Article image
إم إس تك/ مصدر الصورة: جيتي؛ هانديكون/مشروع ناون



تؤدي التغييرات التنظيمية مترافقةً بالقلق الناجم عن العزل إلى ارتفاع هائل في استخدام تطبيقات الصحة العقلية والعلاج عن بُعد،

2020-04-15 22:47:54

21 مارس 2020

أدى تفشي فيروس كورونا إلى إجبار الملايين منا على عزل أنفسهم -أحياناً حتى داخل البيت ذاته- عن أولئك الذين نتفاعل معهم يومياً: زملاء العمل والأصدقاء والعائلة والحيوانات الأليفة. فإذا جمعنا هذا الوضع مع الخوف الوجودي ومستقبل مجهول يلوح في الأفق، فسيبدو تصاعد القلق والتوتر أمراً مفهوماً تماماً.

لا عجب إذن، والحال كهذه، أن نشهد ارتفاعاً كبيراً الشهر الماضي في استخدام تطبيقات الصحة العقلية، التي تتراوح بدءاً من التطبيقات المساعدة على التأمل والعناية بالصحة مثل هيدسبيس Headspace وسانفيلو Sanvello ووصولاً إلى منصات العلاج عن بعد مثل توكسبيس Talkspace.

وتشير ميجان جونز بيل، كبيرة المسؤولين العلميين في Headspace، إلى تضاعف عدد المستخدمين الذين يبحثون عن محتوى محدد حول التوتر. وقد أطلقت الشركة مجموعةً مجانية من المحتوى المتعلق بالتأمل تسمى “الصمود في وجه العاصفة”، مُصمَّمة على وجه الخصوص للتعامل مع الأزمة الحالية.

كما استجاب تطبيق الصحة العقلية Sanvello بالمثل؛ حيث أطلق محتواه المتميز مجاناً. وتقول مونيكا روتس، كبيرة المسؤولين الطبيين في سانفيلو، إن متتبع الحالة المزاجية في التطبيق قد بدأ في التقاط “إشارات” لكلمات “كوفيد-19” أو “فيروس كورونا” في 22 يناير، وهو اليوم الذي صرح فيه الرئيس ترامب لشبكة CNBC أن الفيروس “تحت السيطرة تماماً“. وبحلول 16 فبراير، “ارتفعت الإشارات إليه [فيروس كورونا] بنسبة 157% في الأسبوع [مقارنة بالأسبوع السابق]”، على حد تعبير روتس. وتضيف: “بحلول الأسبوع الأخير من فبراير، ارتفعت تلك الإشارات بنسبة 509%، وبحلول أسبوع 9 مارس، ارتفعت بنسبة 605% عن الأسبوع السابق”. 

بينما تقول إيمي سيربوس، وهي معالِجة في نيويورك تقدم خدماتها عبر Talkspace، إن حجم مستخدمي خدماتها قد ارتفع بنسبة 25% عن الشهر الماضي، وهو الأمر الذي تنسبه إلى المخاوف من فيروس كورونا. وتضيف: “إن الناس قلقون بشأن الكيفية التي سيؤثر بها الفيروس عليهم وعلى أسرهم، فضلاً عن التعامل مع معيار جديد وعزلة اجتماعية”.

كما تسهِّل التغييرات التنظيمية على الناس إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية العقلية عبر الإنترنت؛ ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، خففت وزارة الصحة والخدمات البشرية الأميركية من القيود التي كانت سابقاً تجعل من شبه المستحيل مقابلة طبيب رقمياً عبر الإنترنت بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية بموجب قانون محمولية التأمين الصحي والمساءلة (HIPAA). وقد يؤدي ذلك إلى تحولٍ هائل في هذا المجال، حتى بعد انحسار الوباء الحالي.

تقول رينا باندي، كبيرة المسؤولين الطبيين في إيبل تو AbleTo، وهي منصة للعلاج عن بعد تضم أكثر من 700 طبيب في جميع أنحاء الولايات المتحدة: “أعتقد أن هذا سيغير بشكل جوهري وعلى نطاق واسع منظور الناس للخدمات الصحية عن بُعد”. وتضيف إنه في الأسبوع الماضي، ازدادت طلبات التواصل مع أطباء اختصاصيين بنسبة 25%.

ورغم أن تطبيقات الصحة العقلية تسهل الوصول إلى النصائح والرعاية، لكن هل توفر الجودة نفسها التي تحققها الاستشارة الشخصية التقليدية؟ يقول جون توروس، مدير الطب النفسي الرقمي في أحد المراكز الطبية التابعة لجامعة هارفارد: “تساعد هذه التطبيقات في زيادة الرعاية أو توسيعها. وعندما يتم استخدامها باعتبارها أدوات قائمة بذاتها للقيام بتدخلات فردية، فهناك دليل جيد من التحليلات التجميعية على أنها قد لا تكون بنفس فعالية أو كفاية العلاج وحده”.

وفي دراسة نُشرت في مجلة الجمعية الطبية الأميركية JAMA وأجريت على مجموعتين من المرضى، حصلت المجموعة الأولى على العلاج السلوكي المعرفي عبر الهاتف بينما التقى المرضى من المجموعة الثانية بالمعالِج وجهاً لوجه. وقد وجدت الدراسة أن المرضى من كلتا المجموعتين قد شهدوا تحسناً في حالة الاكتئاب، ولكن مع بعض الاختلافات؛ ففي حين أن عدداً أكبر من مرضى مجموعة العلاج عبر الهاتف قد التزموا بالعلاج، فإن نسبة أعلى منهم قد انتكست وعاودتها حالة الاكتئاب بعد ستة أشهر. بينما كان معدل التزام مرضى المجموعة الثانية بالعلاج أدنى بقليل، ولكنهم صمدوا لفترة أطول من دون انتكاسات.

هناك مشكلة أخرى وهي أنه يصعب على المستهلكين الثقة في مدى فعالية التطبيق. وتقوم العديد من تطبيقات الصحة العقلية بتسويق نفسها عن طريق الاستشهاد بالدراسات العلمية. ويقول توروس: “لكن هذه الدراسات غالباً ما تكون متدنية الجودة، والاستشهاد بها هو أشبه بمقارنة التفاح بالبرتقال”. ورغم أن هذا لا يعني أن التطبيقات مؤذية، ولكن التسويق قد يبالغ في الوعود التي يقدمها؛ حيث توصلت دراسة أجريت عام 2019 ونُشرت في مجلة أبحاث الطب على الإنترنت إلى أن أقل من 2% من ادعاءات مصممي التطبيقات كانت قائمة على الأدلة، وأن أكثر من 50% من الادعاءات حول تخفيف القلق أو الاكتئاب لا يمكن إثباتها علمياً. ويعلق توروس قائلاً: “يقول الكثير منهم إنهم يعتمدون على العلاج السلوكي المعرفي، لكننا لا نعرف كيف يترجمون ذلك عملياً في تطبيقاتهم. إن ادعاءاتهم تشبه القول: ’إذا كنت تحب الكتب، فإن هذا الفيلم سيكون رائعاً!’”.

ومع ذلك، فإن تخفيف قواعد HIPAA حول الخصوصية يعني أن التطبيقات مهيأة بشكلٍ فريد لإحداث تأثير في رعاية الصحة العقلية. ومن شأن تخفيف هذه القواعد أن يجعل المعالجة عن بُعد أكثر جاذبية ليس للمستهلكين فحسب، وإنما أيضاً لمقدمي الخدمات، مما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية العقلية.

وهناك بعض الأدلة على وجود فعالية كبيرة لاستخدام هذه التطبيقات عندما يكون هناك شخص بشري على الطرف الآخر من الخط. ووفقاً لتوروس، فقد وجدت دراسة العام 2019 أنه عندما تضمن أحد التطبيقات علاجاً أو تفاعلاً مع شخصٍ آخر، ارتفعت معدلات الانخراط في العلاج، ووجد الناس فائدة أكبر في هذه الحالة مما لو استمعوا ببساطة إلى تسجيل صوتي أو تتبعوا حالة مزاجهم.

لا يزال مستقبل الرعاية الصحية العقلية غير واضح في عالم قد تستمر فيه العزلة الذاتية لأشهر، وتكون خلالها الطريقة الوحيدة الممكنة للتواصل مع الآخرين هي عبر جهاز رقمي. وبالتالي، لا تمثل الهواتف الذكية بوابة محتملة لرعاية الصحة العقلية فحسب، وإنما يمكنها أيضاً أن تغير بشكلٍ جذري ما يعنيه الذهاب إلى عيادة الطبيب. 

والأمر الواضح الآن هو أن تخفيف قيود HIPAA يمكن أن يقود شخصاً ما قد لا يكون مُتقبِّلاً لفكرة التماس الرعاية الصحية العقلية إلى القيام بذلك من خلال جهاز رقمي للمرة الأولى. وفي مثل هذا الوقت العصيب، قد يكون هذا كافياً.

ويختم توروس: “أعتقد أن هذه قد تكون اللحظة في تاريخ الطب النفسي التي نشهد فيها قيام الناس بزيادة إقبالهم على الحصول على الرعاية الصحية العقلية”.