Article image
مصدر الصورة: بينيديكت لوفت



من الأولمبياد حتى الانتخابات، تعتمد الدول على قراصنة المعلومات للفوز بالألعاب الجيوسياسية.

عندما اتخذت الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات (وادا WADA) مؤخراً قراراً بالإجماع بحرمان روسيا من الاشتراك في الألعاب الأولمبية لأربع سنوات أخرى، أعربت روسيا -في رد فعل فوري وسريع- عن غضبها من القرار ورفضها له. والآن، ينتظر العالم رؤية ردة فعلها الحقيقية.

سيدخل العام 2016 كتبَ التاريخ بوصفه العام الذي شهد تدخلاً روسياً غير مسبوق في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولكن حتى يتضح ما حدث فعلاً، فإن إحدى أشرس الحملات السيبرانية لذلك العام كانت مركزة على الأولمبياد. فأثناء التصفيات التي تسبق الألعاب الصيفية في البرازيل، كشفت وادا عن مؤامرة حكومية روسية لتزويد الرياضيين الروس بالمنشطات، وأصدرت توصياتها بالحرمان. ورداً على ذلك، استهدف أقوى القراصنة الروس مجموعة من المسؤولين الدوليين، وسربوا وثائق حقيقية ومعدلة في حملة دعائية تهدف إلى تقويض هذه التوصيات. وقد رفضت اللجنة الأولمبية الدولية فرض حرمان شامل، وسمحت بإجراء التحقيقات بشكل مستقل لكل رياضة.

ولاحقاً، انطلق الحفل الافتتاحي للألعاب الشتوية في كوريا الجنوبية للعام 2018 بكل التفاؤل المتوقع، والإضاءة البراقة، والمظاهر الجمالية المتنوعة، إضافة إلى هجوم سيبراني مركز يحمل اسم المدمر الأولمبي، الذي كان مصمماً لتخريب الشبكات والأجهزة في ذلك الحدث. كان منشأ الهجوم غير واضح، غير أن الآثار والدلائل في البرنامج الخبيث كانت تشير إلى كوريا الشمالية والصين، ولكن بعد أن تمكن المحققون من تجاوز محاولات التضليل، تبين أن الهجوم كان من تنظيم بعضٍ من أكثر قراصنة الحكومة الروسية خبرة. وفي سلسلة من التدوينات الغاضبة، اتهم القراصنة مَن وصفوهم بأنهم “منظمات سرية أنجلوساكسونية” بالمحاربة من أجل “النفوذ والمال في عالم الرياضة”، وذلك “بذريعة الدفاع عن الرياضة النظيفة”. وأصبح من الواضح أن الروس ينظرون إلى الأولمبياد على أنها جزء من صراع عالمي على النفوذ، ويعتبرون قرصنة المعلومات سلاحَهم المفضل في هذا المجال. ولم يُتخذ أي إجراء يُذكر لتحميل المسؤولية لأي جهة كانت.

وبالفعل، وكما تشرح مجموعة جديدة من الكتب بشكل ممتاز، فقد أصبحت الإمكانات السيبرانية أكبر من ذي قبل، وبدأت تحدث تحولات كبيرة في ألعاب السياسة القديمة. ويجاري الروس أقرانهم الأميركيين والصينيين والإيرانيين والكوريين الشماليين وغيرهم في استخدام القراصنة لتغيير التاريخ، والتأثير على الأوضاع الجيوسياسية وفقاً لرغباتهم.

يقول بين بيوكانين، وهو بروفسور في مدرسة الخدمات الخارجية في جامعة جورجتاون، في كتابه قرصان المعلومات والدولة: “على مدى عقدين من الزمن، ازدادت شراسة المنافسة في الحلبة الدولية الرقمية. ولم يعد بوسع الولايات المتحدة وحلفائها المحافظة على هيمنتهم الرقمية السابقة. وتتسبب الهجمات السيبرانية المدمرة واختراقات البيانات بصراعات عنيفة بين الدول”.

ويقارن بيوكانين -بأسلوب أكاديمي رصين- بين التكتيكات الجديدة والأساليب التقليدية، مثل الصراع العسكري والتنافس النووي والتجسس، وذلك في محاولة لتحليل العصر الجديد. ويدرس الكتاب بالتفصيل كيفية استخدام الحكومات للهجمات السيبرانية من أجل “إحداث تغييرات جذرية في اللعبة” عن طريق “أساليب مخادعة أو استخدام قوة الخصم ضده”. ولطالما استخدم الأميركيون “خاصية اللعب في أرضهم وبين جمهورهم” لتحقيق هذا الأمر، وذلك باستغلال شركات الاتصالات والتكنولوجيا العملاقة الأميركية، إضافة إلى الموقع المركزي لأميركا في البنية التحتية للإنترنت، من أجل إطلاق العمليات السيبرانية التي ساعدتها على خوض الحروب، والفوز بجولات عديدة من المفاوضات في الأمم المتحدة.

كما يركز كتاب جديد يحمل اسم دودة الرمال للصحافي آندي جرينبيرج على عدة مجموعات مترابطة من القراصنة الروس، التي لم تكن مسؤولة عن الحملة الكبيرة ضد الأولمبياد وحسب، بل أيضاً عن قائمة طويلة للغاية من عمليات الاختراق التي احتلت عناوين الصحف؛ فقد اخترقوا شركات الخدمات الأوكرانية وعطلوا الشبكة الكهربائية، واخترقوا اللجنة الوطنية الديمقراطية في أميركا، وشلّوا عمل العديد من المستشفيات والمرافئ والشركات العملاقة والوكالات الحكومية ببرنامج خبيث يحمل اسم نوتبيتيا. وهو ما يثير العديد من الأسئلة الهامة التي تبين شكل العصر الجديد: ما قواعد اللعبة؟ وما العواقب؟

قد يبدو لنا أن الهجمات السيبرانية تستهدف بشكل أساسي الشبكات والحواسيب، غير أن الصراع على الإنترنت قد يؤثر على كل إنسان بشكل مباشر كما يحدث مثلاً عند تعطل التجهيزات الطبية، أو غير مباشر بإحداث تغيير قسري في الواقع الجيوسياسي الذي نعيش فيه. وقد كتب جرينبيرج قائلاً: “اليوم، وصل خطر هذه المجموعة ومثيلاتها إلى مستوى يهدد المستقبل. وإذا استمر التصعيد في الحرب السيبرانية دون أية قيود، فإن عمليات القرصنة المدعومة حكومياً قد تؤدي إلى أضرار أكثر فداحة وانتشاراً. وتشير الهجمات الرقمية التي ظهرت لأول مرة في أوكرانيا إلى مستقبل كئيب يلوح في الأفق؛ حيث يتسبب القراصنة في انقطاع التيار الكهربائي لأيام أو أسابيع متواصلة، وربما لفترات أطول من ذلك، كما يتسببون في حرمان طويل من التيار الكهربائي يماثل مأساة بورتوريكو بعد إعصار ماريا، ويؤدي إلى أزمات اقتصادية وحتى إزهاق للأرواح”.

ومع بدء عقد جديد، فإن الخطر الأقرب بالنسبة لمعظم الأميركيين هو التدخل في الانتخابات مرة أخرى. وقد تؤدي انتخابات 2020 إلى المزيد من التصعيد الذي بدأ مع اختراق حملة باراك أوباما في 2008، ووصل إلى ذروته عندما أصبح دونالد ترامب أول رئيس يستفيد مباشرة من قرصنة دولة أجنبية. ويميز كتاب دول القرصنة، الذي سيطرحه الأكاديميان البريطانيان لوكا فوليس وآدم فيش قريباً، بين الأبعاد المختلفة للآثار التدميرية. وسواء نجحت عملية قرصنة في تحقيق هدف تكنولوجي محدد -مثل تنصيب برنامج خبيث أو الاستيلاء على حساب إلكتروني أو اختراق مجموعة بيانات- أو لم تنجح، فإنها ستؤدي إلى تقويض الثقة العامة والديمقراطية.

وقد كتب الباحثان قائلين: “إن الأمر لا يقتصر على مسألة التلاعب أو حرب المعلومات أو التأثير على الحملات الانتخابية، بل يتعلق بالبنى التحتية الفيزيائية والأنظمة المعقدة التي تسيّر كل شيء، بدءاً من الرعاية الصحية وصولاً إلى إحصاء الأصوات الانتخابية. وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2016، استهدف القراصنة الروس أنظمة التصويت الإلكترونية لأكثر من مائة انتخاب محلي. وحتى عندما لا ينجح التلاعب أو لا يؤدي الاختراق إلى استخراج معلومات مؤذية، فإن الشكوك الناتجة عن اكتشاف برمجيات خبيثة، أو التقارير حول وجود اختراق للنظام، تؤدي إلى سياسات قلقة تؤمن بالمؤامرات، حيث تثار التساؤلات المفتوحة حول شرعية الديمقراطية”.

قد تكون الألعاب الأولمبية، مرة أخرى، مقدمة مفيدة للانتخابات في 2020. فسوف تقام الألعاب الصيفية لعام 2020 في طوكيو، وقد بدأ الروس يستهدفون الحدث بعدة اختراقات ناجحة للمنظمات ذات الصلة. وعلى الرغم من أن النشاطات الروسية أصبحت مكشوفة، فلم يتعرضوا لأية عواقب على ما فعلوه في الألعاب الأولمبية خلال السنوات الأربعة الماضية، ولهذا فإن تكرار هذا العمل ليس بالأمر المستبعد.

وفي العقد الماضي، قامت عدة دول باستغلال قوة القرصنة للفوز بالحروب والانتخابات وغيرها من الصراعات. وستستمر القوى العالمية باستخدام هذا السلاح العصري لتغيير السياسات لصالحها. إن أصغر أفضلية يمكن أن تؤدي إلى أكبر أثر، سواء في الألعاب الأولمبية أو الانتخابات، ومن الواضح أن الصراع على كلتا الجبهتين قد بدأ.