Article image
مصدر الصورة: مختبر الفيزياء التطبيقية التابع لجامعة جونز هوبكنز



استعدوا لتحليق دراجونفلاي ذاتية التحكم على أكبر أقمار زحل.

بعثة جديدة لناسا

في 27 يونيو الفائت، حددت ناسا بعثتها المقبلة في إطار برنامجها المسمى “الحدود الجديدة New Frontiers”، وهي طائرة من دون طيار ستحلق على قمر زحل المعروف باسم تيتان، وذلك في العام 2034. حيث ستسعى دراجونفلاي -كما تسمى المركبة ثُمانيّة المراوح الداسرة- إلى استقصاء الخصائص الجيولوجية الغريبة لهذا العالم البعيد -حيث لمح مسبار سابق أنهاراً من الميثان السائل تتدفق على سطحه- والبحث عن علامات على وجود حياة فضائية.

الخطة

تتمثل الفكرة في أن تنطلق دراجونفلاي من الأرض في العام 2026، ثم ستندفع بسرعة بجانب الزهرة، وتُجري عمليتي تحليق بالقرب من الأرض لاكتساب السرعة التي ستساعدها في رحلتها الطويلة نحو زحل. لن تدخل دراجونفلاي مدار تيتان قبل التوجه نحو سطحه، حيث سيكون موجهاً بدقة نحو حافة الفوهة سيلك، التي تقع شمال خط الاستواء على تيتان.

بمجرد دخولها للغلاف الجوي الكثيف لتيتان، ستهبط دراجونفلاي لساعات ضمن سلسلة من عمليات الهبوط المظلي حتى تصل إلى ارتفاع 1 كيلومتر فوق سطح القمر. لتنفصل بعد ذلك عن المظلة وتحلق بحثاً عن موقع مناسب للهبوط.

التكنولوجيا

تستغرق الإشارة الراديوية أكثر من ساعة واحدة لتقطع المسافة الفاصلة بين زحل والأرض في اتجاه واحد، مما يعني أنه سيتعين على دراجونفلاي أن تطير بمفردها. ويثق مسؤولو ناسا في أنها قادرة على فعل ذلك بشكل موثوق في ظل التقدم الملحوظ لمجال الطيران ذاتي التحكم وقدرات الكشف عن المخاطر التي حققتها الطائرات المسيرة على الأرض خلال السنوات الأخيرة.

من المفيد للغاية أنه سبق لبعثة كاسيني أن استكشفت تيتان بشكل وافٍ، وهي التي دارت حول زحل منذ العام 2004 إلى العام 2017، وأنزلت مسباراً على سطح القمر، وهي أبعد عملية إنزال تم تنفيذها على الإطلاق.

وسيكون لدى الطائرة المسيرة 8 دواسر مكدسة ضمن 4 أزواج، وسيتم تصميمها لتتمكن من التحليق حتى في حال توقفت إحدى الدواسر عن العمل، وسيكون طول كل داسر منها نحو 1 متر. وبسبب الغلاف الجوي الكثيف لتيتان (أكثر كثافة من الغلاف الجوي للأرض بأربعة أضعاف) وجاذبيته المنخفضة، فإن الاستطاعة اللازمة للتحليق لن تتجاوز أكثر من نحو 1 إلى 40 من الاستطاعة اللازمة على كوكب الأرض.

وهذا لا يعني على أية حال أن الظروف ملائمة، فسطح تيتان سيكون بارداً أيضاً: نحو 180 درجة مئوية تحت الصفر.

وقد تم اختيار الموقع الأولي للهبوط بعناية، حيث ستكون منطقة فوهة سيلك ضمن مجال الرؤية المباشر من سطح الأرض، وبالتالي ستكون دراجونفلاي قادرة على التواصل مع هوائيات شبكة الفضاء العميق الخاصة بناسا المتواجدة في كل من كاليفورنيا، وإسبانيا، وأستراليا دون الحاجة إلى وجود قمر اصطناعي لترحيل البيانات. ومن شأن هذا الأمر أن يزيد من سهولة المهمة ويخفف من تكاليفها.

كما سيتم تزويد دراجونفلاي بهوائي قابل للطي لنقل الصور والبيانات العلمية إلى الأرض بعد هبوطها على الكثبان الرملية، التي وصفتها زيبي تورتل من مختبر الفيزياء التطبيقية في جامعة جونز هوبكنز –التي ستتولى قيادة البعثة– بأنها: “أكبر الحدائق الصخرية في النظام الشمسي”.

ولن تفلح فكرة الاعتماد على الطاقة الشمسية؛ نظراً لبعد المسافة الفاصلة عن الشمس، وجو تيتان الضبابي، لذا فإن دراجونفلاي ستحمل على متنها مولداً يستخدم الحرارة الناتجة عن التحلل الإشعاعي لنحو 4 كيلوجرام من البلوتونيوم لتوليد الكهرباء.

ولن يكون هذا كافياً لتشغيل الدواسر الثمانية بفعالية، وبالتالي سيقوم المولد بشحن بطارية تتولى بدورها تشغيل محركات الطائرة المسيرة.

وتقتضي الخطة الأولية إجراء بضع عشرات من عمليات التحليق على مدار أكثر من عامين ونصف العام. وسيكون بمقدور دراجونفلاي القفز لمسافات قصيرة إذا هبطت في مكان غير ملائم، إلا أنها ستقطع مسافة تصل إلى 8 كيلومترات في الرحلة الاستكشافية الواحدة، مُتبعةً نمط “القفزات الكبيرة” الذي سيسمح لها بالكشف عن مواقع الهبوط الجيدة قبل أن تعتمدها بشكل نهائي.

المكاسب

ستكون بعثة دراجونفلاي أكثر من مجرد نزهة، فقد حان الوقت لحسم عدد من النقاشات العلمية؛ حيث ستحمل على متنها مقياساً للزلازل يمكنه أن يستشعر الهزات ويساعد على تحديد سماكة القشرة الجليدية الكامنة فوق محيط المياه السائلة على سطح تيتان، كما سيكون لديها أدوات للرصد الجوي وعدد من الكاميرات.

وكانت كاسيني أيضاً قد عثرت على بعض الأدلة التي تشير إلى إمكانية وجود “براكين جليدية” على تيتان، وهي جبال من الجليد تنفث مزيجاً من الماء والميثان والأمونيا في الجو، وستحاول دراجونفلاي أن تعرف ما إذا كانت مثل هذه الثورانات تحدث بالفعل أم لا.

ثم إن هناك سؤالاً آخر مهماً: هل توجد حياة الآن -أو هل كان هناك حياة يوماً ما- على تيتان؟ ستحمل دراجونفلاي على متنها مجموعة من الأدوات العلمية تهدف إلى الإجابة عن هذا السؤال.

ستقوم إحدى هذه الأدوات بإطلاق نبضات من النيوترونات داخل سطح تيتان للتحقق من كميات الكربون، والنيتروجين، والهيدروجين، والأكسجين الواقعة تحته. وسيقوم هذا المولد النيوتروني النبضي بإثارة الإشعاعات، التي سيقوم زوج من مطيافات الكتلة الفائضة عن الحاجة بالكشف عنها بعد ذلك.

وإذا عثر هذان المطيافان عما يشير إلى شيء مثير للاهتمام، فإن اثنتين من آلات الحفر المركَّبة على متن الطائرة ستباشران العمل. وستتولى آلة تشبه المكنسة الكهربائية شفط الجُذاذات الناجمة عن الحفر (وأنواع أخرى من العينات) التي سيتم فحصها عن كثب، خاصة بالنسبة لكل من البورين والبيريميدين   -الوحدات الأساسية لتركيب الحمض النووي DNA- والأحماض الأمينية.

وسيكون من الصعب على جميع هذه الآلات أن تعمل بشكل موثوق في جو مشبع بالميثان بالمعنى الحرفي للكلمة. تقول تورتل: إنهم يعيدون استخدام الكثير من المكونات التي أثبتت قدرتها في العمل على المريخ منذ سنوات.

وتقول أيضاً: “تيتان مكان يشبه الأرض إلى حد كبير، على الرغم من أن المواد على سطحيهما مختلفة”. ولكن ما مدى التشابه بينهما بالضبط؟ هذا ما تسعى دراجونفلاي إلى اكتشافه.