Article image
رجل يتلقى لقاح فايزر بيو إن تك المضاد لكوفيد-19 في يورك بإنجلترا في 22 ديسمبر.
مصدر الصورة: إيان فورسيث عبر صور جيتي



رغم أن العامل المرضي المسبب لكوفيد-19 سيواصل تطوره، غير أن تقنية اللقاحات الرائدة تتمتع بالقدرة الكافية على مواكبة هذا التطور والحفاظ على فعاليتها.

2020-12-25 19:09:55

25 ديسمبر 2020

في وقت سابق من هذا الشهر، تم اكتشاف نمط متحور من فيروس كورونا في المملكة المتحدة، ما دق نواقيس الخطر في جميع أنحاء أوروبا وتسبب في قيام بعض الدول بحظر دخول المسافرين القادمين من بريطانيا.

ولكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان النمط الجديد قادراً على الانتقال بسهولة أكبر بكثير وفق تحذيرات بعض العلماء. علاوة على ذلك، فإن العديد من الشركات التي تمتلك لقاحات أو أدوية علاجية مرخصة ضد كوفيد-19 -مثل شركات مودرنا وفايزر/ بيو إن تك وريجينيرون وإيلاي ليلي- قد قالت إنها تجري اختبارات أو لديها بالفعل بيانات تظهر أنه يفترض بعلاجاتها أن تكون ناجعة أيضاً ضد الشكل الجديد من فيروس كورونا.

ورغم أنه قد ينبغي تحديث هذه العلاجات في نهاية المطاف، إلا أن التكنولوجيا المستخدمة في بعض اللقاحات الرائدة تجعلها مناسبة بشكل فريد لمواكبة فيروس دائم التحور.

الترهيب من الطفرات

تم اكتشاف النمط الجديد من قِبل مختبرات بريطانية للتسلسل الجيني وتم ربطه بمجموعة سريعة النمو من حالات كوفيد-19 في لندن وجنوب شرق إنجلترا. وتكهن العلماء الذين يقدمون المشورة لحكومة المملكة المتحدة بأن هذا النمط قد يكون أكثر قابلية للانتشار بنسبة 70% مقارنة بالأنماط المعروفة سابقاً. وفي 22 ديسمبر، قالت المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها إنها لم ترصد النمط الجديد في الولايات المتحدة. لكن اكتشافه هناك قد يكون مجرد مسألة وقت.

شهد الفيروس المسبب لمرض كوفيد تراكم الطفرات طوال الوقت، الآلاف منها حتى الآن. ويقول بعض العلماء إنه ربما توجد مبالغة في القلق بشأن هذا الشكل المتحور الأخير، وإن نشاط العلماء البريطانيين في إجراء التسلسلات الجينية للفيروس ومبالغة السياسيين في ردود أفعالهم قد أدى إلى إشعال ذعر غير مبرر.

وفي تصريح أدلى به كاري ستيفانسون، الرئيس التنفيذي لشركة ديكود جينيتيكس (DeCode Genetics)، لوكالة روف الإخبارية الآيسلندية، قال: “لا داعي للقلق بشأن هذا النمط من الفيروس، ويجب ألا نمنع الناس من السفر من المملكة المتحدة أو بلدان أخرى”. وعبر ستيفانسون، الذي قادت شركته الاختبارات والأبحاث الجينية لكوفيد-19 في أيسلندا، عن اعتقاده بأنه لا يوجد “شيء مثير” بشأن النمط الأخير، لكن رأى أنه يتم تأجيج هذه المخاوف بهدف إقناع الناس بضرورة الالتزام بالاحتياطات والتباعد الاجتماعي.

أما آلان دوف، عالم الفيروسات الذي شارك في استضافة بودكاست “أخبار هذا الأسبوع حول علم الفيروسات”، فقد تساءل خلال حلقة بُثت في 20 ديسمبر: “هل يمكن لهذا النمط أن يجعل الفيروس أكثر قابلية للانتشار؟ هل سيمكِّنه من الطيران؟ بالطبع، جميع هذه الاحتمالات ممكنة”. ورأى أن التفسير الأكثر منطقية يتمثل في أن النمط المكتشف في المملكة المتحدة قد فرض هيمنته بالصدفة في مناطق محددة.

وأضاف: “تدور المسألة حول تتبع كيفية انتقال العدوى من شخص لآخر، وأي نمط من الفيروس انتشر أكثر من غيره، وهذه مسألة حظ. فالقضية لا تتعلق بكون الفيروس قد أصبح يتمتع بقدرة أكبر على الانتشار”.

كيف تتطور الفيروسات؟

من المتوقع قريباً إثبات ما إذا كان النمط الجديد ينتشر بسهولة أو لا، أو ما إذا كان له تأثيرات بيولوجية أخرى.

في 22 ديسمبر، أفادت مجموعة بقيادة رافيندرا كيه. جوبتا من إمبريال كوليدج لندن بأن إحدى الطفرات الحديثة تزيد من قدرة فيروس كورونا على العدوى، على الأقل في الاختبارات المعملية. وكتب جوبتا وزملاؤه أن حقيقة كون الفيروس يراكم طفرات في الجينات لبروتيناته الشوكية المميزة -التي تلتحم بها اللقاحات والأدوية- تثير “إمكانية حقيقية” في أنه قد يصبح مقاوماً لهذه العلاجات.

هناك طفرة معينة رُصدت في المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا، تُعرف باسم إن501واي (N501Y)، تثير الاهتمام لأنها تقع في “مجال ربط مستقبلات” بروتين الشوكة، وهو الجزء الذي يحدد مدى سهولة وصول الفيروس إلى الخلايا البشرية.

في المقابل، هناك أسباب لتوقع عدم ظهور سلالة مقاومة من الفيروس في القريب العاجل.

تتعرض جميع الفيروسات لحدوث طفرات عشوائية في مادتها الجينية. ومن المرجح أن يتم تعزيز أي تغيير يحمل ميزة إيجابية للفيروس -مثل تمكين الفيروس من إصابة عدد أكبر من المضيفين أو مقاومة بعض الأدوية- طالما أنه لا يتسبب في نفس الوقت بضرر ما، مثل التسبب في إبطاء تكاثر الفيروس.

ومن شأن معدل تحور فيروس معين أن يؤثر بشدة على مدى جودة عمل اللقاحات ضده، في حال توافر هذه اللقاحات أساساً. وعلى سبيل المثال، تقوم فيروسات الأنفلونزا بتبديل جيناتها بسرعة، ولهذا السبب نحتاج إلى لقاح جديد ضدها كل عام. ولا يوجد حتى الآن لقاح ضد فيروس نقص المناعة البشرية، الفيروس المسبب لمرض الإيدز، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه يتحور بسرعة كبيرة.

يتسم فيروس كورونا بأنه أقل تقلباً بعدة مراتب؛ إذ يقول مايكل فارزان، عالم الأحياء في سكريبس ريسيرش (Scripps Research) في جوبيتر بولاية فلوريدا: “يحتوي جسم شخص واحد مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية تنوعاً فيروسياً أكبر مما تحتويه أجسام جميع المصابين بكوفيد-19 في العالم. وإذا قارنت بين أنماط فيروس كورونا الموجودة الأكثر تنوعاً، أحدها من الصين في عام 2019 والآخر من ولاية ماين في عام 2020، فسيكون الاختلاف بينهما أقل من التباين الذي ستراه في شخص واحد مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية”.

يحتوي فيروس كورونا على جينوم كبير نسبياً يضم حوالي 30 ألف حرف، أي ثلاثة أضعاف الحروف الموجودة في فيروس نقص المناعة البشرية أو فيروس الأنفلونزا، لكنه يتغير بمعدل أبطأ بكثير.

علاوة على ذلك، يتسم بروتين الشوكة ببنيته الكبيرة نوعاً ما؛ حيث تتألف من حوالي 1,270 حمض أميني. وهذا بدوره يوفر للجهاز المناعي للجسم هدفاً واسع النطاق؛ حيث يولد العديد من الأجسام المضادة المختلفة للتعامل مع أجزاء مختلفة من الشوكة. يثير كل من لقاحي مودرنا وفايزر/ بيو إن تك هذه الاستجابة المناعية “متعددة الخصائص النوعية”. وبالتالي، من غير المرجح أن يؤدي حدوث طفرة واحدة، أو بضع طفرات، إلى تراجع فعالية هذه اللقاحات بصورة ملحوظة. وعلى سبيل المثال، يتضمن نمط المملكة المتحدة تسع طفرات في الجين الشائك، ومع ذلك لا يزال 99% منه مطابقاً للنسخة التي تستطيع اللقاحات تحييدها.

قال أوغور شاهين، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بيو إن تك، في مؤتمر صحفي يوم 22 ديسمبر في ألمانيا: “نحن نعلم أن هذا الفيروس ليس مستقراً، لا يوجد فيروس يبقى كما هو. ورغم أن هذا الفيروس يتطور، ولكن هناك العديد من المواقع التي لم تحدث طفرات فيها”. وأضاف شاهين أنه خلال الشهر الماضي، في كل مرة تظهر فيها طفرة جديدة، أثبتت الاختبارات المعملية التي أجرتها الشركة أنه يفترض باللقاح أن يحافظ على فعاليته. قامت بيو إن تك بفحص حوالي 20 نمطاً حتى الآن، وتخطط لإجراء نفس الاختبارات على النمط البريطاني. ستستغرق هذه التجربة أسبوعين، لكن شاهين يقول إنه “من المرجح جداً من الناحية العلمية” أن يحافظ اللقاح على نجاعته.

وبالمثل، قالت شركة مودرنا، التي بدأت توزيع لقاحها في الولايات المتحدة هذا الأسبوع، إنها تعتقد أن “المناعة التي يسببها اللقاح ستكون وقائية ضد الأنماط المكتشفة مؤخراً في المملكة المتحدة”. كما قالت شركة إيلاي ليلي -التي تصنع دواء مضاداً لكوفيد-19- إنها اختبرت دواءها بالفعل ضد الطفرة الرئيسية التي شوهدت في النمط البريطاني، وتبين أنه لا يزال فعالاً.

مواكبة تطور فيروس كورونا

رغم ما سبق، يرى بعض الباحثين أن الطفرات في نهاية المطاف ستجعل اللقاحات والعلاجات الحالية أقل فعالية. يقول فرزان: “إن النمط الجديد يعطيني مؤشراً على أنه سيتوجب علينا تطوير نسخة أخرى من اللقاح، وأنا مقتنع بذلك. في المستقبل، سوف نتتبع هذه الأنماط كما نفعل مع الأنفلونزا”.

إذا برزت حاجة إلى لقاحات محدثة، فقد يؤدي ذلك إلى تفضيل التكنولوجيا المستخدمة في لقاحي مودرنا وفايزر/ بيو إن تك، وكلاهما حصل بالفعل على الترخيص في الولايات المتحدة. يستخدم هذان اللقاحان البيانات الجينية من فيروس كورونا، في هيئة الحمض النووي الريبوزي المرسال أو الرنا المرسال (mRNA)؛ من أجل تهيئة جهاز المناعة في الجسم. وهذان اللقاحان هما في الأساس عبارة عن حاوية تحتوي الرنا، لذلك عندما يظهر أي نوع جديد من الفيروس، يمكن ببساطة استبدال الرنا المطابق.

وقد قال شاهين في المؤتمر الصحفي: “من الممكن تقنياً تصنيع لقاح جديد يحاكي السلالة الجديدة في غضون أسابيع قليلة”.

وعلى سبيل المثال، تم تصنيع جرعات لقاح مودرنا الأولية في فبراير الماضي، بعد شهر واحد فقط من قيام الصين بالكشف عن جينوم فيروس كورونا لأول مرة.

يقول فرزان: “لهذا السبب يقوم الناس بشراء أسهم في شركات الرنا المرسال؛ حيث إنها تمثل الجهات التي ستحصل على أسرع إجابة في الجولة الثانية”.

وماذا عن الأدوية؟

بينما تقول الشركات إن اللقاحات لا تتأثر بسهولة ببضع طفرات، فإن دواءي الأجسام المضادة المرخصَين في الولايات المتحدة حتى الآن يتمتعان بمرونة أقل. ويعود ذلك إلى أنه بينما يتسبب اللقاح في قيام الجهاز المناعي بإنتاج عدد كبير من الأجسام المضادة المختلفة، فإن أدوية الأجسام المضادة تتكون من واحد أو اثنين من الأجسام المضادة القوية بشكل خاص.

ومع ذلك، فإن صانعي هذه الأدوية متفائلون أيضاً في الوقت الحالي.

يعتمد دواء باملانيفيماب (Bamlanivimab)، الذي تبيعه شركة إيلاي ليلي، على جسم مضاد تم اكتشافه في واحد من أوائل مرضى كوفيد-19 في الولايات المتحدة. يتم إعطاء الدواء عن طريق الحقن للأشخاص المصابين بكوفيد-19 معتدل الشدة، وتم ترخيصه في نوفمبر. تلقى حاكم نيوجيرسي السابق كريس كريستي هذا الدواء بعد إصابته بكوفيد-19، بينما تلقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علاجاً مماثلاً قائماً على الأجسام المضادة من إنتاج شركة ريجينيرون فارماسوتيكالس (Regeneron Pharmaceuticals).

نظراً لأن الجسم المضاد الذي يعتمد عليه دواء شركة ليلي يستهدف موقعاً واحداً على مجال ربط المستقبلات الذي يمثل  أهم جزء من بروتين الشوكة، فإن أي طفرة تحدث في تلك المنطقة -مثل طفرة إن501واي (N501Y) التي رُصدت في المملكة المتحدة- يمكن أن تسبب تراجع فعالية الدواء. لكن أجاي نيرولا، نائب رئيس قسم علم المناعة في إيلاي ليلي، كتب في رسالة بريد إلكتروني أن اختبارات الشركة “تشير إلى أنه من المفترض أن يحافظ دواء باملانيفيماب على نشاط كامل ضد السلالة الجديدة”.

وعلى نحو مشابه، قالت ريجينيرون إنها لم تكن قلقة بشأن النمط الذي ظهر في المملكة المتحدة. ويتضمن دواؤها نوعين من الأجسام المضادة التي ترتبط بأجزاء مختلفة من بروتين الشوكة، ما يجعل من الصعب أن تؤدي أي طفرة تحدث بالصدفة في الفيروس إلى تعطيل الدواء.

قالت ألكسندرا بوي، المتحدثة باسم ريجينيرون: “كل ما نعرفه حتى الآن عن هذا النمط وعن أجسامنا المضادة -بما في ذلك البيانات من تحليلات التحييد الأولية وضد الأنماط الأخرى المنتشرة حالياً- يشير إلى أن خليطنا الدوائي سيحافظ على فعاليته ضد هذه السلالة الجديدة”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.