Article image




ازدهر النقاش مؤخراً حول كريسبر بعد نجاح تجربة واعدة أجراها فريق من الأطباء الأميركيين قد تساهم في كبح جماح انتشار الفيروسات التاجية.

2020-04-15 22:42:38

23 مارس 2020

ماذا يمكن أن تفعل تقنية كريسبر مع فيروس كورونا؟ هذه التقنيّة التي تم استحضارها كأقوى سلاح لمحاربة الوباء ذي السمعة الأسوأ بين الفيروسات التاجية. في الآونة الأخيرة ازدهر النقاش حول التقنية بعد نجاح تجربة واعدة أجراها فريق من الأطباء الأميركيين قد تساهم في كبح جماح انتشار الفيروسات التاجية.

ويعود السبب وراء قدرة تقنية كريسبر على أن تغيّر كل شيء حولنا هو كونها تغزو الكيمياء الحيوية للأشياء؛ فعندما تدخل كريسبر إلى أي شيء فإن شكله يتغير ولا يبقى كما كنّا نعرفه. ولهذا يمكننا عبرها صنع معادن أقل وزنًا، وإنتاج نايلون ومواد بلاستيكية قابلة للتحلل دون إلحاق ضرر بيئي لحل أزمة المحيطات مع المواد الثقيلة، كما أنها مكّنت البشرية من تخزين البيانات داخل الحمض النووي بدلاً من شرائح السيليكون.

كما يمكن لهذه التقنية -التي اكتُشِفت عام 2013- أن تجعل الأوبئة أمراضاً عادية غير قاتلة، وبإمكانها تحسين جهاز المناعة لمقاومة الأمراض المستعصية. إذن، فما الحلول التي تقدمها التقنية لمكافحة وباء كورونا؟

عانت البشرية -وما زالت تعاني- على مدى عقود من الفيروسات التاجية الأكثر شراسة وعدائية في هجومها على الجهاز المناعي، ولكن ثمة بحثٌ نُشِرَ على موقع “بيو أركايف“، يتحدث عن تجربة علميّة أجراها فريقٌ طبي بقيادة تيموثي أبوت، تمكَّن من خلالها الفريقُ الطبي، من تفكيك التسلسل الجيني لوباء سارس وفيروسات تنتمي إلى الفئة التاجية، ومن بينها وباء كورونا. 

صمم العلماء مجموعة من الأحماض النووية الريبية CRISPR (crRNAs)، ونجحت إحدى هذه المجموعات من تفكيك تسلسل الطفرة الجينية للفيروسات التاجية بنسبة 90%. وبفعالية كبيرة، اقتطعت كريسبر التسلسلَ الفيروسي ومنعه من استنساخ نفسه. 

تعمل تقنية كريسبر على تحديد الموقع الجيني السيئ واقتطاعه، مما يسمح بإزالة العيوب الجينية أو تحسين الجهاز المناعي ووظائف الخلايا. وفي الوقت الذي تنتظر فيه البشرية اللقاح، يشير البحث الذي يتناول تجربة الفريق الطبي إلى أن من المرجح أنه سيتوافر بعد 18 شهرًا، وأن الملايين من الأشخاص سيصابون بالفيروس؛ لذلك يجب اللجوء إلى ” وسائل حماية ذكية ومستهدفة”.

ولكن الفيروسات التاجية تتميّز بقدرتها على التطور وانتاج طفرات جينية جديدة؛ ففي عام 2019 مثلاً اكتشف العلماء طفرة جينية جديدة لفيروس الإيدز الذي يصيب جهاز المناعة، لذلك يحذر البحث من التهاون مع الفيروسات التاجية، بعد أن أظهرت مجموعة من الأبحاث الطبية أن فيروس “سارس” أصبح على وشك إنتاج تسلسل جينومي جديد.

وينتمي فيروس كورونا المستجد إلى التسلسل الجينومي الذي يصيب الجهاز التنفسي، وتمتاز هذه الفيروسات بدورة حياة معقدة، تبدأ حين يخترق الفيروس الخلية ويطلق الجينوم الخاص به ويتفاعل مع بروتين سبايك الموجود في الخلايا البشرية، ليقوم لاحقًا باختراق سايتوبلازما الرئتين والجهاز التنفسي ويسمّمهم. وفي المرحلة الثانية، تستنسخ الفيروسات التاجية نفسها وتبني شبكات فرعية وتنتشر في الخلايا. 

وتتطلب محاربة كورونا رؤيةً جديدة للقاحات على ضوء فشل نموذج اللقاحات القديمة بتعقب الفيروسات التاجية، وستعمل الرؤية الجديدة للّقاحات على جعل سايتوبلازما الخلايا قادرة على التعرف وتحطيم التسلسل الجينومي للفيروسات التاجية بمختلف أنواعها، فالنهج الذي استند إليه البحث يقدم نموذجاً طبياً سيغير مسار العلاجات المستقبلية.

تحطيم تسلسل جينوم الفيروسات التاجية

استخدم الفريق الطبي CRISPR-Cas13d المطوَّر عن Cas13 والمهيَّأ لاستهداف اكبر عدد من الفيروسات التاجية وطفراتها الجينية. ينتمي CRISPR-Cas13d إلى مجموعة الحمض النووي الريبي CRISPR (crRNAs) ذات التحفيز والنشاط العاليَيْن، وقاموا بحقنها في أنسجة بشرية مأخوذة من الرئة وتنتمي إلى فئة A549. قام الأطباء بتلويث الأنسجة الرئوية بالفيروسات، وبعد ساعات، نجح الحمض النووي لكريسبر في تفكيك جزيئات الفيروسات التاجية.

يسرد البحث كيف ابتكر العلماء خطة إستراتيجية على شكل أنابيب حيوية، تشبه لعبة “باك مان“، تسمح لكريسبر بالهجوم على التسلسل الجيني للفيروسات التاجية، وقد استطاع كريسبر استهداف المناطق التي عادةً ما تستهدفها الفيروسات التاجية وتتجمع داخلها. 

ولبناء القدرة على تحطيم عائلة الفيروسات التاجية لدى كريسبر، قام الفريق بتجميع معلومات عن مدى تشابه فيروس كورونا وسارس وميرس والإيدز (فيروس نقص المناعة المكتسب)، ومن ثم قارنوا بين النوكليوتيدات الخاصة بكل فيروس، واستندوا إلى بحث قام به فريق طبي آخر أوضح التشابه الحاصل في التسلسل الجينومي للفيروسات التاجية، ومن بينهم فصائل فيروسية نتج عنها كوفيد-19؛ إذ يشمل التسلسل الجينومي 2019-nCoV على 89٪ من التسلسل الجينومي للسارس الحيواني و82٪ من الخاص بالسارس البشري، كذلك تتشابه المستقبلات في كوفيد 19 مع مستقبلات الفيروسات التي تحملها الخفافيش. 

وفي التسلسل الجينومي لكورونا، ثمة منطقتان جينيتان يساهمان في تكاثر الفيروسات التاجية ويغلفانها ويمنعان الخلية التائية الموجودة في الجهاز المناعي من التعرُّف على الفيروسات التاجية، وقد عملت سلالة كريسبر على استهداف المنطقتان ومنعهما من صناعة ممارات تتيح لها صناعة طفرة جينية جديدة. 

لقد استخلص الباحثون نتائج ملفتة؛ حيث تمكنت كريسبر من تحطيم الطفرة الجينية لفيروس كورونا متوسط العدائية بنسبة 86%، أما الكمية المتبقية من الفيروس فكانت عاجزة عن صنع سلالات جديدة لها، بينما فيروس كورونا الذي ينتمي إلى الفئة الأشدّ عدائية فقد تمكنت كريسبر من تحطيمه بنسبة 69%، كذلك تمكنت من  تدمير التسلسل الجينومي للسارس بنسبة متقاربة. 

وبعد تحليل بيانات الفيروسات التاجية التي انتشرت في العقدين الماضيين والمعروف منها 3051 نوع، تبيّن أنهم في حاجة إلى أكثر من 6.48 تسلسل جيني من CRISPR-CrRNAs، بحيث يمكنهم استهداف جينومات الفيروسات التاجية والأنواع التي قد تخلقها في المستقبل. 

وفي الآونة الأخيرة، بدأ اختصاصيون في تقنية كريسبر ينشرون توصيات على مواقع الإنترنت يطالبون فيها بالسماح لهم بالوصول إلى عينات من فيروس كورونا والاطلاع على الملفات الطبية للمرضى، كذلك قام فريق بحث من جامعة نيويورك بصنع شاشات جينية من فئة Cas13 لاقتطاع التسلسل الجيني لكورونا، ويهدف البحث أيضًا إلى صنع قاعدة بيانات تعمل عبر التعلم العميق من أجل توقّع هيئة الطفرات الجينية التي قد يأتي بها في المستقبل.

معالجة كورونا بالعلاج المناعي للسرطان

تشير تقارير عدة إلى نجاح تجربة أجراها المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المعدية بالتعاون مع “CEL-SCI corporation”، من أجل معالجة الإصابة بفيروس كورونا المستجد عبر العلاج المناعي المخصص للأمراض السرطانية؛ إذ استطاع الدواء المناعي أن يحدّ من تطور المرض ومن تلف الأنسجة.

ويعتقد عدد من الأطباء أن العلاج المناعي يمكنه أن يحفز الخلايا التائية في الجهاز المناعي وينشّط الغدد الليمفاوية المسؤولة عن مكافحة الأمراض، واستكشاف الفيروس بشكل أسرع من الأدوية الآخرى، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية دقيقة.  

ويترقب العالم بأسره الدواء واللقاح للتخلص من هذا الوباء، ولكن الطريق ما زالت في بدايتها؛ فعمر الجائحة الوبائية لم يتجاوز الشهرين، وإيجاد العلاج النهائي واللقاحات يحتاج إلى الكثير من الاختبارات الطبية؛ لذلك علينا أن نرضى بالعزل المنزلي والعلاجات المتاحة حالياً، ولكن ما يبدو مؤكداً هو أن الأدوية واللقاحات المستخدمة قبل الوباء ليست كما هي بعده!