Article image
أفراد الكادر الطبي وهم يأخذون عينات لاختبار فيروس كورونا في محطة مخصصة للقيام بذلك أثناء القيادة في سان فرانسيسكو.
مصدر الصورة: جاستن سوليفان / جيتي إيماجز



يمكن لإنشاء فريق من أمناء المكتبات وطلاب الطب وغيرهم للتعرف على حالات العدوى وعزلها أن يكون خطوة حاسمة في عودة المدينة إلى العمل.

2020-04-15 19:15:31

10 أبريل 2020

في واحدة من أولى مواجهات كورونا في الولايات المتحدة، تقوم مدينة سان فرانسيسكو بإنشاء فريق عمل لمقابلة وتتبع جميع الأشخاص المخالطين لمرضى تم تأكيد إصابتهم بفيروس كورونا. يتمثل الهدف من ذلك في العثور على الأشخاص الذين انتقلت العدوى منهم وإليهم، على أمل عزل المرضى المصابين وتنبيه الأشخاص الذين من المحتمل أن يكونوا قد تعرضوا للعدوى، ووقف انتشار الفيروس في نهاية المطاف.

تقوم إدارة الصحة العامة بدعم موظفيها بأمناء المكتبات في المدينة وعشرات الباحثين وطلاب الطب وغيرهم من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. وقد بدأ العاملون في مجال الصحة في المدينة بالفعل بتتبع الأشخاص المخالطين على مستوى صغير، لكنهم يخططون لزيادة هذه الجهود بشكل كبير خلال الأسابيع القليلة القادمة. يضم الفريق الآن حوالي 40 شخصاً ويمكن أن يرتفع العدد إلى 150.

سيقوم فريق العمل بإجراء مقابلات مع كل المرضى الذين تم تأكيد إصابتهم بالعدوى وتقديم الدعم اللازم للتأكد من أنهم جميعاً يخضعون للعزل الذاتي، وصولاً إلى مساعدتهم في العثور على مأوى والوصول إليه إذا لزم الأمر. كما يتوقعون الوصول إلى ما بين ثلاثة وخمسة أشخاص قام المرضى بمخالطتهم خلال الأيام السابقة. وسيقومون بتنبيههم من احتمال تعرضهم للإصابة، والطلب منهم الحدّ من اختلاطهم بالناس، وتشجيعهم على الذهاب للخضوع للاختبار أو إحضاره إليهم. ومن شأن الأشخاص الذين يتم تأكيد إصابتهم من بين هؤلاء أن يؤدوا إلى جولات أخرى من المقابلات وتتبع المخالطين.

يقول مايكل ريد، الأستاذ المساعد في الأمراض المُعدية لدى جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، الذي يقوم بتنسيق مساهمات الجامعة في هذا الجهد: “لقد أدركنا بشكل أساسي أنه إذا كنا نأمل بفعل ما هو أكثر من العزل المنزلي، فنحن في حاجة إلى إستراتيجية قوية ومستدامة لاحتواء الفيروس، بحيث يمكنها التعرّف على كل الحالات الجديدة والمخالطين لها. ويجب تطبيق ذلك في المدى المتوسط على الأقل، حتى نتوصل إلى لقاح”.

وقد اتخذت منطقة خليج سان فرانسيسكو بعض أولى الإجراءات وأشدها صرامة في الولايات المتحدة لإبطاء تفشي المرض، ويبدو أنها نجحت في تسطيح منحنى المرض. لكن لا يزال هناك في المنطقة إبلاغ عن مئات الحالات الجديدة يومياً، مع ازدياد عدد الوفيات.

يعدّ فيروس كورونا المستجد شديد العدوى، حيث ينقله كل شخص مصاب إلى ما بين شخصين وثلاثة أشخاص آخرين في المتوسط، في ظل غياب إجراءات التباعد الاجتماعي. ويقول ريد إنه إذا كان معامل الانتشار لفيروس كورونا يبلغ 3 حسب أعلى التقديرات، فيمكن أن تتضاعف حالة العدوى الواحدة إلى أكثر من 59 ألف حالة خلال 10 جولات من انتقال العدوى. ويضيف: “لذا عليك الوصول إلى المخالطين الآخرين بأسرع وقت ممكن وإخبارهم بالبقاء… في المنزل”.

وتقوم أماكن أخرى، من أبرزها ماساتشوستس، أيضاً ببذل جهود كبيرة في التتبع، للتعرف على الآلاف من السكان الذين ربما تعرضوا للعدوى والتواصل معهم. لكن يمكن لكيفية قيام منطقة خليج سان فرانسيسكو بذلك -ولاحتمال أن تساعد هذه الجهود في إبطاء الانتشار الحالي ومنع تفشي المرض بشكل كبير- أن تقدم دروساً أو تحذيرات حاسمة.

استجابة شديدة مبكرة

شهدت منطقة خليج سان فرانسيسكو بعض أولى حالات الإصابة بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، وكذلك العلامات المبكرة على انتشاره في المجتمع، من خلال حالة مجهولة المصدر في 26 فبراير. وفي 16 مارس، أصدرت ست مقاطعات أوامر لما يقرب من سبعة ملايين نسمة بقضاء أغلب أوقاتهم في منازلهم لأسابيع. وبعد ثلاثة أيام، أصبحت كاليفورنيا أول ولاية تطرح مثل هذه الإجراءات على مستوى الولاية، حيث أصدر الحاكم جافين نيوسوم أمراً لما يقرب من 40 مليون شخص بالعزل في منازلهم.

يبدو أن هذه الإجراءات كانت مفيدة؛ إذ يمكن أن تصل الوفيات اليومية في كافة أنحاء ولاية كاليفورنيا إلى ذروتها في وقت مبكر من الأسبوع المقبل وربما تصل إلى الصفر بحلول منتصف مايو، وفقاً لنماذج كل ولاية على حدة من جامعة واشنطن. ويبدو أن أعداد الحالات الجديدة في سان فرانسيسكو -حيث تم تأكيد إصابة أكثر من 600 شخص ووفاة تسعة أشخاص- قد تباطأت في الأيام الأخيرة

لكن نجاح منطقة خليج سان فرانسيسكو في إبطاء الانتشار قد يعني أيضاً أن جزءاً كبيراً من سكانها لا يتمتعون بالمناعة، مما يجعل المنطقة أكثر عرضة لإعادة دخول المرض من المناطق التي لم تستجب بسرعة للخطر، مثل تكساس، كما يقول جورج رذرفورد، عالم الأوبئة في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. ويضيف: “سيتعين علينا أن نتتبع أعداد الحالات بحذر شديد”.

وسيكون تكثيف الاختبارات أيضاً أمراً بالغ الأهمية للتتبع الفعال للمخالطين؛ حيث يجب على الباحثين أن يتمكنوا من اختبار كل الأشخاص الذين يعانون من الأعراض وكذلك كل الأشخاص الذين خالطوهم، والحصول على النتائج بسرعة. لدعم هذه الجهود واحتواء تفشي المرض بشكل محلي، قد تحتاج مدينة سان فرانسيسكو إلى إجراء اختبارات لما يصل إلى 130 ألف حالة شهرياً، حسب تقديرات رذرفورد.

ليس من الواضح عدد الاختبارات التي يمكن للمدينة أن تقوم بها حالياً، ولكن العدد يتزايد بسرعة. تتولى الآن شراكة بين جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو ومركز تشان زوكربيرج بيوهب إجراء اختبارات لألفي عينة يومياً وتسعى للوصول إلى ٤ آلاف اختبار (أي من ٦٠ ألف اختبار إلى ١٢٠ ألف اختبار شهرياً). ويقوم عدد من المجموعات الأخرى أيضاً بإجراء اختبارات، بما في ذلك مستشفى زوكربيرج سان فرانسيسكو العام، والمختبرات العامة التابعة لإدارة الصحة، والعمليات التجارية مثل مؤسسة كايزر بيرماننت ومركز كاليفورنيا الطبي العام.

دور التكنولوجيا

تعدّ عملية تتبع المخالطين مهمة شاقة في الغالب، مما يعني أنه لا يمكنها في كثير من الأحيان التعرّف على كل المصابين والمخالطين لهم خلال أوقات الذروة من تفشي المرض. ولكن هناك بعض الأدوات والتقنيات التي يمكن أن تساعد في القيام بذلك.

لإدارة الحالات والرعاية المستمرة، سيستخدم فريق العمل في سان فرانسيسكو تطبيقاً يعمل عبر الإنترنت والهاتف لتتبع المخالطين، الذي طورته شركة ديماجي Dimagi، التي يقع مقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس. من بين أمور أخرى، سيقوم التطبيق بإرسال رسائل نصية يومية إلى الأشخاص الذين يحتمل أن يكونوا قد تعرضوا للعدوى، ويسألهم عما إذا ظهرت عليهم الأعراض. إذا كان الأمر كذلك، فسيقوم بتعيين العمال لمتابعتهم وتقديم إرشادات إضافية.

سيطلب الفريق أيضاً من المرضى منحه الإذن لمتابعة بيانات الموقع في هواتفهم، التي يمكن أن تساعد في تقديم صورة أشمل عن أماكنهم وعن الأوقات التي ربما كانوا فيها في مناطق مزدحمة. ولكن بدون الوصول إلى بيانات الهاتف على مستوى السكان، لن يتمكن الفريق من تتبع كل المرات التي يلتقون فيها مع الآخرين، أو من تتبع أولئك الأشخاص.

وقد اتخذت دول مثل الصين وكوريا الجنوبية خطوات أكثر صرامة لمراقبة تحركات سكانها عن كثب خلال تفشي الجائحة، حيث طلبت الصين من مواطنيها تنزيل تطبيقات، بينما استفادت كوريا الجنوبية من مصادر البيانات الشخصية. أتاحت هذه الجهود لتلك البلدان أتمتة عمليات تتبع المخالطين وتوسيع نطاقها بشكل فعال.

وقد أفادت التقارير بأن الصين تعرّفت على أكثر من 700 ألف شخص خالطوا مصابين ومشتبهاً بإصابتهم، وتعرّفت على عشرات آلاف الإصابات بالعدوى.

ولكن بسبب قوانين الخصوصية ومخاوفها، هناك قيود أكبر حول نوع بيانات الموقع التي يمكن لمسؤولي الصحة في الولايات المتحدة استخدامها. تستكشف الحكومة الفدرالية والمجموعات البحثية شتى الطرق المتنوعة لتتبع المخالطين بشكل طوعي ومجهول الهوية، وذلك باستخدام الهواتف المحمولة والتطبيقات وغيرها من الأدوات الأخرى. يمكن لهذه الأدوات أن تخبر الناس بما إذا كانوا بالقرب من شخص مصاب أم لا، فضلاً عن أمور أخرى.

يقول ريان كالو، أستاذ القانون بجامعة واشنطن، الذي يركّز على قضايا الخصوصية الرقمية، إنه ليس من الواضح ما إذا كانت الكتلة الأكبر من الناس ستسمع عن هذه التطبيقات أو ستختار تنزيلها. ويقول إنه إذا قام عدد قليل من الأشخاص بالتسجيل في جهود التتبع هذه، فقد يؤدي ذلك على الأقل إلى تقويض فعاليتهم وقد يمنح بعض المستخدمين شعوراً زائفاً بالثقة حول الأماكن العامة التي يمكنهم الخروج إليها بأمان.

استمرار التباعد الاجتماعي

حتى إذا قامت المناطق بتكثيف الاختبارات وتتبع المخالطين وانخفضت الإصابات والوفيات، فلن تعود الحياة ببساطة إلى طبيعتها في أي وقت قريب.

يقول رذرفورد إنه إذا كانت منطقة خليج سان فرانسيسكو تأمل في تخفيف قواعد العزل المنزلي، فسيتعين عليها استبدال تدابير العزل هذه بتدابير احتواء أشد بكثير. ويقول إن من بين الإجراءات الأخرى استمرار بقاء الفئات المعرضة للخطر مثل كبار السن في المنازل، كما ينبغي على بقية السكان ارتداء كمامات في الأماكن العامة والابتعاد عن الآخرين نحو مترين تقريباً. وسيتعين أيضاً على المباني وأماكن العمل والمطاعم اتخاذ الاحتياطات اللازمة للحفاظ على سلامة الأشخاص والفصل بينهم، من خلال إخلاء الطاولات وزيادة المناوبات وتوفير مطهر للأيدي عند الأبواب.

وقد تحتاج هذه المناطق أيضاً إلى إجراء اختبارات واسعة النطاق من نوع آخر، من خلال اختبار الأجسام المضادة التي تشير إلى ما إذا كان الأشخاص قد تعرضوا للإصابة بالعدوى سابقاً، وذلك من أجل تحسين فهمنا لكيفية تفشي الأوبئة الثانوية الكبيرة وأنواع الجهود المستمرة التي لا بدّ من الحفاظ عليها قبل تخفيف القواعد الأخرى، كما يقول ويليام ميلر، أستاذ علم الأوبئة في جامعة ولاية أوهايو. 

وقد بدأ اختبار الأجسام المضادة للتو في الولايات المتحدة، وذلك من خلال جهود المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها وجامعة ستانفورد وإحدى مقاطعات كولورادو، فضلاً عن غيرها.

ولكن حتى مع كل هذه الإجراءات، من المرجح أن تستمر بعض الحالات بالظهور أحياناً. إذا كانت هذه المناطق تأمل في إبقاء عدد حالات العدوى منخفضاً وإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح، فلا بدّ للناس والسياسيين من الاستعداد والتأهب للتناوب بسرعة بين الإجراءات الأكثر صرامة والأكثر مرونة، وذلك لعدة أشهر قادمة ربما.

يقول رذرفورد: “يمكننا أن نعود إلى الحالة الطبيعية عندما يحصل الجميع على اللقاح، وليس قبل ذلك الوقت”.


شارك



محرر رئيسي في مجال الطاقة، إم آي تي تكنولوجي ريفيو