، ويستمتع بإثبات خطأ الآخرين. وتعني صفة “غير المنطقي” رفضك للفوز عن طريق تغيير وجهة نظرك، والالتزام بها بشراسة. أي أنك يجب أن تقنع العالم أن فكرتك تتحدى المفاهيم التقليدية، وتحقق المصالح الهامة، وتثبت صحتها بعد صراع طويل.

قوة الإقناع عن طريق استغلال التوجهات الجديدة
على الرغم من أهمية جميع الأساليب السابقة في رواية القصص، فمن الجدير بالذكر أن ما يقارب 45% من المرشحين فضَّلوا جائزة “رياح التغيير”، التي تتمحور بشكل أساسي حول استغلال القوى الخارجية. إن فكرة ركوب أمواج التوجهات الجديدة تحمل معنى شديد التأثير، لدرجة أن الفئة التي خصصناها للتعبير عن الفكرة المعاكسة (التي تُعرف باسم: “قبل وقته”) تلقت ترشيحات ضعيفة للغاية، مما دفعنا إلى إلغائها في السنة الثانية.

وفي إطار قصة القوى الخارجية التي تدفع الأشياء إلى الأمام في لحظة تاريخية فريدة، عادة ما يُنسب إلى صاحب الفكرة وجوده في المكان الصحيح في اللحظة الصحيحة، أثناء مناورته ببراعة بين أمواج الأحداث الاقتصادية أو السياسية التي اجتمعت حتى تجعل النجاح شبه محتوم. ويُعتبر يوتيوب مثالاً تقليدياً حول هذه الفكرة، فقد ركب موجة ظهور التكنولوجيات البسيطة لتحرير ملفات الفيديو، والانتشار الواسع للإنترنت عريض الحزمة.

في هذه الرواية، لا تقل للزملاء والمستثمرين إنك كنت محظوظاً وحسب، بل يجب أن تُظهر بمظهر راكب الأمواج المحترف الذي التقط الموجة في اللحظة الصحيحة تماماً: “لقد كنا أذكياء بما يكفي لرؤية اجتماع هذه التوجهات معاً، وهو ما أدى إلى نجاحنا”. ولكن يجب أن تلتزم الحذر؛ حيث إن صعود البطل مع الموجة لا ينتهي على خير دائماً، لأن الرياح تغير اتجاهها باستمرار، ويمكن للأفكار أن تتحطم على الشاطئ. ولهذا يجب أن يعرف الجميع أنك مدرك للألم الذي يجلبه تحطم الأفكار الابتكارية، وأن الابتكارات الهامة التي تقود التغيير اليوم قد تتحول إلى تكنولوجيا بائدة غداً.

قد تكون هناك مسارات قصصية أخرى لم نفكر فيها، ولكننا واثقون أن ما عرضناه في المقالة سيجتذب الانتباه؛ لأن هذه القصص طويلة الأمد وتثير مجموعة كبيرة من المشاعر. ولا شك في أن القدرة على تأطير الأفكار بشكل جذاب هامة للوصول إلى الزبائن والموظفين، ولكنها هامة على وجه الخصوص في عالم الابتكار، بسبب كثرة الشكوك التي عادة ما ترافق عملية خلق أي شيء جديد.