Article image
حلقات زحل كما يراها مسبار الفضاء كاسيني.
مصدر الصورة: ناسا



يشير بحث جديد إلى أن نواة زحل أقرب إلى تكوين الموائع منها إلى التكوين الصلب، وهذه الطبيعة تغلب على الجزء الأكبر من جوف الكوكب أكثر مما نعتقد.

2021-08-22 19:38:11

22 أغسطس 2021

زحل كوكب فريد من نوعه في نظامنا الشمسي، حيث يتميز بحلقاته الضخمة التي يبلغ قطرها نحو 280,000 كيلومتر. وقد تبين أن مكوناته الباطنية فريدة من نوعها أيضاً؛ حيث تشير دراسة جديدة تم نشرها مؤخراً في مجلة نيتشر لعلوم الفضاء (Nature Astronomy) إلى أن الكوكب السادس من حيث البعد عن الشمس لديه نواة ذات طبيعة “غامضة”، تتموج من غير استقرار.

إنه اكتشاف مثير للدهشة. يقول كريستوفر مانكوفيتش، عالم الكواكب في معهد كاليفورنيا للتقنية والمؤلف المشارك للدراسة الجديدة، إلى جانب زميله جيم فولر: “إن الصورة التقليدية المعروفة عن باطن زحل أو باطن المشتري هي أنها نواة مضغوطة من مادة صخرية أو جليدية، محاطة بغلاف منخفض الكثافة من الهيدروجين والهيليوم”.

ما لمحه مانكوفيتش وفولر “هو في الأساس نسخة غير واضحة من تلك البنية التقليدية”. فبدلاً من رؤية حدود دقيقة ومنظمة تفصل الصخور الثقيلة والجليد عن العناصر الأخف، وجدا أن النواة في حالة متقلبة يصعب معها وجود حالة وحيدة وواضحة من التمايز.

تمتد هذه النواة المتناثرة إلى حوالي 60% من نصف قطر زحل تقريباً، وهي تمثل قفزة هائلة تتراوح من 10% إلى 20% من نصف قطر كوكب تحتل جوفه نواة تقليدية.

أحد الجوانب الأكثر غرابة للدراسة هو أن النتائج لم تكن حصيلة سبر النواة بشكل مباشر، وهو أمر لم يكن في مقدورنا يوماً. وإنما لجأ مانكوفيتش وفولر إلى بيانات قياس الزلازل على حلقات زحل، التي جمعتها لأول مرة بعثة كاسيني التابعة لناسا، والتي استكشفت نظام زحل من العام 2004 إلى العام 2017.

يقول مانكوفيتش: “إن زحل يتصرف مثل الجرس الذي يُقرع طوال الوقت”. عندما ترتعش النواة فإنها تولد اضطرابات ثقالية تؤثر على الحلقات المحيطة، وهو ما يولد “موجات” دقيقة يمكن قياسها. عندما كانت نواة الكوكب تتأرجح، كانت كاسيني قادرة على دراسة الحلقة C لزحل (وهي كتلة الحلقات الثانية باتجاه الخارج) وقياس “الرنين” الثقالي الخافت ولكنه ذو تواتر ثابت، والذي ينشأ عن حركة النواة المستمرة.

قام مانكوفيتش وفولر بتفحص البيانات وأنشأا نموذجاً لبنية زحل بهدف تفسير هذه الموجات الثقالية، وأسفرت النتائج عن وجود بنية داخلية غامضة. يقول مانكوفيتش: “هذه الدراسة هي الدليل المباشر الوحيد حتى اليوم على وجود بنية جوفية متناثرة داخل كوكب ذي طبيعة سائلة”.

يعتقد مانكوفيتش وفولر أن تفسير هيجان البنية الداخلية هو أن الصخور والتكوينات الجليدية الواقعة بالقرب من مركز زحل كلها قابلة للذوبان في الهيدروجين، ما يسمح للنواة بالتصرف كمواد سائلة بدلاً من التصرف كمواد صلبة. يشير نموذجهما إلى أن بنية زحل المتناثرة تحتوي على كميات من الصخور والجليد تفوق كتلة الأرض بأكملها بما يزيد عن 17 ضعفاً، وهو ما يمنحنا تصوراً عن الكمية الهائلة من المواد التي ترتعش في باطن الكوكب.

قد يكون للنواة المتناثرة بعض الآثار الكبيرة على سلوك زحل. أكثر هذه الآثار أهمية هي أنها قد تتسبب في استقرار جزء من باطن الكوكب في وجه التسخين الناجم عن الحمل الحراري، ولولا هذا الأثر لتعكر “مزاج” جوف زحل بمزيد من الاضطراب. في الواقع، يؤدي هذا التأثير المساعد على الاستقرار إلى ظهور موجات ثقالية داخلية تؤثر على حلقات زحل. علاوة على ذلك، فإن النواة المتناثرة تفسر ارتفاع درجات الحرارة على سطح زحل مقارنة بما تقترحه النماذج التقليدية للحمل الحراري.

ولكن مانكوفيتش يعترف بأن النموذج لديه قصور في بعض النواحي الهامة؛ فهو يعجز عن تفسير ما لاحظه العلماء بشأن المجال المغناطيسي لزحل، وهو أمر غريب من نواحيَ كثيرة، فهو يُظهر على سبيل المثال تناظراً شبه مثالي على محوره، وهو أمر بالغ الغرابة. يأمل مانكوفيتش وفولر في أن تتمكن الأبحاث المستقبلية من الإحاطة بطبيعة جوف زحل بمزيد من الدقة وإرشاد العلماء إلى كيفية تأثير نواة الكوكب على مجاله المغناطيسي.

كما أنهما يأملان في أن تتمكن بعثة جونو التابعة لناسا من كشف النقاب عن وجود نواة متناثرة مماثلة في باطن المشتري. من شأن هذا أن يسهم كثيراً في تأكيد الشكوك القائلة بأن تشكل الكواكب العملاقة، هي عملية تؤدي بطبيعتها إلى ظهور تكوينات متدرجة من المواد بدلاً من النوى النقية والصلبة. ويبدو أن هناك بعض الأبحاث التي تعتمد على بيانات الجاذبية -التي جمعتها جونو- تدعم هذه الفكرة أيضاً.