بماذا تشبه صناعة الذكاء الاصطناعي الاستعمار القديم؟

4 دقائق
بماذا تشبه صناعة الذكاء الاصطناعي الاستعمار القديم؟
مصدر الصورة: إيديل رودريغز.
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

من الميول التي أشاركها مع زوجي: تناول الطعام والاطلاع على المعلومات التاريخية. وهكذا، وبعد زواجنا بفترة قصيرة، اخترنا الذهاب في شهر العسل إلى منطقة الساحل الجنوبي لإسبانيا. خضعت هذه المنطقة تاريخياً لحكم الإغريق والرومان والمسلمين والمسيحيين بالتتالي، وهي مشهورة بعمارتها المذهلة، ومطبخها المؤلف من مزيج رائع لعدة مطابخ مختلفة.

دوافع الاستعمار القديم هي ذاتها التي تحرك صناعة الذكاء الاصطناعي

ولكنني لم أكن مدركة لمدى تداخل هذه الرحلة الشخصية مع عملي الصحافي. فعلى مدى السنوات الأخيرة، تزايد عدد الأكاديميين الذين يقولون إن آثار الذكاء الاصطناعي تكرر أنماط التاريخ الاستعماري. ويقولون إن الاستعمار الأوروبي كان يقوم على العنف في احتلال الأراضي، واستخلاص الموارد، واستغلال الناس –عن طريق الاستعباد مثلاً- لتحقيق الإثراء الاقتصادي لصالح البلاد الغازية. وعلى الرغم من أن القول بأن صناعة الذكاء الاصطناعي تكرر هذه الأنماط من العنف في الوقت الحالي ينطوي على الكثير من المبالغة ويعني استخفافاً بالمعاناة السابقة، فإنها دون شك تستخدم أساليب أخرى وأكثر مكراً لزيادة ثراء الأثرياء وأصحاب النفوذ إلى درجة كبيرة على حساب الفقراء.

وكنت قد بدأت بدراسة هذه المزاعم عندما بدأت مع زوجي برحلة عبر إشبيلية وقرطبة وغرناطة وبرشلونة. ومع قراءتي في نفس الوقت لكتاب “كلفة الاتصال” (The Costs of Connection)، وهو من النصوص الأساسية السباقة في اقتراح مفهوم “استعمار البيانات”، أدركت أن هذه المدن هي مسقط رأس الاستعمار الأوروبي، فهي المدن التي كان كريستوفر كولومبوس يسافر عبرها مع رحلاته جيئة وذهاباً إلى أميركا، وهي المدن التي أحدث التاج البريطاني عبرها تحولاً جذرياً في النظام العالمي.

وتوجد الأدلة المادية على هذا الماضي بوفرة في برشلونة على وجه الخصوص. فهذه المدينة معروفة بطابعها الكتالوني العصري، وهو طابع جمالي مشهور قام بنشره أنتوني غودي، وهو العقل المدبر خلف بناء كنيسة ساغرادا فاميليا. تعود ولادة هذه الحركة المعمارية جزئياً إلى استثمارات العائلات الإسبانية الثرية التي جمعت ثرواتها من أعمالها الاستعمارية، وحولت هذه الأموال إلى قصور فاخرة.

اقرأ أيضاً: من عساه يقرر شكل مستوطناتنا في الفضاء؟

وقد تم بناء أحد أشهر هذه القصور، والمعروف باسم “كاسا ليو موريرا“، في بدايات القرن العشرين، وذلك باستخدام أرباح تجارة السكر في بورتو ريكو. وعلى حين تحول القصر إلى وجهة زيارة للسياح من جميع أنحاء العالم للاستمتاع بجماله، فإن بورتو ريكو ما تزال تعاني من ضعف في الأمن الغذائي، لأن أراضيها الخصبة كانت مخصصة لفترة طويلة للغاية لإنتاج محاصيل مربحة للتجار الإسبان بدلاً من إنتاج الغذاء للسكان المحليين.

وأثناء وقوفنا أمام الواجهة المنحوتة بدقة، والتي تتضمن تشكيلات من النباتات والمخلوقات الأسطورية وأربع نساء يحملن أربع أعظم اختراعات في ذلك الوقت (المصباح والهاتف والحاكي [أو الفونوغراف] والكاميرا)، استطعت أن أرى التشابهات بين هذا التجسيد للاستغلال الاستعماري والتطوير العالمي للذكاء الاصطناعي.

لا تسعى صناعة الذكاء الاصطناعي إلى احتلال الأراضي مثل غزاة الكاريبي وأميركا اللاتينية، ولكنها مدفوعة بنفس الرغبة في الربح إلى توسيع نطاقها. فكلما تمكنت شركة من اجتذاب المزيد من المستخدمين لمنتجاتها، أصبح لديها عدد أكبر من العناصر لخوارزمياتها، وأصبحت قادرة على استخلاص المزيد من الموارد، أي البيانات، من نشاطاتهم وحركاتهم وحتى أجسادهم.

أيضاً، لا تستغل صناعة الذكاء الاصطناعي العمالة عبر استعباد أعداد كبيرة من الناس، والذي تطلب نشر معتقدات عنصرية لتجريد مجموعات سكانية كاملة من إنسانيتها. ولكنها طورت أساليب جديدة لاستغلال العمالة المهمشة وقليلة التكاليف، والموجودة في أغلب الأحيان في القسم الجنوبي من العالم، وذلك بناء على أفكار ضمنية تقول إن هؤلاء الأشخاص لا يحتاجون إلى أجور جيدة واستقرار اقتصادي، أو أنهم لا يستحقون هذا.

اقرأ أيضاً: صور غريبة ومخيفة بعض الشيء تبين مدى تطور الذكاء الاصطناعي

الاستعمار بالذكاء الاصطناعي

تغوص سلسلة إم آي تي تكنولوجي ريفيو الجديدة، الاستعمار بالذكاء الاصطناعي، في أعماق هذه التشابهات وغيرها بين تطوير الذكاء الاصطناعي والماضي الاستعماري، وذلك بدراسة المجتمعات والشرائح التي تعرضت لتغيرات كبيرة بسبب هذه التكنولوجيا. ففي الجزء الأول، سنتجه إلى جنوب أفريقيا، حيث تقوم أدوات المراقبة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والمبنية على استخلاص سلوكيات ووجوه الناس، بتعزيز الهيكليات العنصرية، ودعم نظام فصل عنصري رقمي.

وفي الجزء الثاني، سنتجه إلى فنزويلا، حيث وجدت شركات تصنيف بيانات الذكاء الاصطناعي عمالة مهمشة وزهيدة التكاليف في خضم أزمة اقتصادية مدمرة، ما أدى إلى ظهور نموذج جديد من استغلال العمال. وتدرس السلسلة عدة أساليب للابتعاد عن هذه البنى والهيكليات. وفي الجزء الثالث، سنزور سائقي شركات الطلب الإلكتروني للسيارات في إندونيسيا، والذين بدؤوا -من خلال توحيد قواهم الجماعية– يتعلمون كيفية مواجهة التحكم والتشتيت باستخدام الخوارزميات. وفي الجزء الرابع، ينتهي بنا المطاف في أوتياروا، وهو الاسم الأصلي لنيوزيلندا، والذي يستخدمه سكانها الأصليون من الماوري، حيث يعمل زوج من السكان الأصليين على محاولة استعادة سيطرة مجتمعهم على البيانات الخاصة به لإعادة إحياء لغتهم الأصلية.

تكشف هذه القصص معاً كيف يعمل الذكاء الاصطناعي على إفقار الشرائح السكانية والدول التي ليس لديها أي رأي في عملية تطويره، وهي نفس الشرائح والدول التي تعرضت للإفقار من قبل بسبب الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة. كما تشير أيضاً إلى أساليب تسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض أفضل بكثير، حيث يمكن أن يكون وسيلة تسمح للمحرومين تاريخياً بترسيخ ثقافتهم وتقوية أصواتهم وتحديد مستقبلهم.

وهو الهدف النهائي لهذه السلسلة، أي توسيع تصورنا لأثر الذكاء الاصطناعي على المجتمع حتى نستطيع البدء بإحداث التغيرات المطلوبة. وسيكون من المستحيل أن نتحدث عن “الذكاء الاصطناعي في خدمة الجميع” (وهو من شعارات “جوجل” (Google) أو “الذكاء الاصطناعي المسؤول” (وهو من شعارات “فيسبوك” (Facebook) أو “توزيع الفوائد على نطاق واسع” (وهو من شعارات “أوبن أيه آي” (OpenAI) دون أن نتحلى بالصدق في اعترافنا بالعوائق ومواجهتها.

اقرأ أيضاً: فيسبوك تريد تطوير الذكاء الاصطناعي بتشجيع البشر على تعطيله

والآن، يوجد جيل جديد من الأكاديميين الذين يرفعون شعار “إنهاء الاستعمار بالذكاء الاصطناعي” لاستعادة النفوذ من الشمال العالمي إلى الجنوب العالمي، ومن وادي السيليكون إلى الناس. وآمل بأن تستطيع هذه السلسلة تقديم تصور عن مغزى هذا الشعار الجديد، وأن تكون بمثابة دعوة إلى تحقيقه، لأنه يوجد الكثير مما يستحق الدراسة والاكتشاف.

يمكنك قراءة سلسلة إم آي تي تكنولوجي ريفيو حول الاستعمار بالذكاء الاصطناعي هنا.

Content is protected !!