X
Article image
مصدر الصورة: زيبلاين
Article image

مصدر الصورة: زيبلاين

الصحة حب

إن خدمة زيبلاين الجديدة لإيصال الأدوية بالطائرات من دون طيار تساعد في تقديم اللقاحات والأدوية الملحَّة إلى مَن هو بأمسِّ الحاجة إليها.

تتواجد بلدة نيو تافو أكيم في شرق غانا، وتبعد مسافة ساعتين ونصف بالسيارة إلى شمال العاصمة أكرا، على طول طريق سريع لا يتَّسع إلا لسيارة واحدة وتتزايد فيه الحفر تدريجياً إلى أن يتلاشى الإسمنت تماماً وتبقى الأحجار والصخور. كل شيء مغطى بطبقة سميكة من الوحل الأحمر.

ويعدُّ المستشفى الموجود في المنطقة عبارة عن مبنى من الإسمنت النادر على شكل مجمَّع لعيادات من طابق واحد تتمركز حول أفنية تحرسها الدواجن. وهناك منطقة مرصوفة تمثّل غرفة انتظار لعيادة اللقاحات الروتينية، حيث تنتظر الأمهات والأطفال بهدوء على مقاعد خشبية في جو من الهواء الرطب الكثيف. تقوم الممرضة المجتمعية جلاديس ديدي تيته وفريقها بإعطاء اللقاحات الوقائية في أفخاذ الأطفال الصغار، ولكن لقاحات الحمى الصفراء نفذت لديهم. إذ توقعن قدوم 35 طفلاً، ولكن جاء 41 طفلاً، بمن فيهم اثنان من التوائم.

وتتميّز اللقاحات بفترة صلاحية محدودة ويجب حفظها في أماكن جافة يمكن التحكم فيها بدرجة الحرارة، لذلك من غير المفيد الإفراط في طلب كميات أكبر منها. لكن تيته تعرف بأنها إذا رفضت تقديم اللقاحات لهؤلاء النساء اللواتي مشى الكثير منهنَّ مسافات طويلة للوصول إلى المركز، فهناك احتمال بألا يعُدن مرة أخرى، وبالتالي ستضيع فرصة حماية أطفالهنّ. فتناولت الممرضة هاتفها وأرسلت رسالة نصية مجانية تطلب فيها ست لقاحات إضافية.

مصدر الصورة: التحالف العالمي للقاحات والتحصين / 2019 / توني نويل

استجابة فورية

وبعد خمس عشرة دقيقة، أصدر هاتف تيته صوتاً، وقمتُ بتتبُّعها إلى ساحة فناء عشبية تكفي لركن سيارتين وتتقاطع فوقها كابلات كهربائية. في الأعلى في السماء، وبدأت تظهر طائرة تشبه ألعاب الأطفال. اقتربت منا بهدوء وهي تحلِّق على شكل رقم ثمانية باللغة الإنكليزية (8)، كالصقر الذي يحدِّق إلى فريسته.

فجأة، تجاوزتنا الطائرة أثناء عبورها فوق المنطقة المعشبة، وفتحت باباً من الأسفل لإخراج صندوق يطفو أسفل مظلة ورقية شمعية. وأثناء هبوط الصندوق، كانت الطائرة التي من دون طيار في طريقها للعودة إلى قاعدتها بعد أن أنجزت مهمتها. قامت الممرضات بفك المواد العازلة الواقية حول العبوات الزجاجية، وفي غضون دقائق، تمّ إعطاء اللقاح في فخذ أحد الأطفال الصغار، ليشرع بالبكاء.

تقول تيته: “من الجيد جداً الحصول على الأدوية التي نحتاجها بينما لا يزال المريض ينتظر هنا. سيكون ذلك مفيداً للغاية في حالات الطوارئ وللتأكد من حصول كل أم وطفل على الوقاية”.

مصدر الصورة: التحالف العالمي للقاحات والتحصين / 2019 / توني نويل

كان الأمل في تحقيق أثر معتبر هو الذي أقنع التحالف العالمي للقاحات والتحصين بدعم خدمة توصيل اللقاحات بالطائرات التي من دون طيار وتمويل التكاليف الأساسية بالشراكة مع الذراع الاجتماعي لشركة يو بي إس (UPS) العملاقة للتوصيل ومؤسسة بيل ومليندا غيتس وشركة فايزر (Pfizer). ويشرح موز صدّيقي -الذي يرأس قسم الابتكار في التحالف العالمي للقاحات والتحصين- ذلك بقوله: “في عام 2015، حددنا هدفًا لتطعيم 300 مليون طفل إضافي بحلول عام 2020، وحققنا 86٪ من هذا الرقم، ولكن نسبة 14٪ الأخيرة هي الأصعب في الوصول إليها، فهي تعيش في المناطق النائية أو الأحياء الفقيرة أو لديها آباء مثقلون بالأعباء ولا يمكنهم متابعة الجرعات المتكررة. ونأمل أن يساعد توصيل اللقاحات بالطائرات من دون طيار في سدِّ هذه الفجوة.”

وقد أخبرني أنتوني إنسياه أساري، المدير العام لهيئة خدمات الصحة في غانا، بأن الطائرات من دون طيار توفر وسيلة أرخص وأكثر كفاءة وموثوقية لتوصيل الإمدادات الطبية في الوقت المناسب للمجتمعات الريفية أو النائية أو الجوالة بالمقارنة مع ما توفره أنظمة النقل التقليدية.

وكان هو والرئيس الغاني قد شهدا أولاً عملية اختبار للنظام في دولة رواندا الصغيرة الجبلية في عام 2016، وانجذبا على الفور إلى هذه الطريقة البسيطة لتجاوز البنية التحتية الصعبة في أفريقيا. وكما مكَّنت تكنولوجيا الهواتف المحمولة المناطق التي ليس فيها اتصال أرضي من التواصل، فإن “الأشخاص في المناطق التي تعاني من سوء الطرقات والفيضانات ومشاكل البنية التحتية الأخرى سوف يحصلون على الأدوية التي يحتاجونها”، كما يقول إنسياه أساري.

وقد كان لحماسه دور فعال في المساعدة على دفع المشروع إلى الأمام، وذلك من خلال العمل مع شركة زيبلاين (Zipline) الناشئة في كاليفورنيا لتأسيس البرنامج الذي أصبح الآن الأكبر في العالم للتوصيل بواسطة الطائرات من دون طيار.

وقد أطلقت الحكومة الغانية هذه الخدمة في 24 أبريل بصفتها جزءاً من نظامها المتكامل للرعاية الصحية، حيث دفعت عن طريق الاشتراك من أجل عمليات التوصيل. بالنسبة إلى إنسياه أساري، فإن هذه المحاولة قد أثبتت نفسها في يومها الأول من العمل، حيث تم توصيل دم أنقذ حياة رجل مصاب، وأنسولين لمريض يعاني من فرط كيتون الجسم، وكبريتات المغنيسيوم لامرأة أثناء الولادة كانت تعاني من ارتفاع ضغط الدم بشكل خطير.

المصدر: التحالف العالمي للقاحات والتحصين / 2019

المراكز الإقليمية

تعمل هذه الطائرات التي من دون طيار من مراكز تم افتتاح أولها في شهر أبريل، وهو مبنى عاكس للضوء يقع في منطقة خالية من الأشجار في تلال غابات أوميناكو. كما سيتم قريباً افتتاح ثلاثة مراكز أخرى، ومن المتوقع أيضاً إنشاء مركزين آخرين بحلول نهاية العام. ويحتوي المركز على مستودع يمكن التحكم فيه بالظروف الجوية لتخزين الأدوية وإمدادات الطوارئ، بالإضافة إلى منشأة لإطلاق وتشغيل الطائرات من دون طيار. وبحلول نهاية العام، فإن الهدف يتمثّل في إنشاء ستة مراكز إقليمية تغطي الدولة بأكملها للتوصيل بواسطة الطائرات من دون طيار.

إلا أن الخدمة لم تسلم من الانتقادات؛ إذ اشتكى البعض من أنه من الأفضل إنفاق الأموال على الخدمات التقليدية مثل زيادة عدد سيارات الإسعاف، على سبيل المثال. لكن الحكومة تنفق على خدمة الطائرات من دون طيار أقل مما تنفقه على التوصيل بواسطة الدراجات والشاحنات، وتقول بأن الطائرات من دون طيار هي أكثر كفاءة.

وكان رائد التكنولوجيا الحيوية كيلر رينودو قد بدأ شركة زيبلاين (Zipline) كشركة ناشئة من شقته منذ خمس سنوات. ومنذ ذلك الحين، اجتذب المدير التنفيذي نحو 41 مليون دولار من الاستثمارات، بما فيها أموال من شركة جوجل فينتشرز (Google Ventures) ومن مؤسسي شركتي ياهوو (Yahoo) ومايكروسوفت (Microsoft).

ويقول: “أردت استخدام التكنولوجيا لحل مشكلة حقيقية في العالم للمساعدة في إنقاذ الأرواح”.

ومن الجدير بالذكر أن الشركة -التي تضم خبراء في مجال الفضاء من مؤسسات سبيس إكس (SpaceX) وبوينغ (Boeing) وناسا (NASA)- قامت بالتصميم والبناء والتحسين لجميع طائراتها التي من دون طيار وبرمجياتها المستقلة وأنظمة الإطلاق والهبوط، ويتم بالفعل استخدام بعض ابتكاراتها من قِبل الجهات الكبرى الأخرى. وقد استقرت شركة زيبلاين على نموذج الطائرات ذات الأجنحة الثابتة والتي تعمل بالبطارية ويمكنها حمل حمولة يصل وزنها إلى 1.8 كيلوجرام لمسافة 80 كيلومتراً وبسرعة تصل إلى 112 كيلومتراً في الساعة.

مصدر الصورة: التحالف العالمي للقاحات والتحصين / 2019 / توني نويل

ويقول رينودو بأن الشركة تتوقع القيام بحوالي 600 عملية نقل بالطائرات يومياً، وسيستفيد منها 12 مليون شخص. حتى أثناء حديثنا، تم تلبية أحد الطلبات في مستودع التعبئة والتغليف. وكانت إحدى الطائرات الـ 30 محمّلة بالمواد الثمينة والبطاريات الجديدة ومستعدة للانطلاق. ويصل طول جناحي الطائرة إلى 3 أمتار، ويبلغ طولها 1.5 متراً من الأمام إلى الخلف.

وتقوم مهندسة الطيران -وهي إحدى أعضاء الشركة الأربعة في الطاقم المكون بالكامل من نساء من غانا- بإجراء الفحوصات النهائية، ثم تطلب الإذن من هيئة الطيران المدني قبل إطلاق الطائرة إلى السماء. إن التخلص من العنفات الكهربائية اللازمة للإقلاع والهبوط يقلل بشكل كبير من متطلبات الطاقة على متن الطائرة، مما يسمح بوضع بطاريات أخف وزناً.

وإذا كانت عملية الإطلاق مثيرة، فإن عملية الهبوط أكثر إثارة. إذ يكون على إطارين من المعدن لهما شكل الحرف (A) وتتصل ذروتهما بسلك رفيع أن يلتقطا الطائرة أثناء الطيران. يبدو النجاح غير محتمل. ومع ذلك، تقوم الطائرة القادمة بتوجيه نفسها أثناء الهبوط بحيث يعلَق الخطاف الصغير الموجود على ذيلها بالسلك. وهناك تبقى معلّقة في حالة راحة بحيث يكون طرفها الأمامي نحو الأسفل لحين مهمتها القادمة. ويقول الفريق بأن الطائرة يمكنها أن تعمل في جميع الظروف الجوية، باستثناء الرياح القوية.

وبالنسبة للممرضات مثل تيته، فإن هذه الخدمة هي بمثابة شريان الحياة لمجتمعها. وتقول: “عندما تكون الأم في حالة مخاض، فإنها تتوقع منا أن ننقذها، ولا نريد أن نتأخر كثيراً عن ذلك”.

التحالف العالمي للقاحات والتحصين هو الذي دفع تكاليف رحلة جايا.

المزيد من المقالات حول الصحة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!