Article image
مصدر الصورة: ماكسويل هوليوك، هيرش



إن الإجابة عن هذا السؤال المهم لنا جميعاً تقريباً تتوقف على إجابات الأسئلة الثلاثة التي نطرحها ونحاول أن نجيب عنها في هذه المقالة.

2020-07-01 13:34:36

01 يوليو 2020

تسبب وباء كوفيد-19 في إرباك الجميع وحدوث اضطراب لهم، وخاصة الأطفال؛ ففي مارس، أغلقت المدارس أبوابها في المملكة المتحدة وفي معظم الولايات الأميركية، وسيتسمر إغلاق الكثير منها حتى الخريف المقبل. وهذا يعني ستة أشهر بعيداً عن الروتين الطبيعي لليوم الدراسي، ناهيك عن انقطاع كبير من دون أي تعليم رسمي للكثير من الأطفال الذين لا يمكنهم الوصول إلى الحصص الدراسية عبر الإنترنت.

إنها مشكلة عالمية؛ فوفقاً للأمم المتحدة، اضطرت المدارس إلى الإغلاق في 191 دولة، مما أثّر على أكثر من 1.5 مليار طالب و63 مليون معلم. ولكن اليوم، تعيد المدارس فتح أبوابها بشكل حذر في العديد من البلدان؛ حيث عاد معظم الأطفال في الدنمارك وألمانيا وفيتنام ونيوزيلندا والصين ليجلسوا وراء مقاعد الدراسة. هناك أمران مشتركان بين جميع هذه الدول، ألا وهما: مستويات منخفضة من العدوى وقدرة مُحكمة نسبياً على تتبع تفشي المرض.

ماذا عن المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة، حيث يعتبر عدد الحالات مرتفعاً نسبياً ولا تزال أنظمة التتبع في مراحلها المبكرة؟ كيف لنا أن نعرف الوقت المناسب لضمان عودة آمنة للأطفال إلى مدارسهم؟ لا يمكن توفير ضمانة أكيدة، ولكن حتى يتمكن الأهل من تقدير مستوى الخطر، لا بدّ من الإجابة عن ثلاثة أسئلة: ما مدى تعرض الأطفال لالتقاط عدوى كوفيد-19؟ وما مدى سوء تأثيره عليهم؟ وهل يمكن أن ينقلوا عدوى المرض إلى الآخرين؟

نحن نعلم أن الأطفال أقل عرضة من البالغين للإصابة بفيروس كورونا. وعلى وجه الدقة، يبلغ احتمال إصابتهم حوالي نصف احتمال إصابة البالغين، وذلك وفقاً لدراسة منشورة في مجلة نيتشر ميدسين وأجرتها كلية لندن للصحة وطب المناطق المدارية (LSHTM) باستخدام بيانات من الصين وإيطاليا واليابان وسنغافورة وكندا وكوريا الجنوبية. كما قامت المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها بدراسة استقصائية شملت 149,760 شخصاً مصاباً بكوفيد-19، وأظهرت أن الأطفال الذين يبلغون من العمر 17 عاماً أو أقل -والذين يشكلون 22% من سكان الولايات المتحدة- يمثلون أقل من 2% من الإصابات المؤكدة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.

وقد تم دعم هذه النتائج من خلال تحليل متعدد الاختصاصات شمل 18 دراسة أجراها باحثون في جامعة كوليدج لندن، وتوصَّل إلى أن الأطفال دون سن 18 عاماً كانوا أقل عرضة من البالغين بنسبة 56% لالتقاط عدوى فيروس كورونا من شخص مصاب. من ناحية أخرى، من المرجح أن يكون الأطفال على اتصال وثيق مع الآخرين أكثر من البالغين، خاصة في المدرسة، مما قد يقلل من أهمية الميزة الوقائية التي يتمتعون بها جراء انخفاض احتمال إصابتهم بالفيروس في المقام الأول. ومع ذلك، تبدو الأرقام واعدة.

إذا أُصيب الأطفال بالعدوى على أية حال، فما مدى سوء تأثيرها عليهم؟

تشير دراسة كلية لندن للصحة وطب المناطق المدارية إلى أنه عندما يلتقط الأطفال عدوى كوفيد-19، فإنهم عادة ما يعانون من أعراض خفيفة جداً؛ حيث يعاني واحد فقط من كل خمسة أطفال ممن تتراوح أعمارهم بين 10-19 من أعراض سريرية، مقارنة مع ما نسبته 69% من البالغين فوق سنّ الـ 70 عاماً. ومن المستبعد جداً أن يؤدي فيروس كورونا إلى موت الأطفال المصابين به؛ فخلال ذروة الوباء التي استمرت لتسعة أسابيع في إنجلترا وويلز، تُوفي خمسة أطفال فقط ممن لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً من بين حوالي 11 مليون نسمة في هذه الفئة العمرية، وذلك وفقاً للبيانات الرسمية التي حللها ديفيد شبيجلهاتلر، وهو عالم إحصاء في جامعة كامبريدج.

كما وجدت دراسة أولية في مجلة الصحة العامة (Public Health) أنه في سبع دول حتى 19 مايو، كانت هناك 44 حالة وفاة من بين 137 مليون طفل دون سن 19 عاماً. وهذا يعني معدلاً أقل من وفاة واحدة بين كل 3 مليون طفل. ورغم ظهور متلازمة التهابية جديدة مزعجة مرتبطة بكوفيد-19 عند الأطفال وتشبه مرض كاواساكي، لكنها نادرة للغاية. وتقول تينا هارترت، أستاذة الطب في معهد فاندربيلت للعدوى والمناعة والالتهابات في ناشفيل بولاية تينيسي: “أعتقد أنه تم الإبلاغ عن أقل من 500 حالة في جميع أنحاء العالم”. ويبدو أن معنى كل ما سبق هو أنه يجب ألا يقلق الأهل -بشكل غير مبرر- بشأن ما قد يحدث لأطفالهم إذا أصيبوا بالفيروس.

السؤال الحاسم الأخير: إلى أي مدى ينقل الأطفال عدوى فيروس كورونا عند إصابتهم به؟ يقول جيفري شامان، خبير الأمراض المعدية في جامعة كولومبيا: “إذا نظرت إلى الأبحاث المُحكمة التي تمت مراجعتها من قِبل الأقران، فهي متضاربة للغاية، والإجابة ببساطة هي أننا لا نعلم”. في فبراير الماضي، كان هناك صبي يبلغ من العمر تسع سنوات ومصاب بفيروس كورونا في جبال الألب الفرنسية، ولم ينقل الفيروس إلى أي شخص آخر على الرغم من اختلاطه بأكثر من 170 شخصاً، بما في ذلك الاحتكاك الوثيق داخل المدارس. ومع ذلك، ينبغي ألا نبني استنتاجاتنا على دراسة حالة واحدة. من ناحية أخرى، قام باحثون من جامعة برلين باختبار 3,712 مريضاً مصاباً بكوفيد-19، وكان عمر 127 منهم أقل من 20 عاماً، وخَلصوا إلى أن الأطفال يمكن أن يحملوا نفس الحِمل الفيروسي الذي يحمله البالغون، والذي يبدو أنه مرتبط بدرجة نقل العدوى.

ويتمثل أحد أكبر المخاوف في إمكانية أن يلتقط الطفل عدوى فيروس كورونا في المدرسة، ثم يحمله معه إلى المنزل وينقل العدوى إلى جدته مثلاً. ويقول كيرستن مينشال، وهو أبٌ لطفلين تتراوح أعمارهم بين 9 و11 عاماً ويعيش في بلدة ساحلية في كِنت بالمملكة المتحدة: “على الرغم من انخفاض خطر العدوى على الأطفال، وعدم خطورتها الكبيرة عليّ أو على شريكتي، لكنني أشعر بالقلق بشأن عودتهم إلى المدرسة ومن ثم ذهابهم للقاء والديّ”.

من الممكن أن ينقل الأطفال عدوى كوفيد-19 إلى داخل أُسرهم؛ حيث حددت دراسة في الصين ثلاث حالات كان فيها طفل تحت سن 10 سنوات هو “الحالة الأولى” في المنزل. ولكن يبدو أنها حالات نادرة الحدوث.

بيت القصيد هنا هو البيانات، أو بالأحرى نقص البيانات؛ فنظراً إلى أن الأطفال أقل عرضة للإصابة بكوفيد-19، ومن المرجح أن تظهر عليهم أعراض أقل خطورة إذا ما التقطوا العدوى، بالتالي فإن احتمال رؤيتهم من قِبل الأطباء أو اختبارهم يبقى منخفضاً مقارنة بالبالغين. وهذا يعني أن من الصعب الحصول على بيانات عالية الجودة وموثوقة بشأن هذا السؤال.

ومن المفترض أن تساعد دراسة كبيرة تمولها المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة وتم إطلاقها الشهر الماضي في الإجابة عن هذا السؤال؛ حيث ستقوم الدراسة باختبار مسحات الأنف من حوالي 2,000 عائلة في 10 مدن كل أسبوعين. ويكمن الهدف في تحديد الدور الذي يلعبه الأطفال في انتقال العدوى، كما تقول هارترت، التي تقود الدراسة. لقد انتهى التسجيل في الدراسة للتو، وتتوقع هارترت الحصولَ على أولى النتائج في غضون أسابيع.

وستساعد المسوحات المصلية على مستوى السكان -التي تختبر وجود أجسام مضادة ضد كوفيد-19 في عينات الدم- في سد فجوة البيانات. كما أن الدراسات التي تقارن بين المناطق التي أُعيد فيها فتح المدارس وتلك التي بقيت المدارس فيها مغلقة قد تحمل فائدة كبيرة. وتقول روزاليند إيجو، وهي مصممة نماذج للأمراض المعدية في كلية لندن للصحة وطب المناطق المدارية ومشاركة في الدراسة، إنه إذا توصلت الدراسة إلى أن الأطفال أقل عرضة للإصابة، فهذا يشير إلى أن إغلاق المدارس لن يكون وسيلة مهمة للغاية في الحد من انتقال العدوى عبر المجتمع. ومع ذلك، تُحذِّر من أنه من الصعب فصل إغلاق المدارس عن جميع الإجراءات الأخرى التي تم اتخاذها في بداية الوباء.

وتقول: “من الصعب للغاية معرفة ما حدث لانتقال العدوى عندما تم إغلاق المدارس؛ لأن ذلك حدث في نفس الوقت الذي تم فيه اتخاذ الكثير من الإجراءات الأخرى مثل الإغلاق العام والابتعاد الاجتماعي وزيادة الاهتمام بالصحة العامة”.

لكن لا تتناول أيٌّ من هذه الدراسات مجموعة رئيسية لا يمكن أن تعمل المدرسة من دونها، ألا وهي: المعلمون. 

تقول هارترت: “سيكون بعض المعلمين من كبار السن، ولا توجد إجابة سهلة فيما يخصهم، إنهم معرضون لخطر كبير جداً”. وقد قامت العديد من المدارس التي فتحت أبوابها من جديد في جميع أنحاء العالم باعتماد تدابير ابتعاد وجداول زمنية متباعدة لتقليل الاختلاط بين المجموعات المدرسية.

تقول مارلين سلينجنبرج، رئيسة قسم علم الأحياء في كلية ألكسندرا بارك في لندن، حيث أُعيد فتح بعض المدارس لنسبة صغيرة من طلابها: “أشعر بخوف من التدريس أقل نسبياً مقارنة بالذهاب إلى المتاجر الكبرى”. وتقول إن السبب وراء ذلك يكمن في أن المدرسة قد أعطت الأولوية للسلامة؛ فعلى سبيل المثال، يجب على الطلاب تعقيم أيديهم بين الدروس، ويُطلب من المعلمين البقاء على مسافة مترين على الأقل من الطلاب في مقدمة الفصل، وهناك سياسات صارمة تمنع دخول أكثر من شخص واحد إلى الحمامات في نفس الوقت.

ومع ذلك، فإن غالبية الطلاب لم يعودوا بعد إلى مقاعد الدراسة. وتخشى سلينجنبرج أنه سيكون من المستحيل الحفاظ على إجراءات السلامة عندما تفتح المدرسة بكامل طاقتها من جديد في سبتمبر. وتقول: “من الممكن القيام بذلك باتباع أسلوب: أسبوع دوام وأسبوع عطلة بالتناوب، عندما يكون لدينا 1,600 طالب، سيكون الأمر صعباً، خاصةً خلال فترة التنقل بين الدروس”.

في نهاية المطاف، قد يكون الأمر الحاسم بالنسبة للمدارس هو قدرتها على الاستجابة بمرونة من خلال المراقبة الحثيثة لأي تفشٍّ محتمل والإغلاق بسرعة عند الضرورة.

تقول سلينجنبرج إن هناك الكثير من الضغط الذي يمارسه الأهل للحفاظ على سلامة أطفالهم، وهذا أمرٌ مفهوم، ولا يزال الكثير منهم غير مرتاحين لفكرة إعادة أطفالهم إلى المدرسة. لكن معظمهم يدرك أنه توازن دقيق؛ حيث يقول مينشال: “إن الأمر كله يتعلق بإجراء موازنة بين مخاطر كوفيد-19، والحصول على تعليم مناسب للأطفال، والعناية بصحتهم العقلية”.