Article image
لقطة شاشة لـ بوت الدردشة من بريديكتيف هاير.



تستخدم الشركات فكرة التوظيف (الخالي من التحيز)، للتهرب من تدقيق أكبر فيما يتعلق بالمشاكل المرتبطة بالعمالة في أدواتها والتي لا تقتصر على التمييز.

2020-07-27 11:21:25

27 يوليو 2020

منذ بداية الوباء، لجأ عدد متزايد من الشركات إلى الذكاء الاصطناعي لمساعدتهم في عمليات التوظيف. وتتضمن الأنظمة الأكثر شيوعاً استخدام خوارزميات مسح الوجه أو الألعاب أو الأسئلة أو التقييمات الأخرى للمساعدة في تحديد المرشحين المؤهلين لإجراء مقابلات معهم.

وبينما يحذر النشطاء والعلماء من أن أدوات الفحص هذه يمكن أن تكرِّس التمييز، يرى مصنِّعوها أنفسهم أن التوظيف الخوارزمي يساعد على تصحيح التحيزات البشرية؛ فوفقاً لمنطقهم، يمكن اختبار الخوارزميات وتعديلها، في حين أن تصحيح التحيزات البشرية يمثل مهمة أصعب بكثير. وفي ورقة بحثية منشورة في ديسمبر 2019، قام الباحثون في كورنيل بمراجعة المشهد العام لشركات الفحص الخوارزمي بهدف تحليل ادعاءاتها وممارساتها، ومن بين 18 شركة تملك موقع ويب باللغة الإنجليزية، قامت معظمها بالتسويق لنفسها باعتبارها بديلاً أكثر عدالة للتوظيف المعتمِد على الإنسان، ما يشير إلى أن هذه الشركات كانت تستغل القلق المتزايد حول هذه القضايا للترويج لمزايا أدواتها واكتساب المزيد من العملاء.

لكن التمييز ليس مبعث القلق الوحيد في التوظيف الخوارزمي، ويخشى بعض الأكاديميين من أن الخطاب التسويقي الذي يركز على التحيز يتيح للشركات التهرب من قضايا أخرى مثل حقوق العمال. واليوم، تمثل دراسة أولية من إحدى هذه الشركات تذكيراً مهماً: “ينبغي علينا ألا نسمح للاهتمام الذي يُبديه الناس مؤخراُ لمسائل التحيز والتمييز بأن يزيح الاهتمام بحقيقة وجود مجموعة من القضايا الأخرى”، على حد تعبير سولون باروكاس، الأستاذ المساعد في جامعة كورنيل والباحث الرئيسي في مايكروسوفت ريسيرش، والذي يدرس الإنصاف الخوارزمي والمساءلة.

الشركة المعنية هنا هي بريديكتيف هاير (PredictiveHire) التي يقع مقرها في أستراليا، وتم تأسيسها في أكتوبر 2013، وهي توفر بوت دردشة يسأل المرشحين سلسلة من الأسئلة في مقابلة مفتوحة، ثم يحلل ردودهم لتقييم سمات الشخصية المرتبطة بالوظيفة مثل “القيادة” و”المبادرة” و”المرونة”. ووفقاً للرئيسة التنفيذية للشركة، باربرا هايمان، فإن عملاءها هم أصحاب عمل ممن يتوجب عليهم إدارة عدد كبير من طلبات التوظيف، مثل الشركات العاملة في مجال تجارة التجزئة والمبيعات ومراكز الاتصال والرعاية الصحية. وتأكيداً لنتائج دراسة كورنيل، فإن بريديكتيف هاير تعمد إلى استخدام الوعود بتوظيف أكثر إنصافاً في خطابها التسويقي؛ إذ تعلن بجرأة على صفحتها الرئيسية: “تعرف على فاي، طيارك المساعد في التوظيف. إنه يجعل المقابلات فائقة السرعة وشمولية، وأخيراً أصبح لديك الأداة التي تجعل المقابلات خالية من التحيز”.

كما ذكرنا آنفاً، فإن فكرة الخوارزميات “الخالية من التحيز” مضلِّلة للغاية. لكن أحدث أبحاث بريديكتيف هاير يثير القلق لسبب مختلف؛ إذ إنه يركز على بناء نموذج جديد للتعلم الآلي يسعى إلى التنبؤ باحتمالية تنقل المرشح، أي ممارسة تغيير الوظائف بشكل أكثر تكراراً مما يفضِّله صاحب العمل. وتمثل هذه الدراسة الأولية متابعة للبحث الأخير الذي أجرته الشركة وخضع لمراجعة الأقران، والذي تناول دراسة كيفية ارتباط أسئلة المقابلة المفتوحة بالشخصية (والتي تعتبر في حد ذاتها ممارسة مثيرة للجدل إلى حدٍّ بعيد). وتقول هايمان إنه نظراً لكون أطباء علم النفس التنظيمي قد أظهروا بالفعل وجودَ صلة بين الشخصية والتنقلات الوظيفية، فإن الشركة أرادت اختبار ما إذا كان بإمكانها استخدام بياناتهم الحالية للتنبؤ بالتنقلات. وتضيف: “إن القدرة على الاحتفاظ بالموظفين تمثل موضع اهتمام كبير للعديد من الشركات التي نعمل معها× نظراً لتكاليف مغادرة أعداد كبيرة من الموظفين، والتي تقدر بـ 16% من تكلفة راتب كل موظف”.

استخدمت الدراسةُ الإجاباتِ غير المقيدة من 45,899 مرشحاً استخدموا بوت الدردشة الخاص بشركة بريديكتيف هاير. وقد طُلب من المتقدمين في الأصل الإجابة عن خمسة إلى سبعة أسئلة مفتوحة، وأسئلة تقييم ذاتي حول تجربتهم السابقة وطريقة تعاملهم مع الظروف. وتضمنت هذه المقابلة أسئلة تهدف إلى إثارة الصفات التي أظهرت الدراسات السابقة ارتباطها القوي بميول التنقل بين الوظائف، مثل كون المرشح أكثر انفتاحاً لاكتساب الخبرة، وأقل عملية، وأقل رغبة بالعمل الميداني. ويزعم باحثو الشركة أن النموذج قد استطاع التنبؤ بالتنقلات الوظيفية بدقة إحصائية كبيرة. ويعلن موقع بريديكتيف هاير على الإنترنت بالفعل عن هذا النموذج على أنه تقييم “مخاطر الطيران” الذي “سيتم إطلاقه قريباً“.

يعتبر نموذج بريديكتيف هاير الجديد مثالاً نموذجياً لما يقول ناثان نيومان إنه أحد أكبر الآثار السلبية للبيانات الضخمة على القوى العاملة. وكان نيومان، الأستاذ المساعد في كلية جون جاي للعدالة الجنائية، قد كتب في بحث قانوني عام 2017 أنه بالإضافة إلى المخاوف بشأن التمييز في التوظيف، تم استخدام تحليل البيانات الضخمة أيضاً بطرق لا تعد ولا تحصى لخفض أجور العمال.

على سبيل المثال، يتم استخدام اختبارات الشخصية المستندة إلى التعلم الآلي بشكل متزايد في التوظيف لاستبعاد الموظفين المحتملين الذين يتسمون باحتمال أكبر للتحريض على زيادة الأجور أو دعم النقابات. ويراقب أصحاب العمل بشكل متزايد رسائلَ البريد الإلكتروني والمحادثات والبيانات الأخرى للموظفين من أجل تقييم من قد يغادر الشركة ولاحتساب الحد الأدنى من الزيادة في الرواتب اللازمة لإبقائهم. كما تعمل أنظمة إدارة الخوارزميات مثل أنظمة أوبر على تطبيق نظام لا مركزي لإبعاد العمال عن المكاتب وأماكن الاجتماعات الرقمية، التي تسمح لهم بالتنسيق مع بعضهم البعض والمطالبة بشكل جماعي بمعاملة ورواتب أفضل.

يقول نيومان إن أياً من هذه الأمثلة لا ينبغي أن يكون مفاجئاً؛ إنها تمثل ببساطة تجلياً عصرياً لما مارسه أصحابُ العمل تاريخياً لكبح الأجور من خلال استهداف وتحطيم الأنشطة النقابية. وفي الواقع، فإن استخدام تقييمات الشخصية في التوظيف -التي يعود تاريخها إلى الثلاثينيات من القرن الماضي في الولايات المتحدة- قد بدأ كآلية للتخلص من الأشخاص الذين يُرجح أن يصبحوا منظِّمين للقوى العاملة. وأصبحت الاختبارات شائعة بشكل خاص في الستينيات والسبعينيات، حالما قام أطباء علم النفس التنظيمي بتحسينها لتقييم العمال تبعاً لدرجة تعاطفهم النقابي.

وفي هذا السياق، يعتبر تقييم بريديكتيف هاير لمخاطر النزاع مجرد مثال آخر على هذا التوجه. ويشير باروكاس إلى أن “التنقل بين الوظائف، أو خطر التنقل بين الوظائف، هو أحد الطرق الرئيسية التي تمكن العمال من زيادة دخلهم”. حتى أن الشركة بنت تقييمها على فحوصات الشخصية التي صممها أطباء علم النفس التنظيمي.

لا يدعو باروكاس بالضرورة إلى التخلص الشامل من هذه الأدوات. وهو يعتقد أن هدف جعل التوظيف أفضل للجميع هو هدف نبيل ويمكن تحقيقه إذا فرض المشرِّعون شفافية أكبر. ويقول إن أياً من هذه الأدوات لم يخضع حالياً لتقييم دقيق ومراجعة من قِبل الأقران. ولكن إذا كانت الشركات أكثر صراحة بشأن ممارساتها وأتاحت أدواتها لتخضع لهذا النوع من التحقق، فقد يساعد ذلك على مساءلتها. كما يمكن أن يساعد الأكاديميين على الانخراط بسهولة أكبر مع الشركات لدراسة تأثير الأدوات على كل من القوى العاملة والتمييز.

ويختم باروكاس بالقول: “على الرغم من كل جهودي خلال العامين الماضيين لإبراز المخاوف بشأن هذه القضايا، إلا أنني أعتقد بالفعل أن الكثير من هذه الأدوات يمكن أن تحسِّن الوضع الحالي للأعمال بشكل كبير”.


شارك



مراسلة الذكاء الاصطناعي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو