لقد اعتادت مملكة الخدمات المالية أن تكون أذكى الفاعلين وأحدثهم وأكثرهم جذباً في مجال التكنولوجيا المالية بالمقارنة مع العائلات/الشركات الكبرى المملة.

2020-04-01 10:19:28

01 مارس 2020
Article image

في المستقبل القريب، لا شك أن الفاعلين في قطاع التكنولوجيا المالية، بدءاً من الشركات الناشئة العادية ووصولاً إلى الشركات الناشئة أحادية القرن (أي التي يتجاوز رأسمالها مليار دولار)، سيواصلون جهودهم لتحدي العائلات/الشركات التقليدية الكبرى في مملكة الخدمات المالية. ومع حلول العام 2020، نقدم إليكم مجموعةً من الملاحظات حول الاتجاهات السائدة الحالية في هذه المملكة، والتي نتوقع استمرار العديد منها هذا العام في إعادة تشكيل المشهد التنافسي من جديد.

الاستثمارات تصبح أكثر استهدافاً

تتنامى الحاجة إلى اتساق نموذج العمل مع تزايد انتقائية المستثمرين بخصوص المجالات التي يستثمرون أموالهم فيها. وعلى الرغم من استمرار التصاعد في الاستثمارات العالمية في التكنولوجيا المالية خلال السنوات القادمة، فإن المستثمرين يبحثون بشكل متزايد ليس فقط عن شركات مبنية على أفكار جديدة، وإنما أيضاً عن شركات قد أثبتت قدرتها على توليد قيمة وإيرادات. وهذا لا ينطبق على الشركات الناشئة فحسب، وإنما أيضاً على شركات التكنولوجيا المالية تلك والتي تمكنت بالفعل من جمع التمويل وتأمينه. وتواجه شركات التكنولوجيا المالية التي لا تملك رؤية واضحة لتحقيق الدخل صعوبة أكبر من ذي قبل، أما تلك التي تتمتع بهذه الرؤية وتمتلك الأسس السليمة، فهي تخوض معركةً من أجل الحصول على رأس المال. 

التقنيات الجديدة ليست موضع التركيز الأوحد

لقد أدت المنتجات المبتكرة، مصحوبةً بالتسويق الرقمي الخلاق، إلى ظهور الكثير من شركات التكنولوجيا المالية وحيدة القرن مثل ترانسفروايز TransferWise. ومع ذلك، وعلى عكس ما يمكن أن يعتقده البعض، فإن الكثير من الفاعلين في مجال التكنولوجيا المالية لا يعتمدون بالدرجة الأولى على أحدث التقنيات؛ إذ عوضاً عن اختراع أعاجيب تكنولوجية في الخدمات المالية، ابتكر الناجحون في هذا المجال أساليب للاستفادة من البنية التحتية التقليدية القائمة، ليعززوا بذلك المزايا التي تستطيع التقنيات تقديمها. وهذا الأمر يسمح بتطبيقٍ أسرع؛ لأنه يتجاوز المرحلة (أو المراحل) الكلاسيكية (الطويلة أحياناً) للاختبار التجريبي للتقنيات الجديدة، وفي نفس الوقت يسمح بحصاد فوائد المنصات التكنولوجية المجربة سابقاً. إن التطبيق الفعال لعمليات التشغيل هو عاملٌ أكثر أهمية من حداثة التقنيات في تحقيق النجاح. وبعبارة أخرى، يزداد ارتباط التكنولوجيا المالية بالجانب المالي أكثر من ارتباطها بالجانب التقني. 

الوسائل التي كانت ناجحة في الماضي وحتى الآن لن تنجح في المستقبل

لقد لعبت إستراتيجيات “الهاتف المحمول أولاً” (أي الاهتمام بتصميم المنتجات لتناسب الهواتف المحمولة أولاً قبل تصميم إصدارات منها للحواسيب) وتجربة المستخدم المتجددة دوراً هائلاً في التصاعد المطرد للتكنولوجيا المالية. ولا شك أن هذه الأدوات ستبقى الوسائل الأساسية لجذب العملاء والمحافظة عليهم. ولكن، على رغم ضرورتها، فإنها تغدو مع مرور الوقت غير كافية لضمان النجاح في المستقبل. لقد حققت شركات التكنولوجيا المالية نجاحاتها الأولى بفضل تحقيق تجربة للمستخدم تتسم بأنها أكثر ابتكاراً وجاذبية وسهولة في الاستخدام مقارنة بالمزودين التقليديين للخدمات المالية. لكن أيام التعويل حصراً على واجهات مستخدم أنيقة وفخمة لكسب ميزةٍ تنافسية والمحافظة عليها قد ولَّت إلى غير رجعة. فاليوم، يحتاج الفاعلون في مجال التكنولوجيا المالية إلى أساليب جديدة لتحقيق التمايز عن الشركات المالية التقليدية، وخصوصاً مع شروع هذه الشركات في العمل على اللحاق بالركب. على سبيل المثال، تقوم شركة رينيست Rainist في كوريا الجنوبية بحشد طاقاتها مسبقاً بطريقة جديدة عبر بنكسالاد Banksalad، وهي منصة خدمات تسهل خيارات المنتَج المالي لمستخدمي قطاع التجزئة. وتتراوح خدماتها بدءاً من توصيات بمنتجات مالية مصممة خصيصاً للأفراد، ووصولاً إلى تحليل النفقات وإدارتها للشؤون المالية الشخصية، وكل هذا يتم تقديمه عبر واجهة سهلة الاستخدام.

العائلات/الشركات الكبرى تعود إلى حلبة الصراع

إن القصور الذاتي في شركات الخدمات المالية القائمة قد أفسح الطريق تدريجياً نحو الابتكار. ففي مواجهة انقضاض المنافسين (وربما مدفوعة بخسائر مؤلمة للزبائن)، بدأت هذه الشركات أخيراً في تطوير منصاتها الرقمية الخاصة بها. ومع ذلك، وخلافاً لما حدث في التسعينات من القرن الماضي، حين سعى الداخلون إلى مجال التجارة الإلكترونية إلى إزاحة عمالقة تجارة التجزئة التقليديين، فإن العلاقة بين الفاعلين في التكنولوجيا المالية والشركات القائمة هي قطعاً ذات طبيعةٍ تعاونية أكثر. على سبيل المثال، فإن بعض المبتدئين في مجال التكنولوجيا المالية، الذين اختاروا تركيز طاقتهم وجهودهم على التفاعل مع العملاء باستخدام التقنيات المبهرة، قد استفادوا من البنية التحتية الخلفية لبنوك التجزئة المنافسة في معالجة المعاملات والمدفوعات لتنمية أعمالهم. وهذا التعاون الديناميكي لا يتوقف عند هذا الحد؛ فقد انتهى المطاف ببعض الشركات القائمة إلى شراء شركات تكنولوجيا مالية من أجل مواكبة وتيرة الابتكار لديهم ولدرء هجمات المنافسين على حدٍّ سواء. إن شهية الاستحواذ المتزايدة لدى الفاعلين الكبار الراسخين وعمليات دمج سلاسل القيمة وتجزؤ الأسواق ستستمر في تأجيج موجة الاندماج في مجال التكنولوجيا المالية.

انتهت الجلبة

يعتبر الذكاء الاصطناعي (AI) وواجهات برمجة التطبيقات (API) هما الركائز التطويرية القادمة لإنشاء القيمة. ومع ذلك، فلم يبدأ مزودو التكنولوجيا المالية إلا مؤخراً في تضمين الذكاء الاصطناعي وواجهات برمجة التطبيقات من أجل تحسين تجربة المستخدم وتقديم المنتجات، وكذلك لتخفيض تكاليف التشغيل. أحد الأمثلة على ذلك هو البنك الناشئ أوكنورث OakNorth في المملكة المتحدة، والذي جمع 440 مليون دولار في مطلع عام 2019 بعد تطويره أكورن ACORN (والتي أعيدت تسميتها الآن إلى أوكنورث أناليتيكال إنتيلسجينس OakNorth Analytical Intelligence)، وهي منصة آلية معتمدة على اللغة ويستطيع المقرضون التقليديون الانضمام إليها كشركاء لاستخدامها في الارتقاء بعمليات الإقراض لديهم. كما تعتمد شركات الخدمات المالية الشخصية مثل مينت Mint في الولايات المتحدة على الوصول إلى بيانات البنك- والتي يستطيعون جمعها من خلال واجهات مفتوحة لبرمجة التطبيقات- في ابتكار طرق جديدة ومفيدة للعملاء تمكنهم من استعراض وفهم معلوماتهم المالية. سيكون من المستحيل تقديم هذا النوع من الخدمات دون استخدام واجهات برمجة التطبيقات.

التنظيم يحدد ماهية الفرصة السوقية القادمة

ما يستحق الاهتمام والمثير حقاً يكمن في القديم الممل. لطالما اتُّهمت شركات التكنولوجيا المالية بالفشل في الالتزام بالقوانين، لكنها تقوم الآن بتحويل القيود التنظيمية الصارمة إلى فرصٍ جديدة. إن تكنولوجيا التنظيم “Regtech” هي توجُّهٌ فعال جداً اليوم؛ فالاستفادة من التقنيات الجديدة لمساعدة مزودي الخدمات المالية في استيفاء المتطلبات التنظيمية بطريقة أكثر كفاءة تمثل مساراً جديداً للنمو. على سبيل المثال، قامت الشركة سريعة النمو نيكسوس فرونتييرتيك Nexus FrontierTech في المملكة المتحدة بمساعدة بنك عالمي كبير في تشغيل معالجة اللغات الطبيعية من أجل تبسيط وأتمتة عملية “معرفة العملاء”. وقد تم إنجاز ذلك من خلال تحويل البيانات غير المهيكلة- مثل المستندات التي تأتي في أشكال وقوالب وتنسيقات مختلفة- إلى بيانات مهيكلة. والنتيجة الكبرى: لقد تحسن أداء البنك في تلبية متطلبات الامتثال وإدارة العمليات بكفاءة أكبر وتحقيق وفورات هائلة في التكاليف.

الإدراج في سوق الأسهم. كلا

كانت شركات التقنية من قبيل أوبر وليفت وآير بي إن بي Airbnb متحمسةً لإدراج نفسها في سوق الأسهم. لكن يبدو أن شركات التكنولوجيا المالية تميل إلى وجهة نظر مختلفة للغاية. فعلى الرغم من الحاجة إلى ضخ الأموال والمزيد من الاستثمارات، فقد فضَّل الرؤساء التنفيذيون لشركات التكنولوجيا المالية الإبقاء على خصوصية أعمالهم حتى يتجنبوا التدقيق العام الشديد المرافق لإدراجهم بمنزلة كيانات. في الحقيقة، هناك بديل لخيار الظهور العلني في سوق الأسهم كوسيلة لتمويل عملياتهم، وخصوصاً (في الوقت الحاضر) مع التنامي غير المسبوق لنموذج رأس المال المتأخر. وطالما يثير قطاع التكنولوجيا المالية الاهتمام الكافي، فإن الإدراج العام في سوق الأسهم لن يمثل أولوية بالنسبة للشركات أحادية القرن على المدى المنظور.

لقد اعتادت مملكة الخدمات المالية أن تكون أذكى الفاعلين وأحدثهم وأكثرهم جذباً في مجال التكنولوجيا المالية بالمقارنة مع العائلات/الشركات الكبرى المملة. لكن قطاع الصناعة المالية قد أصبح أكثر قدرة على تمييز العوامل المهمة؛ فبينما يستمر الفاعلون المنافسون في مجال التكنولوجيا المالية في البحث عن أساليب جديدة لانتزاع حصصٍ سوقية من أيدي الشركات التقليدية القائمة، فإن هذه الأخيرة تعمل على إقامة شراكات مع الشركات المزودة للتكنولوجيا المالية أو حتى الاستحواذ عليها. وهذا بدوره يساعد العائلات/الشركات الكبرى التقليدية على ابتكار وتحديث خدماتهم بشكلٍ سريع. وبالنسبة للبعض، لن يتوقف أي من الجانبين عند هذا الحد، لأنهما، هما الاثنان، يكافحان للحفاظ على نشاطهم الاقتصادي. يمكننا توقع تطورات مثيرة للاهتمام في هذا المجال، فترقَّبوا المعركة الملحمية التي نكاد نسمع صوت طبولها.


شارك