Article image
مصدر الصورة: أسوشييتد برس/ مايكل سون



تحظى تطبيقات تتبع كوفيد-19 بسمعة إعلامية سيئة، إلا أن اثنين من أكثر البرامج الواعدة يشيران إلى أنه لا يزال هناك مجال ليلعبا دوراً هاماً في الاستجابة للجائحة.

2020-08-14 19:17:24

14 أغسطس 2020

إذا كانت تطبيقات تتبع الاحتكاك تسير وفقاً لـ “دورة الضجيج” الشهيرة التي طورتها شركة جارتنر (Gartner)، فمن الصعب ألا يخلص المرء إلى أنها وصلت حالياً إلى مرحلة “قاع خيبة الأمل”. وإن الشعور الحماسيّ -الذي ساد في البداية بأن هذه التطبيقات يمكن أن تشكل جزءاً هاماً من الترسانة المضادة لكوفيد-19- قد أفسح المجال للمخاوف من أن كل شيء قد يذهب هباءً، على الرغم من الاستثمارات الضخمة في الوقت والمال. وشهدت دولة تلو الأخرى إقبالاً منخفضاً على استخدام هذه التطبيقات، وتم التخلي عنها في كل من النرويج والمملكة المتحدة

وفي الوقت نفسه، تأخرت الولايات المتحدة كثيراً عن الركب؛ إذ أصدرت سنغافورة في شهر مارس الماضي تطبيقها (TraceTogether)، وأصبحت سويسرا في شهر مايو أول دولة تصدر تطبيقاً يستخدم نظام إشعارات التعرض الذي طورته شركتا جوجل وآبل.

واستغرق الأمر حتى الأسبوع الماضي -أي بعد ثلاثة أشهر- لتصبح فرجينيا أول ولاية أميركية تُطلق تطبيقاً يستخدم النظام الذي طورته شركتا جوجل وآبل. وعلى الرغم من أن إصدار تطبيق على المستوى الوطني في الولايات المتحدة يبدو أمراً غير وارد نظراً لعدم وجود استجابة فدرالية منسقة، إلا أن ثلاث ولايات أخرى على الأقل تُخطط لإطلاق خدمات مماثلة.

ومع ذلك، فقد تكون هناك ميزة واحدة هامة للتأخر في اعتماد هذه التطبيقات: وهي فرصة التعلم من إخفاقات الآخرين ونجاحاتهم.

تحدثنا إلى مطوري التطبيقين المُستخدمين في أيرلندا وألمانيا لمعرفة ما اكتشفوه خلال هذه الرحلة. ويحتل هذان التطبيقان مرتبةً عالية في قاعدة بيانات إم آي تي تكنولوجي ريفيو لتطبيقات تتبّع كوفيد-19، وهو مشروع يهدف إلى رصد عمليات تطوير ونشر تطبيقات تتبع الاحتكاك في جميع أنحاء العالم.

ويتمتع التطبيق الأيرلندي بأحد أفضل معدلات الاعتماد في العالم؛ حيث قام 37% من السكان بتحميل التطبيق في أسبوعه الأول. بينما حمّلَ أكثر من 20% من المواطنين النظامَ الألماني، الذي حظي بالإشادة باعتباره نجاحاً لدرجة أنه كان يقدم المشورة للحكومات الأخرى بشأن كيفية تطوير نظم خاصة بهم.

لكن ثمة محاذير< إذ لا تجمع العديد من التطبيقات اللامركزية -بما فيها النظامان المستخدمان في أيرلندا وألمانيا- معلومات حول عدد التنبيهات التي ترسلها، كتدبير لحماية الخصوصية، وهو ما يجعل من الصعب تحديد مدى النجاح في بعض الحالات.

ولكن مع ذلك، لم تشهد أي دولة عملية نشر فوضوية للتطبيقات مثلما شهدت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. فما هي إذن النصيحة التي تقدمها هذه الدول لغيرها من البلدان؟

1- تذكر أن كل الحالات مهمة

أولاً، دعونا نبدد إحدى الخرافات. تطبيقات تتبع الاحتكاك الرقمية لا تحتاج إلى استخدامها من قِبل غالبية السكان لتصبح فعّالة: يمكنها العمل بمعدلات استخدام أقل، حتى ولو لم تكن فعّالة للغاية. لذا، يتعين علينا التوقف عن التفكير في الأمر بطريقة: إمّا كل شيء أو لا شيء.

يقول كولم هارت المدير الفني لشركة نير فورم (NearForm) التي طورت التطبيق المستخدم في أيرلندا، الذي قام 37% من السكان بتحميله في أسبوعه الأول: “إذا تمكنت من كسر القليل من سلاسل انتقال العدوى بفضل التطبيق، فسأعد هذا الأمر نجاحاً”، فمنع إصابة واحدة فقط قد ينقذ حياة شخص.

2- تحكم في التوقعات

في بداية انتشار الجائحة، كانت آمال الناس مرتفعة للغاية في تطبيقات تتبع الاحتكاك، إلا أن هذه التطبيقات لم تكن لتقضي أبداً على كوفيد-19 بمفردها. ويقول بيتر لورينز، أحد قادة المشروع الذي يعمل في التطبيق الألماني (Corona-Warn-App)، إنه من الأهمية بمكان وضع تطبيقات تتبع الاحتكاك في مكانها المناسب.

ويضيف: “كان موقف الحكومة الألمانية واضحاً بأننا سنستخدم كل الأدوات المتاحة لمكافحة هذا (المرض)، بما في ذلك الأساليب التقليدية مثل إجراء الاختبارات والابتعاد الاجتماعي والأقنعة وتتبع الاحتكاك يدوياً، لكننا سندمجها مع التكنولوجيا”.

وعلى نحو مماثل، يسير التطبيق المُعتمد في أيرلندا جنباً إلى جنب مع برنامجها الخاص بالتتبع اليدوي، والذي يحظى بنفس القدر من الأهمية -إن لم يكن أكثر أهمية- في منع انتشار فيروس كورونا. ويوضح هارت: “إذا كانت نتيجة اختبارك إيجابية، فسيسألك فريق تتبع الاحتكاك اليدوي عما إذا كنت تستخدم التطبيق، وإذا كان الأمر كذلك، فسيسألون عما إذا كنت ستشارك المفاتيح حتى يتمكنوا من تحذير أي ممَّن خالطوك عن قرب، من خلال التطبيق”.

ويبدو هذا النهج منطقياً؛ إذ إن برنامج التتبع اليدوي بإمكانه تعقب أولئك الذين يعرفون بعضهم البعض -لنقل مثلاً أصدقاء اجتمعوا في حفل عشاء- بينما يستطيع التطبيق العثور على الأشخاص الغرباء تماماً، على سبيل المثال: الأشخاص الذين ركبوا نفس عربة القطار لفترة زمنية طويلة.

3- اعمل في العلن (وإلا فلن تكسب ثقة الجمهور)

جعلت كل من أيرلندا وألمانيا التعليمات البرمجية الخاصة بتطبيقيهما مفتوحة لأي شخص لفحصها. ويقول توماس كلينجبايل، المسؤول عن بناء تطبيق (Corona-Warn-App): “لقد فعلنا ذلك منذ البداية، حتى يُمكن الاستفادة من الملاحظات المجتمعية في التعليمات البرمجية قبل بدء العمل بها”.

“كان موقفنا واضحاً بأننا سنستخدم كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك إجراء الاختبارات، والابتعاد الاجتماعي، والأقنعة، لكننا سندمجها مع التكنولوجيا”.
– بيتر لورينز، تطبيق (Corona-Warn-App) الألماني.

تُلقي المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمان بظلالها على الفرق التي تطور هذه الأنظمة. ويتمتع الألمان ببراعة خاصة في حماية البيانات، حيث كان المطورون هناك على دراية بمثال النرويج، التي اضطرت إلى تعليق استخدام التطبيق الخاص بها بعد انتقادات وجهتها هيئة حماية البيانات. وتحولت ألمانيا -على الفور تقريباً- من تطوير تطبيق مركزي خاص بها إلى تطبيق يستند إلى واجهة برمجة التطبيقات (API) التي طورتها شركتا جوجل وآبل، وهو ما ثبت أنه كان قراراً حكيماً. كما فعلت أيرلندا الشيء نفسه. وقد راعى كلاهما الخصوصية في تصميم تطبيقيهما منذ البداية، وفقاً لمبدأ “اجمع أقل قدر ممكن من البيانات”. وتظل جميع المعلومات التي جمعتها التطبيقات على هواتف الأشخاص بدلاً من إرسالها إلى خوادم مركزية، ويتم تشفيرها وحذفها تلقائياً بعد 14 يوماً.

 

وقد اتخذ كلا الفريقين نهجاً تعاونياً وتآزرياً، حيث جمعا العديد من الوكالات والشركات، التي تركز كلها على هدف واحد يُمكن للجميع العمل من أجل تحقيقه. ويبدو أن هذا الأمر -بالإضافة إلى جرعة صحية من حسن النية التي أبداها الجمهور- قد أحدث فرقاً كبيراً في نجاح مشروعيهما.

والأمر البالغ الأهمية هو أن الفريق تعامل مع المنتقدين بدلاً من مجرد تجاهلهم. ويقول لورينز إن عليك استثمار الوقت لضمان الشفافية والتوعية المجتمعية بنفس القدر الذي تنفقه فيه على تطوير التكنولوجيا. ويضيف أنه “إذا كان الناس لا يثقون فيه (التطبيق)، فلن يكون ذا قيمة. لذا، يجب أن تُقنع الناس به”.

4- ضع المعايير الصحيحة

إن تطوير تطبيق لتتبع الاحتكاك ليس أمراً سهلاً، فبالرغم من أن شركتي آبل وجوجل قد أزالا بعض أعباء تطوير هذه التطبيقات، إلا أن الأمر لا يزال منوطاً بالسلطة المسؤولة عن التطبيق لوضع القواعد والمعايير. كم من الوقت يجب أن تقضيه مع شخص ما لكي تصبح عرضة للإصابة بفيروس كورونا؟ استقرت ألمانيا على 10 دقائق.

وكم تبلغ المسافة التي ينبغي أن تبتعد بها عن الأخرين؟ بعض الدول تقول متراً واحداً، فيما تقول دول أخرى مترين. هذه الأسئلة صعبة لأنه لم يتم الاستقرار بعد على الأساسيات العلمية الخاصة بانتقال العدوى. فإذا جعلت القواعد فضفاضة للغاية، فسينتهي الأمر بك إلى السماح لأولئك الذين ربما تعرضوا للإصابة بكوفيد-19 بالإفلات من الشبكة. وفي المقابل، إذا بالغت في التدقيق سيرسل التطبيق الكثير من الإِشعارات غير الضرورية، الأمر الذي سيثير إزعاج الناس إلى درجة تدفعهم إلى إلغاء تثبيت التطبيق.

لهذا السبب تُجري هيئة الصحة العامة في ألمانيا (معهد روبرت كوخ) اختبارات لمحاكاة سيناريوهات مثل حفلات الكوكتيل أو الرحلات بالحافلة، حيث يحاولون تحسين معايير التطبيق إلى الحد الذي يمكنهم فيه قياس خطر التعرض للإصابة بأكبر قدر ممكن من الدقة، لتجنب وقوع أي من المشاكل الموضحة أعلاه.

5- امنحها بعض الوقت

من السابق لأوانه الحكم على مدى فعالية تطبيقات تتبع الاحتكاك؛ نظراً لأن أول تطبيق لامركزي أطُلق منذ ثلاثة أشهر فقط. وبما أن إصدار التطبيقات تزامن مع تنفيذ عمليات الإغلاق وغيرها من طرق الحظر، فقد جعل بعض الجهود تبدو وكأنها إخفاقات لأنها لا تُرسل الكثير من الإشعارات.

غير أن الفريقين الأيرلندي والألماني واثقون تماماً من أنه بمرور الوقت ستثبت التطبيقات فعاليتها بشكل أكبر، كجزء من نهج شامل لمكافحة المرض.

يقول لورينز: “لم نكن نملك (هذه التطبيقات) في المرة الأولى التي انتشرت فيها الجائحة، لكن هذا سيُحدث فرقاً كبيراً عندما تندلع الموجة الثانية”.