Article image
مصدر الصورة: جيتي



بل يمكن حتى أن تصبح مصدراً للغيظ. والفضل في ذلك يعود إلى ليبرا، التي يبدو أن عام 2020 سيشهد عودة قوية لها لن تسمح لأحد أن يتجاهلها.

2019-12-29 10:49:01

29 ديسمبر 2019

منذ سنتين، كانت العملة المشفرة أشبه برحلة مثيرة، ولكن الفقاعة انفجرت بسرعة، وأصبحت مجرد تقليعة انتهى وقتها، على الأقل بالنسبة للكثيرين. غير أن المناصرين الحقيقيين حافظوا على إيمانهم، وتابع المطورون عملهم، وواصلت التكنولوجيا نضجها بصمت. وبعد ذلك، ظهرت ليبرا في يوليو المنصرم، أو على الأقل: ظهر مقترح لليبرا، وهو الاسم الذي أطلقته فيسبوك على مشروع عملتها الرقمية “العالمية”.

أثارت عملة ليبرا ردود أفعال قوية -سلبية في معظمها- من مسؤولي البنوك المركزية حول العالم، بل يبدو حتى أنها دفعت بالصين إلى تسريع عملية تطوير عملتها الرقمية الخاصة. والآن، مع دخولنا في عام 2020، يبدو أن العملة الرقمية ستعاود دخولها إلى المشهد المالي على أعلى المستويات. غير أن هذه المرة لن تكون مثيرة مثل المرة السابقة. وفي الواقع، هناك احتمال كبير بأن تجلب لك شيئاً من الضيق، واعتماداً على وجهة نظرك، قد تصيبك حتى بالغيظ.

لن تستطيع غالباً تجاهل العملة المشفرة بعد الآن
إن كنت تظن أنك نجحت في تجاهل مشهد العملة الرقمية شديد الغرابة والضياع، فإن مارك زوكربيرج يقف لك بالمرصاد؛ حيث يقول إن ليبرا، العملة الرقمية التي تسعى فيسبوك إلى إطلاقها، ستجعل من العالم مكاناً أفضل. ستعتمد هذه العملة على تكنولوجيا مشابهة لأنظمة مثل بيتكوين، وتركز على الترويج لمفهوم “الشمولية المالية” ومساعدة الآخرين على “الخروج من حالة الفقر”، كما قال زوركربيرج للكونجرس في أكتوبر. وبعد ذلك، قال زوكربيرج إنه إذا لم تسمح الولايات المتحدة بإطلاق ليبرا، فإن هذا قد يؤدي إلى تقويض تأثيرها العالمي؛ حيث إن الصين “تتحرك بسرعة لإطلاق أفكار مشابهة في الأشهر المقبلة”. وأضاف: “ستكون ليبرا مدعومة بشكل أساسي بالدولارات، وأعتقد أنها ستعزز من القيادة المالية لأميركا، وقيمها الديمقراطية وإشرافها على العالم”.

هناك الكثير مما يتوجب شرحه هنا، ولكن لنبدأ بخطة فيسبوك لتسويق مشروعها بالاستعانة بجيش كامل من أخصائيي العلاقات العامة ومجموعات الضغط السياسي.

هناك مشكلة كبيرة وواضحة، هي أن الكثيرين لا يثقون في فيسبوك للاحتفاظ ببياناتهم الخاصة، أو يعتبرونها خطراً على الديمقراطية، أو الأمران معاً. وعلى الرغم من هذا، فإن الشركة تريد إطلاق عملتها الخاصة، هل هذه مزحة ثقيلة؟

قد تؤكد الشركة هنا على أنها لن تكون مسؤولة عن مجموعة ليبرا، وهي المنظمة اللاربحية التي أسستها لإدارة هذه العملة، وهي تتألف من حوالي 20 شركة أخرى، إضافة إلى فيسبوك، وستعمل على إدارة “احتياطي” من العملات الحكومية التي يفترض بأنها ستدعم العملة الرقمية وتحافظ على استقرارها. ويتألف نصف هذا الاحتياطي من الدولارات، أما النصف الآخر فهو مؤلف من الجنيه البريطاني، والين الياباني، واليورو، والدولار السنغافوري. وإذا تقبلنا كل هذا على سبيل الجدل، فإن التصميم نفسه أثار قلق السياسيين الأميركيين، الذين يقولون إنهم لا يستطيعون حتى تحديد ماهية ليبرا، ناهيك عن كيفية التعامل معها. ومهما تكن طبيعتها، فمن المرجح أننا لن نستطيع تجاهلها في 2020.

نذير لأصوليي العملات المشفرة
إذا شعرت بالمهانة لأنني أطلقت اسم “عملة مشفرة” على ليبرا في هذه المقالة، ووجدت في نفسك حساسية زائدة إزاء الاستخدام الخاطئ لهذا المصطلح، فيجب أن تستعد منذ الآن، فسوف يتفاقم هذا الوضع لاحقاً، ويعود الفضل في هذا إلى ليبرا، والبنك المركزي الصيني أيضاً.

تذكّر تحذير زوكربيرج للكونجرس حول وجود “أفكار مماثلة” لليبرا لدى الصين. بالفعل، يبدو أن الصين مستعدة لإطلاق نسخة رقمية من عملتها السيادية في 2020، وقد قال مسؤولون في البنك المركزي الصيني إن الرينمينبي الرقمية تحمل بعض التشابهات مع ما تخطط فيسبوك لإطلاقه.

ويقول الكثير من مناصري العملة المشفرة إن العملة المشفرة الحقيقية هي نتاج شبكة لامركزية و”مفتوحة” مثل بيتكوين. وقد صُممت بيتكوين حتى تؤمّن الحرية من رقابة الشركات والحكومة، ويتم التحكم في شبكتها من قِبل شبكة عالمية عامة مؤلفة من آلاف الحواسيب.

ومن ناحية أخرى، فإن ليبرا هي من بنات أفكار شركة ضخمة، وستخضع شبكتها لسيطرة مجموعة صغيرة من الكيانات الخاصة الموثقة، وعلى ما يبدو، فإن الرينمينبي الصينية ستكون مماثلة، وتخضع طبعاً لسيطرة البنك المركزي الصيني. ولكن يجب أن نتوقع أن العناوين الصحفية والتقارير الإخبارية في 2020 ستستمر في إطلاق اسم العملة المشفرة على هاتين العملتين، دون أي اعتبار لمشاعرك ومشاعر أمثالك. ومن المرجح أن إضافة مصطلحات جديدة سيزيد من تعقيد الوضع بالنسبة للآخرين من غير المناصرين، الذين لن يميز أغلبهم حتى بين “العملة الرقمية” و”العملة المشفرة”. فعذراً لك!

المؤسسات المالية التقليدية ستخسر المزيد من نفوذها
لن يقتصر تأثير الإزعاج والحساسية الزائدة من العملة المشفرة على الأفراد، بل سيصل أيضاً إلى الحكومة الأميركية؛ ففي 2019، شهدنا بعض الحوادث الصغيرة التي تبين إمكانية استخدام العملة الرقمية لتقويض تأثير أميركا على النظام المالي العالمي، ومن المرجح أن تستمر هذه الظاهرة، بل يمكن أن تتعاظم، في 2020.

وبما أن الدولار ما زال هو العملة الاحتياطية الأكثر رواجاً في العالم، فقد تمتعت الولايات المتحدة حتى الآن بنفوذ زائد على كيفية تحرك الأموال حول العالم. ولكن الصين تسعى إلى الترويج لعملتها، رينمينبي، كبديل للدولار، ويعتقد بعض محللي السياسة الخارجية أنها قد تقوم بذلك عن طريق التشجيع على اعتماد نسختها الرقمية عالمياً. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي دعت البنك المركزي الصيني للاندفاع في هذا الاتجاه بعد إعلان ليبرا. إضافة إلى الصين، تبدو كل من إيران وروسيا مهتمة باستخدام العملة الرقمية كأساس لنظام مالي موازٍ لا تستطيع الولايات المتحدة السيطرة عليه. ويبدو أن بعض الحكومات، مثل حكومات فنزويلا وكوريا الشمالية، لجأت إلى العملات المشفرة للالتفاف حول العقوبات.

رأينا لمحة عن ردة فعل الولايات المتحدة على هذه الأساليب في نوفمبر، وذلك عندما أعلنت وزارة العدل عن اتهام فيرجل جريفيث -وهو موظف في مؤسسة إيثيريوم غير الربحية التي تدعم تطوير ثاني أهم شبكة للعملة المشفرة في العالم- بتقديم “خدمات” إلى الكوريين الشماليين بطريقة تنتهك عقوبات الولايات المتحدة، وهو الآن معرض لقضاء 20 سنة في السجن.

هل هذا مبالغ فيه؟ هل يجب أن تتمتع الولايات المتحدة بكل هذا النفوذ والقدرة على حجب الدول الأخرى عن النظام المالي العالمي؟ ما أهمية هذا النفوذ بالنسبة لأمنها القومي؟ هل تستطيع الصين استخدام عملتها الرقمية لتعزيز تأثيرها العالمي؟ وما الآثار الجيوسياسية لاستخدام ملايين الناس لعملة مثل ليبرا؟

هل أصابك الصداع؟ لقد حذرناك!


شارك



محرر مشارك