Article image
مصدر الصورة: ويكيميديا كومونز/ كتاب الألعاب


هذا القسم يأتيكم بالتعاون مع:


يُعتبر الذكاء الاصطناعي والنمذجة الحاسوبية وتنقيب البيانات أهم الأدوات المستخدمة في مجال جديد يركز على تطور الألعاب.

في 1238، نشر الحاكم الإسباني القروسطي ألفونسو العاشر القشتالي مرجعاً ضخماً باسم “Libro de los Juegos”، أو كتاب الألعاب. كان الكتاب مؤلفاً من 97 صفحة من الرق، تحمل الكثير منها رسومات توضيحية ملونة جميلة، كما تحتوي على أولى التوصيفات لألعابٍ مثل الشطرنج والنرد وطاولة الزهر.

قام ألفونسو بتصنيف الألعاب إلى ثلاث فئات: الألعاب التي تُلعب على صهوات الخيول، ووقوفاً (مثل المبارزة والمصارعة)، وجلوساً. وقام بتقسيم الفئة الثالثة إلى الألعاب التي تعتمد على التفكير، والتي تعتمد على الحظ، والتي تعتمد على كليهما.

وبفضل هذه التصنيفات، يُعتبر ألفونسو المؤسس غير الرسمي لأحد المجالات العلمية المعروف باسم دراسات الألعاب “ludology”، التي اجتذبت الكثير من الاهتمام من الرياضيين وعلماء الحاسوب وعلماء الاجتماع وغيرهم. ولكن هناك مجال من دراسات الألعاب تعرض للتجاهل، وهو دراسة الألعاب القديمة، مثل تلك التي كان يمارسها ألفونسو وغيره من الشخصيات التاريخية، والتي لم تتطور إلى شكل مستقل.

أما الآن، فإن هذا الأمر سيتغير بفضل عمل كاميرون براون في جامعة ماستريخت بهولندا ومجموعة من زملائه؛ حيث إنهم يقودون تطوير مجال جديد من علم الآثار يركز حصرياً على الألعاب، وذلك لتعزيز فهم هذه الألعاب القديمة ودورها في المجتمعات البشرية، وإعادة صياغة قواعدها وتحديد موقعها في الشجرة التطورية للألعاب، التي وصلت إلى الألعاب التي نمارسها اليوم، ويسمون هذا المجال بـ : علم الألعاب الأثرية “archaeoludology”.

وقد وضع الباحثون خططاً طموحة لهذا العلم الناشئ، ويقولون إن التقنيات الجديدة (مثل الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي وتنقيب البيانات) ستتيح أساليب جديدة تماماً لدراسة الألعاب القديمة وبناء صورة أكثر وضوحاً عن تطورها.

أول مهمة في علم الألعاب الأثرية هي تحديد النشاطات الهامة. ويركز براون وزملاؤه اهتمامهم على الألعاب الإستراتيجية التقليدية التي تمثل مواجهة بين قرارات اللاعبين، والألعاب التي تتمحور حول النشاط العقلي، لا الجسدي، أي أن الألعاب الرياضية خارج نطاق اهتمامهم. كما أنهم مهتمون على وجه الخصوص بالألعاب ذات الأهمية التاريخية والثقافية.

غير أنهم لم يستبعدوا تماماً الألعاب التي تعتمد بشكل كامل على الحظ، ومن الأمثلة عليها ألعاب السلم والثعبان. وعلى الرغم من أن هذه الألعاب تعتمد كلياً على الحظ، فإن الفريق يقول إنها تحمل أهمية ثقافية ويمكنها أن تلقي بعض الضوء على تطور ألعاب إستراتيجية أخرى في المجتمع.

قام الفريق بنمذجة الألعاب على شكل كيانات رياضية يمكن دراستها حاسوبياً، وذلك بناء على فكرة تقول إن الألعاب مؤلفة من وحدات من المعلومات تسمى عناصر الألعاب “ludemes”، مثل رمية النرد أو الشكل المميز لحركة الحصان في الشطرنج.

ويمكن أن نشبه عناصر الألعاب بالجينات في الكائنات الحية أو الميمات ضمن الإرث الثقافي؛ حيث يمكن أن تنتقل من لعبة إلى أخرى، أو قد تضمحل وتختفي إلى الأبد. ولكن الأمر الهام هو أنه يمكن جمعها ضمن كيانات أكبر تشكّل الألعاب نفسها.

وقد حاولت عملية النمذجة التقاطَ أنماط تجمُّع عناصر الألعاب. وعلى سبيل المثال، فإن مقاربة الفريق تقوم على بناء “شجرة” من عناصر الألعاب لكل لعبة يدرسونها، وهو ما يسمح بتسجيل ومقارنة اللعب بشكل موضوعي.

وهذا تطور هام، حيث إن إحدى أهم المشكلات التي يواجهها دارسو الألعاب القديمة هي أن قواعدها ليست معروفة أو واضحة على الدوام، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى طريقة لعب غريبة. ومن الأمثلة على هذا: اللعبة الإسكندنافية هنيفاتافي، كما يقول الباحثون: “على مدى عدة سنوات، كانت مجموعة القواعد (المحددة) لهذه اللعبة متحيزة بشدة إلى جانب الملك، وذلك بسبب خطأ في الترجمة”. وعندما تم كشف الخطأ وتصحيحه، أصبحت اللعبة أكثر توازناً بكثير.

إذن فإن هذا الخلل في توازن اللعبة يمثل دليلاً على أن فهمنا الحالي للعبة قد لا يكون صحيحاً بالكامل، ويشير إلى ضرورة تدقيق الأدلة من حيث أخطاء الترجمة وغيرها. ولكن من المحتمل بالطبع أنها كانت تُلعب بطريقة غير متوازنة.

ويمكن لهذه الطريقة أن تتعامل مع مشاكل أخرى. فقد تكون الألعاب أقل منطقية مثلاً عندما تبقى النتيجة غامضة لفترة طويلة، أو عندما تنتهي بالتعادل بشكل متكرر، أو عندما تكون طويلة أو قصيرة للغاية، ويمكن دراسة أي لعبة تحمل إحدى هذه الصفات بمزيد من التفصيل.

أما الفائدة الأخرى لطريقة عناصر الألعاب فهي أنها تسمح للباحثين بدراسة تطور الألعاب بشكل مشابه لتطور الكائنات الحية. وعلى سبيل المثال، يمكن جمع أفضل النواحي من لعبتين لتشكيل لعبة جديدة، وهو ما يشبه التكاثر الجنسي، كما يمكن تشبيه إساءة تفسير إحدى القواعد بالطفرة الجينية.

وإن عملية تقسيم الألعاب إلى عناصر ألعاب تكافئ عمليةَ التحليل الجيني، حيث تسمح للباحثين بدراسة مجموعات الألعاب بطريقة مختلفة واستنتاج العلاقات التي بينها، بل يمكن حتى بناء أشجار عائلة افتراضية تمثل أحد احتمالات تطور الألعاب من بعضها البعض.

ومن المرجح -بطبيعة الحال- وجود قواعد أو عناصر ألعاب واضحة للغاية، بحيث توجد الكثير من الألعاب التي تقوم على قواعد متشابهة ولكنها تطورت بشكل مستقل، وسيكون هذا أحد تحديات هذا المجال الجديد. وهنا بالضبط يأتي دور أساليب التعلم الآلي وتنقيب البيانات والذكاء الاصطناعي لتحقيق إنجازات هامة، بل إن هذا حتى يفتح المجال أمام احتمال استخدام الخوارزميات التطورية لابتكار ألعاب جديدة.

ويبدأ هذا باختيار مجموعات عشوائية من سلاسل عناصر الألعاب التي يختبرها النظام باللعب، وبالطبع سيكون معظمها بلا معنى، ولكن قد تظهر بينها بعض السلاسل التي تحمل صفات مثيرة للاهتمام. وبعد ذلك، يتم إعادة إنتاج هذه الألعاب الناجحة بشكل تفضيلي في جيل جديد من سلاسل عناصر الألعاب، مع تغييرها باستخدام التكاثر الجنسي والطفرات، ويتم استخدام الأفضل من الجيل الجديد من أجل التكاثر مرة أخرى، وهكذا دواليك، ويمكن أن تظهر من نظام كهذا ألعاب ممتعة.

يبدو إذن أن هذا المجال سيتطور إلى حد بعيد، ويُعزى جزء من الفضل إلى هذا البحث، الذي يتحدث عن مؤتمر لإطلاق هذا المجال. وليس من المستغرب ظهور مجالات بحثية جديدة، ولكن مراقبة تطورها أمر مثير للاهتمام، ولا شك في أنه كان سيثير اهتمام ألفونسو العاشر ايضاً.

مرجع: arxiv.org/abs/1905.13516:
أسس علم الألعاب الأثرية الرقمي


شارك