X
Article image
مصدر الصورة: صور جيتي
Article image

مصدر الصورة: صور جيتي

علوم الحياة حب

تحتاج أجهزة الكمبيوتر التقليدية إلى طاقة أقوى عشرات المرات من الطاقة التي يحتاجها الدماغ.

يعدّ الدماغ البشري أكثر الحواسيب التي عرفها العلم إثارةً للإعجاب دون منازع؛ حيث يعمل الدماغ بسرعة تبلغ بضعة هرتزات، وهي تعتبر بطيئة جداً بالمقارنة مع المعالجات الدقيقة الحديثة التي تعمل بسرعات تبلغ مليارات الهرتزات.

لكن الدماغ يكتسب قوته من خلال إجراء الكثير من العمليات الحسابية في نفس الوقت، أي بمعدل مليار مليار عملية حسابية في الثانية. ويسمح هذا الأداء المتوازي بسهولة حل المشاكل التي لم تتمكن أجهزة الكمبيوتر التقليدية من معالجتها حتى الآن، مثل القيادة والمشي والمحادثة وما إلى ذلك.

وأكثر ما يثير الإعجاب هو أن الدماغ يقوم بكل ذلك من خلال طاقة يشتمل عليها طبق من حساء الشعير فقط. وعلى النقيض من ذلك، فإن أجهزة الكمبيوتر الفائقة الأقوى في العالم تستخدم الطاقة بشكل أكبر مما تستهلكه المدن الكبيرة.

ولهذا السبب يرغب علماء الكمبيوتر بمحاكاة الأداء الحاسوبي للدماغ البشري باستخدام الشبكات العصبونية للعمليات الحسابية. إلا أن القول أسهل من الفعل؛ إذ يمكن برمجة الرقائق العادية لتتصرف مثل الشبكات العصبونية، ولكن هذا يتطلب الكثير من الناحية الحسابية، كما أنه يستنزف الطاقة.

وبدلاً من ذلك، يريد علماء الكمبيوتر بناء خلايا عصبونية اصطناعية وربطها معاً بشبكات تشبه الدماغ، حيث يمكن لذلك أن يكون أكثر كفاءة بكثير في استخدام الطاقة، ولكن لم يتوصل أحد إلى تصميم قريب من كفاءة الدماغ.

إلى أن جاء اليوم الذي قامت فيه إميلي تومي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا واثنين من زملائها بتصميم خلية عصبونية فائقة الناقلية مصنوعة من أسلاك نانوية، وتشبه الخلايا الحقيقية في كثير من النواحي. ويقولون إن جهازهم يجاري الدماغ في كفاءة استخدام الطاقة (من الناحية النظرية على الأقل) ويُعتبر وحدة بناء أساسية لجيل جديد من الشبكات العصبونية فائقة الناقلية، التي ستكون أكثر فعالية بكثير من الأجهزة الحاسوبية التقليدية.

ولنتحدث أولاً عن بعض المعلومات الأساسية:

تقوم الخلايا العصبونية بتشفير المعلومات على شكل موجات كهربائية (أو جهود فعل) تنتقل على طول العصب. وفي الشبكات الشبيهة بالدماغ، تنفصل الخلايا العصبونية عن بعضها بواسطة فجوات تسمى المشابك العصبية.

وتمتلك الخلايا العصبية البيولوجية العديد من الخصائص المهمة التي تجعل ذلك ممكناً. فعلى سبيل المثال، لا تُثار تلك الخلايا إلا إذا تجاوزت الإشارة الداخلة مستوى العتبة، ولا يمكن إثارتها مرة أخرى إلا بعد مرور وقت معين، وهو أمر معروف باسم: فترة التمنّع أو العصيان. كما أن الزمن الذي يستغرقه انتقال الموجة على طول المحور العصبي -أي جسم الخلية العصبونية- مهم جداً، لأنه يرمز إلى المسافة التي قطعتها الموجة.
يمكن للمعلومات أن تنتقل بسرعة عبر هذه المشابك العصبية، وبالتالي تؤثر على الخلايا العصبونية الأخرى، مما يؤدي إلى إثارتها أو تثبيطها بطريقة تمنعها من الإثارة. وفي الواقع، يسمح هذا الأمر للخلايا العصبونية بالتصرف كدارات البوابات المنطقية، أي ينتج عنها مُخرج واحد عندما تستجيب لمُدخلات متعددة.

ويجب أن تكون الخلية العصبونية الاصطناعية قادرة على إظهار أكبر عدد ممكن من هذه الخصائص، مما يتطلب عادةً بعض الدارات المعقدة. لكن تومي وزميليها يشيرون إلى أن الأسلاك النانوية فائقة الناقلية لها خاصية غير خطية متميزة تسمح لها بالتصرف كالخلايا العصبونية. تأتي هذه الخاصية لأن الناقلية الفائقة للأسلاك النانوية يتدهور عندما يتجاوز التيارُ الذي يتدفق عبرها قيمةَ العتبة.

وعندما يحدث ذلك، تزداد المقاومة بشكل مفاجئ، مما يخلق نبضة جهد كهربائي. تعتبر هذه النبضة مماثلة للموجات الكهربائية في الخلايا العصبونية. وإن استخدامها لتنظيم نبضة أخرى يُنتجها سلك نانوي فائق الناقلية يجعل المحاكاة أكثر واقعية.

وهذا الأمر يؤدي إلى دارة بسيطة فائقة الناقلية لديها العديد من خصائص الخلايا العصبية البيولوجية. وقد أظهرت تومي وزميلاها خلية عصبونية فائقة الناقلية لها عتبة إثارة وفترة تمنّع ووقت انتقال يمكن ضبطه وفقاً لخصائص الدائرة، بالإضافة إلى خصائص أخرى.

ويمكن أيضاً بشكل حاسم استخدام هذه الخلية العصبونية فائقة الناقلية لتحفيز الخلايا العصبونية الأخرى أو تثبيطها. وتعتبر خاصية “تعدّد المخارج” هذه هي الأساس في إنشاء الشبكات، الأمر الذي لم تتمكن التصاميم الأخرى للخلايا العصبونية فائقة الناقلية من تحقيقه في السابق.

ولأن الدارات فائقة الناقلية تستخدم الطاقة بمقدار ضئيل جداً، فإن حسابات تومي وزميليها تشير إلى أن هذا النوع من الشبكات العصبونية فائقة الناقلية يمكن أن يضاهي كفاءة الشبكات العصبية البيولوجية.

ويمثّل معيار الجدارة عدد العمليات المشبكية التي يمكن للشبكة العصبونية القيام بها في كل ثانية باستخدام واط من الطاقة. وتقول تومي وزميلاها بأن شبكتهم المقترحة ينبغي أن تتمكن من مجاراة الدماغ البشري في القيام بما يقرب من 1014 عملية مشبكية في الثانية الواحدة لكل واط. ويقولون: “يمكن للخلايا العصبونية المصنوعة من الأسلاك النانوية أن تشكّل تقنية تنافسية للغاية من ناحية القوة والسرعة”.

وهناك قيود لهذا بالطبع! ولعل أهمها هو أن الخلية العصبونية فائقة الناقلية يمكنها الاتصال بعدد قليل من الخلايا العصبونية الأخرى، بينما تتصل كل خلية عصبية في الدماغ البشري بآلاف الخلايا المجاورة. كما أن تصميم تومي وزميليها لا يزال في الوقت الحالي مجرد تصميم.

ومع ذلك، فإن هذه المحاكاة واعدة. يقول الفريق: “يشير التحليل الذي تم إجراؤه هنا إلى أن الخلايا العصبونية المصنوعة من الأسلاك النانوية تمثل مرشحاً واعداً للنهوض بالشبكات العصبونية الاصطناعية منخفضة الطاقة”.

كما أن الإمكانات كبيرة؛ إذ تقول تومي وزميلاها بأن الشبكات العصبونية فائقة الناقلية يمكن أن تكون هي الأساس لأجهزة الكمبيوتر الجديدة تماماً على شكل شبكات عصبونية فائقة الناقلية. يمكن ربط هذه الرقائق ببعضها البعض باستخدام الارتباط فائق الناقلية، مما سيحافظ على الحرارة ولن يؤدي إلى تبديدها.

ويقولون: “ستكون النتيجة معالجاً يقوم على الدماغ البيولوجي بشكل كبير ويمكن تدريبه كشبكة عصبونية موجية لأداء بعض المهام مثل التعرّف على الأنماط أو استخدامه لمحاكاة الديناميكيات الموجية لشبكة بيولوجية حقيقية كبيرة”.

ويعدّ هذا العمل مثيراً للاهتمام، ولكنه يحتاج إلى إثبات مبدئه قبل أن تبدأ الإثارة بالظهور.

المصدر: arxiv.org/abs/1907.00263:
A Power Efficient Artificial Neuron Using Superconducting Nanowires

المزيد من المقالات حول علوم الحياة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!