X
Article image
مصدر الصورة: ناسا
Article image

مصدر الصورة: ناسا

عالم الفضاء حب

يحمل أحد الفوتونات المقاسة طاقة تعادل طاقة كرة طاولة أثناء سقوطها.

تمتد هضبة التبت بشكل مستوٍ على مساحة شاسعة بارتفاع 5 كيلومترات فوق سطح البحر، ويُطلَق عليها أحياناً اسم: سقف العالم. تحدُّها جنوباً أعلى سلسلة جبلية في العالم، وتحدها شمالاً أراضٍ صحراوية، وهي من أكثر الأمكنة انعزالاً على الأرض.

غير أن هذا الارتفاع الشاهق يجعل منها مكاناً مفيداً للعلماء. ففي 1990، قاموا ببناء مرصد هناك لدراسة وابلات الجسيمات تحت الذرية التي تنهمر على الأرض من أعالي الغلاف الجوي عند تعرضه لأشعة كونية ذات طاقة عالية، وهو عمل يُفضل القيام به على ارتفاع كبير حتى تقل المسافة التي يتم خلالها امتصاص الجسيمات من قِبل الغلاف الجوي.

ومنذ ذلك الحين، قام المرصد المسمى بمصفوفة الوابل الهوائي في التبت بتسجيل أرقام كبيرة من الإشعاعات الكونية عالية الطاقة، وهي جسيمات تتسارع إلى مستويات طاقية كبيرة بسبب ظواهر فيزيائية فلكية مثل المستعرات العظمى، والنوى المجرّية النشطة، ومصادر أخرى غامضة.

ولكن المصفوفة تلتقط أيضاً وابلات هوائية من مصدر آخر، وهو الفوتونات عالية الطاقة. تنشأ هذه الفوتونات الغامضة أيضاً عن ظواهر فيزيائية فلكية مثل التفاعل بين الجسيمات عالية الطاقة والإشعاع الخلفي الكوني الميكروي، ولهذا يمكن أن تقدم لنا معلومات فريدة حول هذه العمليات والبيئات التي تحدث ضمنها.

وعلى مدى السنوات الماضية، كشفت مصفوفة الوابل الهوائي في التبت الكثير من هذه الفوتونات بمستويات من الطاقة تصل إلى رتبة العشرات من التيرا إلكترون فولت (10 للقوة 12 إلكترون فولت)، أي ما يعادل تقريباً أعلى فوتونات الطاقة العالية التي يمكن تشكيلها على الأرض. ولكن لم يستطع أحد من قبل رصدَ فوتونات أكثر طاقة.

ولكن الآن، يقول باحثون من مجموعة العمل المشتركة لأشعة جاما في مصفوفة الوابل الهوائي في التبت إنهم رصدوا فوتونات تصل طاقتها إلى أكثر من 100 تيرا إلكترون فولت للمرة الأولى، بما في ذلك فوتون مذهل بطاقة 500 تيرا إلكترون فولت تقريباً، ويمتلك هذا الفوتون المنفرد نفس طاقة كرة طاولة في وضعية السقوط، وهو أعلى الفوتونات طاقةً على الإطلاق بالنسبة لما تم تسجيله.

وقد تمكنت المجموعة أيضاً من تحديد مصدر هذه الفوتونات: سديم السرطان، وهو عبارة عن بقايا مستعر أعظم انفجر في العام 1054 بعد الميلاد في ذراع بيرسيوس بمجرة درب التبانة، على بعد 6,500 سنة ضوئية عن الأرض تقريباً.

ويقع في قلب هذا السديم نجم نابض، وهو نجم نيوتروني يدور بسرعة تقترب من 30 دورة في الثانية، ويصدر نبضات كهرطيسية على نطاق ترددي واسع. وعلى الرغم من أن سديم السرطان غير مرئي للعين المجردة -حيث يقارب في سطوعه تيتان قمر زحل- فهو أكثر مصادر الأشعة السينية وأشعة جاما سطوعاً في سماء الليل، بطاقات تتجاوز 30 كيلو إلكترون فولت.

ولهذا السبب، يعتبر سديم السرطان مثار اهتمام الفلكيين. ومن الأسئلة التي تساورهم باستمرار، هو مدى الطاقة التي يمكن أن تصل إليها هذه الفوتونات، وماذا يمكن أن يستنتجوا عن الظروف داخل السديم من توزع طاقات الفوتونات.

وقد كان يُعتقد أن الفوتونات التي تحمل هذه الطاقة تتشكل بعملية تعرف باسم تبعثر كومبتون العكسي، ويحدث هذا عندما يقوم جُسيم عالي الطاقة بنقل طاقته إلى فوتون. وفي حالة سديم السرطان، فمن المرجح أن هذه الجسيمات عالية الطاقة هي إلكترونات وبروتونات تسارعت بفضل موجات الصدمة في الحقول المغناطيسية الشديدة المحيطة بالنجم النابض، مما منحها طاقات في المجال تحت البيتا إلكترون فولت (10 للقوة 15 إلكترون فولت). وللمقارنة، نذكر أن مصادم الهادرون الكبير -وهو أقوى مسرّع جسيمات في العالم- يتصف بطاقة تصادم تصل إلى 14 تيرا إلكترون فولت.

هذه الجسيمات تقوم بعد ذلك بنقل طاقتها إلى الفوتونات المتبقية من الانفجار الكبير، أي الإشعاع الخلفي الكوني الميكروي، مما يعطيها طاقة تصل إلى مئات من التيرا إلكترون فولت، وهي الفوتونات التي اكتشفتها مصفوفة الوابل الهوائي في التبت. يقول الباحثون: “هذه المرة الأولى التي نكتشف فيها فوتونات عالية الطاقة فوق 100 تيرا إلكترون فولت من مصدر فيزيائي فلكي، مما يؤدي إلى فتح المجال تحت البيتا إلكترون فولت في الفلك”.

ويكشف هذا العمل بالضبط الظروفَ الموجودة ضمن السديم، وهو يكشف -على وجه الخصوص- مستوى أمواج الصدمة التي تمر عبر الحقل المغناطيسي، مما يلقي بدوره بعض الضوء على العمليات التي لا بد أنها تؤدي إلى توليد هذه الأمواج.

وقد توقعت عدة نظريات الحدَّ الأعلى للطاقة التي يمكن للفوتونات اكتسابها بهذه الطريقة، ولكن مجموعة التبت لم تجد أية دلالة على هذا حتى الآن. ويُحتمل أن هذه الطريقة تؤدي إلى إنتاج فوتونات بطاقة من مستوى الإكسا إلكترون فولت (10 للقوة 18 إلكترون فولت). وفي هذه الحالة، يحمل إلكترون واحد طاقة رصاصة بندقية هوائية. وفي 1991، قاس الفيزيائيون أشعة كونية بطاقة 300 إكسا إلكترون فولت، أو ما يسمى “جُسيم”! الجسيم الذي يحمل أعلى طاقة سُجلت في التاريخ.

ولكن أولاً، يجب الحصول على المزيد من الأدلة من مجموعة التبت وغيرها للمساعدة على تحسين النظريات الفيزيائية الفلكية حول ما يحدث بالضبط داخل هذه البيئات القاسية عبر الكون.

مرجع: https://arxiv.org/abs/1906.05521:
الاكتشاف الأول لفوتونات تحمل طاقة تتجاوز 100 تيرا إلكترون فولت من مصدر فيزيائي فلكي.

المزيد من المقالات حول عالم الفضاء

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!