Article image
إجراء اختبار فيروس كورونا للمتطوعة ثابيسلي كلاتشوايو قبل تلقيها لقاح شركة أسترازينيكا في شهر نوفمبر في مستشفى كريس ساني باراجواناث في سويتو خارج مدينة جوهانسبرج.
مصدر الصورة: جيروم ديلاي عبر إيه بي فوتو



إن تجربة لقاح شركة جونسون آند جونسون لفيروس كورونا في جنوب أفريقيا قد تعطي بعض المعلومات عن مستقبل جائحة كوفيد-19.

2021-01-27 11:32:38

27 يناير 2021

كان سالم عبد الكريم في مباراة كريكيت يوم 26 ديسمبر، الموافق لعطلة يوم الصناديق، عندما ارتكب خطأ وتفقد بريده الإلكتروني، الذي وجد فيه تقريراً جديداً لا يحمل أخباراً سارة؛ حيث تم الكشف في جنوب أفريقيا عن نمط جديد من فيروس كورونا تعرّض لطفرات شديدة يبدو أنها تسمح للفيروس بالارتباط بالخلايا البشرية بشكل أكبر وأسهل.

كان كريم، عالم الأوبئة والمستشار الرئيسي لفيروس كورونا في حكومة جنوب أفريقيا، يدرك ما يعنيه التقرير؛ فقد يفسر التغيير الجذري في انتشار المرض في بلده، حيث ارتفعت أعداد الحالات إلى مستوى مثير للقلق في كافة المقاطعات.

يقول كريم: “ببساطة، ارتفعت الأعداد أكثر فأكثر بمخطط يشبه قمة إيفرست”.

يعدّ ارتفاع الحالات في جنوب أفريقيا مرتبطاً بنمط جديد من فيروس كورونا تعرّض لطفرات شديدة، وهو ليس سوى جزء من نمط أوسع تتم ملاحظته في جميع أنحاء العالم. خلال الشهر الماضي، قام الباحثون المجهَدون، الذين سارعوا لفهم الأنماط الجديدة المنتشرة في أفريقيا والبرازيل والمملكة المتحدة، بإصدار سلسلة من التقارير المثيرة للقلق في الخوادم المخصصة لمسودات التقارير وفي المواقع الإلكترونية والتقارير الرسمية، واصفين نمطاً من الفيروس يتغير بطرق تسمح له باختراق عمليات الإغلاق وتفادي الأجسام المضادة والانتشار في المدن التي عانت منه سابقاً خلال الموجات الأولى الكبيرة، مثل لندن أو ماناوس.

وفي غضون بضعة أسابيع، تحوّل تصوّر بعض العلماء المتخصصين بفيروس كورونا من أنه فيروس مستقر وبطيء التغيّر يمكن السيطرة عليه بسهولة بواسطة اللقاح إلى أنه فيروس يغيّر شكله بطريقة جذرية تجعله يُبعد النهاية الحاسمة للجائحة عن الأنظار.

هل ستظل اللقاحات فعالة؟

كان معظم اهتمام العالم موجهاً لما يسمى النمط البريطاني لفيروس كورونا؛ حيث يبدو أنه ينتشر بشكل أسرع من النمط الأصلي فضلاً عن ظهوره في عشرات البلدان، بما فيها الولايات المتحدة. في يوم الجمعة الموافق 22 يناير، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إن مستشاري الحكومة حذروا من أن هذه السلالة قد تكون أكثر شدة وتؤدي إلى وفاة المصابين بنسبة أكبر بحوالي 30%.

لا يزال من الممكن التعامل مع أنماط فيروس كورونا الأسرع انتشاراً والأكثر شدة باستخدام الكمامات والتباعد الاجتماعي، لكن النمط المنتشر في جنوب أفريقيا -الذي يطلق عليه الرمز 501Y.V2 وتم وصفه لأول مرة بواسطة باحثي الجينات في 22 ديسمبر– لا ينتشر بشكل أسرع فحسب، بل يبدو أيضاً بأنه يتفادى الأجسام المضادة الموجودة في دم الأشخاص الذين أصيبوا سابقاً بالفيروس، ويمكنه نظرياً أن يقلل من تأثير اللقاحات، التي تعدّ الأمل الرئيسي للمجتمع في التخلص من هذه الجائحة العالمية.

إن هذه الأدلة المخبرية على “تفادي المناعة” تجعل النمط المنتشر في جنوب أفريقيا “أكثر إثارة للقلق” من النمط المنتشر في المملكة المتحدة، وذلك وفقاً لما قاله أنتوني فوسي، مدير المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المُعدية، في مؤتمره الصحفي الأول تحت إدارة بايدن الجديدة في 21 يناير. وأضاف فوسي: “السؤال الحقيقي الذي من الواضح أن الناس مهتمة به هو: ما هو تأثيره على اللقاح؟”.

ما لم يذكره فوسي هو أنه يمكننا قريباً الحصول على إجابة حقيقية عن هذا السؤال، بفضل تجربة كبيرة للّقاح شارك فيها الآلاف من سكان جنوب أفريقيا بين شهري سبتمبر وديسمبر، وذلك خلال نفس الفترة التي انتشر فيها النمط الخطير على نطاق واسع.

كان الكثيرون يترقبون هذا اللقاح، الذي طورته شركة جونسون آند جونسون؛ لأنه يُعطى كجرعة واحدة ويمكن تخزينه بسهولة، ما يجعل تطبيقه أسهل من لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال، التي تتطلب تبريداً فائقاً وأخذ جرعتين، مثل لقاحي شركتي مودرنا وفايزر اللذَيْن حصلا على الترخيص في الولايات المتحدة الشهر الماضي.

إلا أن تجربة شركة جونسون آند جونسون قد تجيب الآن بشكل غير متوقع عن السؤال المهم حول ما إذا كانت اللقاحات ستحمي من النمط الجديد المنتشر في جنوب أفريقيا أم لا. يمكن معرفة ذلك إذا أظهرت البيانات أن اللقاح أقل فعالية في جنوب أفريقيا منه في الولايات المتحدة، التي تم فيها إجراء جزء من التجربة.

يقول لورانس كوري، عالم الفيروسات في مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان في سياتل، والذي يقود مركز العمليات لشبكة الوقاية من كوفيد-19، المسؤولة عن تنسيق تجارب اللقاح التي تمولها حكومة الولايات المتحدة: “سيكون من الرائع أن يكون له نفس الفعالية ضد السلالة المنتشرة في جنوب أفريقيا. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهذا يدلنا إلى شيء ما”.

يقدّر كوري أن 7,000 شخص من جنوب أفريقيا شاركوا في التجربة، ويقول إن “الجزء الأكبر من الدراسة في جنوب أفريقيا سيقيّم الفعالية ضد النمط الجديد”؛ لأن التجربة تزامنت مع انتشاره.

الموجات الثانية

ما يثير القلق هو أن جميع اللقاحات الرئيسية تم تصنيعها اعتماداً على المعلومات الجينية التي توافرت عن الفيروس قبل عام، واستمر الفيروس بالتغير منذ ذلك الحين. إذا لم تكن اللقاحات فعالة ضد السلالات الجديدة، فإن ذلك يجعل من الصعب “تسطيح منحنى” الإصابات والحالات التي تتطلب دخول المستشفيات والوفيات.

أثناء العروض العلمية التي تم تقديمها في 18 يناير، وصف كريم كيف شهدت كل المقاطعات في جنوب أفريقيا ارتفاعاً كبيراً في عدد الحالات خلال شهر ديسمبر. حيث قال: “إن هذا التغيير الجذري الذي نلاحظه يعود سببه إلى نمط فيروسي يبدو بالتأكيد -من الناحية البيولوجية- أنه يمكنه أن يرتبط بالخلايا البشرية بشكل أكثر كفاءة. وصلت الموجة الثانية إلى مستويات مرتفعة جديدة تماماً، ونشهد اليوم عدداً أكبر من الحالات والوفيات مما شهدناه في أي يوم أثناء الموجة الأولى”.

عندما تم اكتشاف النمط المنتشر في جنوب أفريقيا لأول مرة، فقد بدا بأنه مثير للقلق بسبب العدد الكبير من الطفرات التي تعرّض لها، التي وصل عددها إلى 23 طفرة، وكون بعض هذه الطفرات في البروتين الناتئ الأساسي، الذي يستخدمه الفيروس للارتباط بالخلايا البشرية. وهذا يشير بقوة إلى أن الفيروس كان يتطور حتى يتمكن من تفادي الأجسام المضادة.

يقوم الباحثون منذ ذلك الحين بجمع المزيد من الأدلة المقلقة حول النمط الجديد، بما في ذلك ما أظهرته إحدى الدراسات بأن الأجسام المضادة الموجودة في مصل الدم عند حوالي 50 شخصاً أصيبوا سابقاً بالفيروس لم تتمكن في كثير من الأحيان من تثبيط النمط الجديد.

وقالت بيني مور، الباحثة في جامعة ويتواترسراند في جوهانسبرج، خلال نفس البث: “عند اختبار الدم لدى الأشخاص في الموجة الأولى [نجد] عدم تمييز النمط الجديد في نصف الحالات تقريباً”.

يعدّ هذا الأمر مثيراً للقلق، لكن اللقاحات قد تؤدي إلى حدوث مناعة أوسع وأقوى من مجرد الإصابة بالعدوى، لذلك من المستحيل الجزم حتى الآن بعدم فعاليتها. وقالت مور إن الدم المأخوذ من بعض المرضى -وخاصة أولئك الذين أصيبوا بحالات شديدة- كان لا يزال قادراً على تثبيط النمط الجديد، وذلك في الاختبارات المختبرية على الأقل. وأضافت: “هذا الأمر مهم عندما نفكر بشأن اللقاح، فبعض اللقاحات تؤدي إلى توليد مستويات عالية جداً من الأجسام المضادة وبعضها الآخر لا يقوم بذلك”.

جرعة لقاح فيروس كورونا يتم تجهيزها

أحد الفنيين في مركز روكي ماونتن الإقليمي الطبي للمحاربين القدامى في مدينة أورورا بولاية كولورادو الأميركية، يقوم بإعداد جرعة من لقاح شركة جونسون آند جونسون لفيروس كورونا أثناء إجراء تجربة سريرية في 15 ديسمبر 2020.
مصدر الصورة: مايكل سياجلو عبر صور جيتي

من الإشارات الأخرى المحسوبة لصالح اللقاحات هي أنه لا يوجد حتى الآن دليل واضح على أن السلالة الجديدة من المحتمل أن تصيب الأشخاص الذين سبق وأن أصيبوا بفيروس كورونا من قبل. إذا كانت المناعة الطبيعية تستمر فعلاً، فمن المرجح أيضاً أن تكون المناعة المكتسبة من اللقاح كذلك. يقول كريم: “هل نشهد زيادة منهجية في حالات الإصابة بالعدوى للمرة الثانية؟ لا تتيح لنا البيانات الجزم بذلك”. ويقول إنه لا يزال من الممكن الوقاية من الإصابة بالعدوى لأن الجسم “لديه آليتان مناعيتان، الخلايا البائية التي تصنع الأجسام المضادة، والخلايا التائية التي تلتهم الأجسام وتقتلها”.

يقول الباحثون إن الاختبارات المختبرية لا يمكنها وحدها إثبات ما إذا كانت اللقاحات فعالة ضد الأنماط الجديدة أو لا، ولذلك يأملون أن يحصلوا قريباً على إجابات أفضل من نتائج التجارب الفعلية الجارية للقاحات في جنوب أفريقيا والمملكة المتحدة وأماكن أخرى. يقول كريم: “نتوقع الحصول على إجابة في القريب العاجل. لكننا نريد أن نرى البيانات المأخوذة من الواقع، وهي ليست متوافرة حتى الآن”.

تطور تقاربي

يدرس العلماء احتمالين رئيسيين لمصدر هذه الأنماط. تشير إحدى الفرضيات إلى أن الفيروس يتطور عند الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة؛ حيث يمكنه أن يبقى لأشهر يتعرف خلالها على كيفية تفادي الجهاز المناعي. تنص فكرة أخرى على أن هذه الأنماط تظهر في بعض المدن مثل لندن، التي عانت من موجات عدوى كبيرة في أوائل عام 2020. أصيب الملايين بالعدوى، ولكن مع تلاشي الأجسام المضادة لديهم على مدار العام، فقد تختار أجسامهم أنماطاً فيروسية يمكنها مقاومة ما تبقى من استجابتها المناعية.

يعتقد بعض العلماء الآن أن الأنماط المتطورة قد أصبحت تنتشر في كل مكان، وليس فقط في بريطانيا وجنوب أفريقيا، ولكن لم يتم الكشف عنها حتى الآن. يقول توليو دي أوليفيرا، الذي يدرس جينومات الفيروسات في جامعة واشنطن: “مع زيادة دراسة الجينومات لدى الناس، نتوقع أن يتم الكشف عن العديد من الأنماط، خاصة في الأماكن التي شهدت الكثير من الحالات لفترة طويلة. ما لم نتمكن من تثبيط انتقال العدوى بشكل مطلق تقريباً، فسيظل الفيروس يتفوق علينا”.

يقول العلماء إنهم واثقون تماماً من أن الأنماط المنتشرة في جنوب أفريقيا والمملكة المتحدة تنتشر بشكل أسرع، ما تسبب في حدوث إصابات بنسبة أكثر بـ 50% من الحالات التي تسببت بها السلالة الأصلية القادمة من الصين. من الأدلة على ذلك مدى سرعة انتشار النمط البريطاني، الذي يطلق عليه الرمز B.1.1.7، في الأماكن الأخرى، متفوقاً على الأنماط القديمة. فهو يمثّل الآن ما يقرب من نصف الحالات في إسرائيل، التي تواجه ارتفاعاً كبيراً في عدد الحالات على الرغم من حملة اللقاح الكبيرة. كما لوحظ النمط المنتشر في جنوب أفريقيا في 10 دول على الأقل حتى الآن.

تشترك بعض هذه الأنماط في الطفرات، بما فيها طفرة تسمى N501Y، التي تسمح لها بالارتباط بالخلايا البشرية بشكل أكبر. بالنسبة للعلماء، فإن الطفرات المتشابهة التي تظهر في قارات مختلفة تعني أن الفيروس يخضع لما يسمى “التطور التقاربي”. أي أن الأنماط المختلفة من الفيروس تتبع نفس الإستراتيجيات لتفادي الهجوم من الأجسام المضادة الموجودة في دم المصابين أو الذين أخذوا اللقاح.

انتظار الإجابات

تم البدء بالدراسة الكبيرة للقاح شركة جونسون آند جونسون في شهر سبتمبر وانتهت من تسجيل 45,000 مشارك في 17 ديسمبر، وفقاً للشركة التي تقول إنها ستعرف ما إذا كان اللقاح فعالاً بحلول نهاية شهر يناير أم لا، وإذا كانت النتائج إيجابية، فيمكنها التقدم بطلب للحصول على ترخيص بعد فترة وجيزة.

إلى جانب شركة جونسون آند جونسون، قرر العلماء في القطاعين الأكاديمي والحكومي اتباع نهج دولي لهذا اللقاح واختبروه في أفريقيا والبرازيل وأجزاء أخرى من أميركا اللاتينية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة. وتبدو هذه الخطوة الآن بأنها تدلّ على بُعد نظر؛ فقد بدأت دراستهم بالضبط عندما بدأ النمط الجديد ينتشر في جنوب أفريقيا. وسرعان ما أصبح هو النمط السائد؛ حيث إن أكثر من 80% من الحالات في جنوب أفريقيا يعود سببها إلى النمط الجديد.

يقول كوري: “أردنا أن يكون الأمر مناسباً لكافة أنحاء العالم. لم نكن نقدّر أن تلك السلالة الطافرة ستنتشر بهذه السرعة، لكنها تسمح لنا بأخذ فكرة مبكرة عما يحدث، وقد حالفنا الحظ جداً في ذلك”. وقال متحدث باسم شركة جونسون آند جونسون إن الشركة لا يمكنها التعليق على نتائج التجارب حتى يتم نشرها. ولم تؤكد الشركة عدد المتطوعين من جنوب أفريقيا الذين شاركوا في الدراسة.

بدأ الباحثون يخططون لكيفية تعديل اللقاحات أو تحديثها للاستجابة للسلالات الجديدة؛ إذ يمكن إعادة برمجة اللقاحين اللذَيْن يعتمدان على الحمض النووي الريبي المرسال بسهولة إلى حد ما، وفقاً للشركتين المصنّعتين لهما. من المرجح أن ينطبق الأمر نفسه على لقاح شركة جونسون آند جونسون، الذي يعتمد على نوع غير ضار من فيروس الزكام ويضاف إليه جزء من فيروس كورونا.

للاستجابة لهذه الأنماط، يقول كوري إنه من الممكن أيضاً زيادة الجرعات أو تعزيزها لاحقاً من خلال جرعات تالية “خاصة بكل سلالة”. وهناك فكرة أخرى تتمثل في اعتماد اللقاحات على أجزاء أخرى من الفيروس تكون أبطأ في التطور من البروتين الناتئ، لكن مثل هذه اللقاحات ستستغرق وقتاً أطول لتطويرها واختبارها.

يؤكد الباحثون في جنوب أفريقيا أنهم لا يستطيعون الجزم حتى الآن بأن اللقاحات الحالية لن تكون فعالة ضد النمط المنتشر في بلدهم، ويقول العديد منهم إنهم سيأخذون اللقاح بالتأكيد إذا تم تقديمه. ما يؤمنون به هو أن العالم قد استخف بهذا الفيروس، الذي يستمر في التكيف والتطور.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.