Article image
يقوم الروبوت الذي طورته شركة إس كي للاتصالات في كوريا الجنوبية بمراقبة درجات حرارة الأشخاص والتحقق من ارتدائهم للكمامات.
مصدر الصورة: شانج سانج-جن | صور جيتي



في انتظار التوصل إلى علاج أو لقاح لكوفيد-19، ستعتمد الصحة العامة بشكل كبير على قرارات قادة الأعمال التي يمكن للتكنولوجيا والتفكير المنهجي المساعدة في اتخاذها.

2020-05-31 18:49:32

31 مايو 2020

لعل أكبر التأثيرات المترتبة على إعادة فتح الاقتصادات الوطنية هو انتقال المسؤولية والمساءلة في التعامل مع وباء كوفيد-19 من عاتق القطاع العام إلى عاتق القطاع الخاص. وخلال فترة وجيزة، سيقوم الرؤساء التنفيذيون للشركات الخمسمئة في قائمة فورتشون وأصحاب الشركات الصغيرة على حدٍ سواء باتخاذ قرارات لا تؤثر على حُسن سير أعمالهم فحسب، وإنما أيضاً على صحة الأشخاص الذين يعملون معهم (مثل الموظفين والمتعاقدين والعملاء والمورِّدين)، وهو ما يؤثر بدوره على صحة أُسرهم وأصدقائهم وجيرانهم. وأمام هذا القدر الكبير من المخاطر، كيف ينبغي على قادة الأعمال التخطيط للعمل في مرحلة الانتعاش اللاحقة لفترة البقاء في المنزل؟

إليكم إطار عمل بسيط وفعال لمساعدتكم في رسم الخطة المناسبة.

يعود سبب المشكلة الإدارية إلى وجود فجوة في المعلومات… لو توافرت هذه المعلومات بين أيدينا، لما حدثت أزمة اقتصادية.

يعود سبب الأزمة الحالية إلى المشكلة الصحية المتمثلة في عدم وجود علاج أو لقاح ضد فيروس كورونا المستجد حتى الآن. وبالطبع لا يستطيع المدراء فعل شيء يُذكر حيال هذا الأمر. ولكن، وفي انتظار حل المشكلة الصحية، ستكون أماكن العمل مكاناً يقوم فيه الأشخاص المصابون بنقل العدوى إلى الآخرين. مما يتسبب في مشكلة إدارية تتطلب حلولاً إدارية يستطيع المدراء الاضطلاع بها.

 

تتمثل المشكلة الإدارية في ما إذا كان سيتم إعادة فتح الأعمال وكيفية القيام بذلك، آخذين بعين الاعتبار أن انتشار الفيروس في مكان العمل لا يزال يشكِّل تهديداً حقيقياً. ويعود سبب المشكلة الإدارية إلى وجود فجوة في المعلومات؛ إذ إننا لا نعرف هوية المصابين بالفيروس (الذين يمكن أن ينقلوا العدوى)، ولا هوية الذين أُصيبوا سابقاً (وتشكلت لديهم المناعة)، ولا هوية الأشخاص الذين لم يصابوا به قط (المعرَّضون للإصابة). ولو توافرت هذه المعلومات بين أيدينا لما حدثت أزمة اقتصادية، ولكُنّا ببساطة فرضنا الحجر الصحي على الأشخاص الناقلين للعدوى، بينما تتابع الغالبية العظمى من الأشخاص غير المصابين ممارسة الحياة كالمعتاد. وبعبارة أخرى، إن عدم امتلاك هذه المعلومات يكلفنا، وفق أحد التقديرات، 375 مليار دولار شهرياً على مستوى العالم. وفي غياب هذه المعلومات، فإن الشروع في مرحلة تعافي الاقتصاد يتطلب منا إيجاد الحلول للمشكلة الإدارية.

وهناك نوعان من الحلول لهذه المشكلة:

أولاً: الحلول المستندة إلى المعلومات، والتي تتضمن التنبؤ بالأشخاص الناقلين للعدوى وأولئك الذين يتمتعون بالمناعة، ومن ثم استخدام هذه المعلومات لتحديد الأشخاص الذين يستطيعون العودة إلى مكان العمل.

وثانياً: بما أن هذه التوقعات ستكون حتماً ناقصة، هناك الحلول التي يجب فرضها بشكل دائم، والمتمثلة في التقنيات والعمليات التي تحدّ من انتشار الفيروس عندما يعود ناقلو العدوى إلى العمل. ويمثل الإغلاق أكثر الحلول الدائمة تطرفاً، أما إعادة فتح الاقتصاد فتتطلب حلولاً أكثر تمايزاً.

الحلول المبنية على المعلومات

هناك العديد من الطرق لجمع المعلومات حول الأشخاص الذين يرجح أن يكونوا ناقلين للعدوى. ولعل أكثر هذه الطرق وضوحاً يتمثل في اختبار الناس لكشف إصابتهم بفيروس كورونا المستجد (على سبيل المثال، باستخدام مسحات المسلك البلعومي الأنفي). وعلى الرغم من أن هذه الاختبارات قد تكون غير موثوقة أحياناً أو غير متاحة بسهولة أو تستغرق بضعة أيام للحصول على نتائجها، إلا أنه من المفترض أن يتحسن هذا الوضع بمرور الوقت. ونتوقع في نهاية المطاف أن تتمكن الشركات من اختبار الموظفين على نطاق واسع ومتكرر.

وهناك طريقة أخرى لجمع المعلومات وهي مراقبة الأعراض، وخاصة الأعراض الخفيفة التي قد لا يلاحظها المريض. وفي بعض البلدان، يتم بالفعل قياس درجة حرارة الأشخاص قبل السماح لهم بالدخول إلى المكتب أو المطعم أو الطائرة أو القطار النفقي. وعلى الرغم من فائدة هذه الطريقة، إلا أنها تبقى ناقصة؛ فقد يعاني بعض الأشخاص من الحمى ولكنهم غير مصابين بفيروس كورونا، بينما قد يكون البعض الآخر مصاباً بالفيروس دون أن يعاني من الحمى. ولذلك فإن الجمع بين قياس درجة الحرارة ومعلومات تشخيصية أخرى مثل أخذ صور الأشعة السينية للصدر في المستشفى وقياس مستويات الأكسجين في الدم قد تساهم في تحسين دقة التشخيص. وعلى الرغم من أن دقة هذه الطرق في جمع المعلومات ستكون أقل من الاختبارات المباشرة للإصابة بالفيروس، إلا أنها قد تكون أرخص وأسرع وأسهل بالنسبة لأصحاب العمل بما يمكِّنهم من تنفيذها بانتظام وعلى نطاق واسع.

كما تتوافر طرق لمراقبة مناطق مختلفة من مكان العمل بحثاً عن علامات تفشي المرض، حتى لو كانت هوية المصابين غير معروفة. حيث يتم العمل على تطوير أجهزة استشعار يمكنها الكشف عن وجود فيروس كورونا في الهواء. بينما تستطيع اختبارات أخرى أن تلتقط آثار الفيروس في مياه الصرف الصحي. كما يمكن لأدوات التعلم الآلي أن تجمع بين هذه الاختبارات والمعلومات التي توفرها أجهزة استشعار أخرى للتنبؤ باحتمال إصابة شخص ما في مبنى أو حي، وطلب اختبارات فردية للجميع هناك. وقد وصفنا في كتابنا “آلات التنبؤ” كيف يسمح التقدم في الذكاء الاصطناعي بإجراء تنبؤات أكثر تعقيداً باستخدام مجموعة واسعة من مصادر البيانات من قبيل تلك التي ذكرناها أعلاه.

تكمن المشكلة في الطبيعة الاحتمالية للحلول المستندة إلى المعلومات، وبالتالي لا مفر من وقوع بعض الأخطاء. ولتوضيح هذه الطبيعة الاحتمالية، يوفر الاحتيال على بطاقة الائتمان مثالاً جيداً: لنفترض أن البنك تلقى تحذيراً من احتمال أن تكون معاملة بطاقة الائتمان احتيالية بنسبة 1%، فهل ينبغي على البنك رفض المعاملة أو السماح بمتابعتها؟ كيف يمكن ربط هذا القرار بالربح الذي يوفره العميل للبنك؟

وهكذا هو الأمر في حالة التعامل مع فيروس كورونا: هل يجب أن تستمر شركتك في العمل إذا كانت هناك فرصة بنسبة 1% لدخول شخص مصاب إلى مقر الشركة؟ ماذا لو كان هذا الاحتمال 5% أو 0.1%؟ تعتمد الإجابة على الفوائد المتعلقة بالتكاليف، وعلى الموازنة بين أهمية فتح مكان العمل مقابل خطر تفشي العدوى. في الواقع، هذا هو السبب في استمرار فتح المتاجر الكبرى والصيدليات وغيرها من الأعمال التجارية الأساسية طوال الأزمة من دون أي حل فعلي قائم على المعلومات؛ إذ إنه من الواضح جداً أن فوائد الاستمرار في فتح هذه الأماكن كانت كبيرة للغاية. ومن ناحية أخرى، يمكن للعديد من شركات الخدمات المهنية أن تتابع عملها عن بعد بشكل جيد مع الاستمرار في إغلاق مكاتبها.

وحتى إذا لم تتمكن من تقليل احتمال دخول الفيروس مكانَ العمل إلى الصفر، فإنك تستطيع الحد من تأثيره في حال حدوث ذلك. وهنا يأتي دور الحلول التي يجب تطبيقها بشكل دائم.

الحلول الدائمة

ريثما يتم تعزيز حلول إدارة المعلومات التي ناقشناها أعلاه، ستكون الحلول الدائمة هي النهج الأساسي الذي يستخدمه المدراء لإعادة فتح أعمالهم.

ينبغي على جميع أنواع القرارات التي كانت ستُتخذ سابقاً على أساس الإنتاجية والكفاءة أن تأخذ في الاعتبار اليوم إمكانية نقل العدوى. ففي مجال المطاعم، أصبح الآن تدفق الأشخاص الداخلين والخارجين من المطبخ مشكلة في إدارة مخاطر العدوى. وفي مجال بيع الأزياء بالتجزئة، أصبحت القرارات المتعلقة بفتح غرف تبديل الملابس أو السماح للعملاء بتجربة الثياب في الوقت الحالي تمثل مشكلات في إدارة مخاطر العدوى. إن الانتقال من استخدام المستندات المادية إلى المستندات الرقمية يساعد في التقليل من خطر الإصابة بالعدوى بالإضافة إلى زيادة الكفاءة وإهدار كمية أقل من الورق. كما أن خطر انتقال الفيروس عن طريق تبادل العملات النقدية أدى إلى ارتفاع الفوائد النسبية لأنظمة الدفع الرقمية.

وحتى الآن، رأينا نوعين أساسيين من الحلول الدائمة:

النوع الأول لا يغير عدد أو طبيعة التفاعلات بين الأشخاص ولكنه يهدف إلى جعل هذه التفاعلات أقل خطورة. ويندرج ضمن هذا النوع أشياء من قبيل الأقنعة ومحطات تطهير اليدين وشاشات الزجاج الشبكي في مكاتب الاستقبال ومحطات محاسبة الزبائن.

أما النوع الثاني فيمثل الحلول التي تهدف إلى تقليل التفاعل بين الناس. ويشمل ذلك إعادة تصميم المساحات (لتقليل التفاعلات أو الملامسة الكثيفة للأسطح)، وإعادة تصميم تدفق العمل (لتمكين إنجاز العمل على التوازي أو التسلسل عوضاً عن إتمامه بشكل مشترك)، وإعادة تصميم عمليات إدارة الأشخاص (لتقليل التفاعلات عبر المجموعات أو الفرق). ويندرج ضمن هذا النوع أيضاً تخفيض الاستطاعة؛ سواءً من جانب الموظفين (من خلال تسريح العمال والإجازات) أو من جانب العملاء (من خلال وضع حدود لمستويات الإشغال).

في المرحلة التالية من التعافي بعد كوفيد-19، سيبدأ العديد من الرؤساء التنفيذيين للشركات الكبرى بالتصرف مثل رؤساء الدول ورؤساء الوزراء.

لا شك في أن الحلول الدائمة تفرض تكاليف إضافية على الشركات؛ فهناك تكاليف مباشرة لأشياء مثل معدات الحماية والتنظيف المتكرر. وإذا كان الحل الدائم يتضمن تخفيض الاستطاعة، فسوف تنخفض الأرباح. وأخيراً، قد تؤدي إعادة تصميم المساحات وتدفق العمل والعمليات إلى انخفاض الإنتاجية والكفاءة ومستوى رضا العمال. وبالطبع، يمكن أن تؤدي بعض التغييرات إلى زيادة الإنتاجية؛ حيث تشير بعض الشركات -وخاصة تلك الموجودة في المدن المزدحمة مثل نيويورك- إلى أن العمل من المنزل قد جعلها أكثر إنتاجية، ويرجع ذلك أساساً إلى أنه يلغي التنقلات الطويلة.

 

تختلف فعالية الحلول الدائمة باختلاف نوع الأعمال التجارية؛ فالحفاظ على الابتعاد الاجتماعي في مراكز الحدائق أسهل من الالتزام به في صالونات الحلاقة. وتختار بعض الشركات عدم فتح أبوابها حتى لو كان مسموحاً لها بذلك؛ فقد اختارت العديد من المطاعم الاستمرار في تعليق خدمات تقديم الطعام داخلها؛ ففي ظل الالتزام بالابتعاد الاجتماعي، لا يمكنهم السماح بدخول عدد من الزبائن في وقت واحد بما يكفي لتعويض تكاليف عمال النظافة وموظفي تقديم الطعام.

المستقبل تحدده خياراتك

بصفتك مديراً، فأنت مسؤول عن صياغة الحلول المستندة إلى المعلومات والحلول الدائمة في مؤسستك. ويجب أن تقرر حجم المعلومات التي يجب جمعها حول هوية ناقلي العدوى والمحصنين، وكيفية جمع تلك المعلومات وبأية وتيرة، وكيفية التصرف بناءً على مقدار المخاطر التي تستطيع مؤسستك تحملها. يجب عليك أيضاً أن تقرر كيفية تغيير العمليات اليومية للحد من انتشار المرض في حالة وصول الشخص المصاب إلى مكان عملك، والنظر في كيفية تأثير هذه التغييرات على كل من السلامة والإنتاجية. لا جدوى من إعادة العمال إلى المكتب إذا كانت الحلول الدائمة تمنعهم من أداء وظائفهم بشكل أفضل مما كان يمكن أن يقدموه لو استمروا في العمل من منازلهم.

ستحدد هذه القرارات مجتمعة ما إذا كان نشاطك التجاري يمكنه البقاء والازدهار أثناء انتظار العلاج أو اللقاح. وتنطوي هذه القرارات على مقايضات محسوبة وفهم للمخاطر وعزم على الابتكار.

في المرحلة التالية من التعافي بعد كوفيد-19، سيبدأ العديد من الرؤساء التنفيذيين للشركات الكبرى بالتصرف مثل رؤساء الدول ورؤساء الوزراء؛ حيث سيقومون بالإبلاغ عن عدد الإصابات والوفيات، وشرح إستراتيجياتهم للحفاظ على منحنياتهم مسطحة، وتحديد مدى سرعة تخفيف إجراءات العزل، والانتقال إلى وضع إدارة الأزمات عندما يكون هناك تفشٍّ للوباء. سيكون البعض مثل الولايات المتحدة، والبعض الآخر مثل السويد. وسيتم التدقيق في أولئك الرؤساء المتطرفين الذين يختارون إستراتيجيات غير مألوفة أو يعانون من معدل إصابات أعلى من نظرائهم. حيث يكمن التحدي الذي يواجههم في أن كل قرار يتخذونه ينطوي على مقايضة بين الربح على المدى القصير والسلامة، وبالتالي ينطوي على بعض المخاطر. إذا وقعت المأساة -كما هو محتمل بالنسبة للبعض- فإن السؤال المركزي لن يكون على من يقع اللوم، ولكن عمّا إذا كانت المخاطرة التي أقدموا عليها قراراً حكيماً.

المؤلفون هم مصممو مختبر التدمير الإبداعي سي دي إل (CDL)، وهو منظمة غير ربحية تهدف إلى تسريع تسويق العلوم من أجل تحسين حياة البشر. ويهتم برنامج سي دي إل للتعافي الذي أطلقوه مؤخراً بدعم المشاريع الريادية التي تقوم بتطوير حلول قائمة على المعلومات لأزمة كوفيد-19. جوشوا جانز هو مؤلف كتاب الاقتصاد في عصر كوفيد-19 (إم آي تي برس، 2020).