Article image
مصدر الصورة: كيلي سيكيما / أنسبلاش



خلافاً لكلِّ ما قد سمعتَه، دراسة جديدة من معهد أوكسفورد للإنترنت تقول إن التعرُّض للشاشة هو في الواقع أمرٌ جيد لصحة الأطفال.

2019-10-27 18:47:13

27 أكتوبر 2019

إليكم توصيات الأكاديمية الأميركية لطبّ الأطفال حول مدة استخدام الشاشة بالنسبة للأطفال:

  • الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 2 و5 سنوات يجب أن يقتصِر استخدامُهم للشاشة على ساعةٍ واحدة في اليوم من المحتوى عالي الجودة.
  • الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 شهراً يمكنهم التعرُّض للشاشة طالما أن المحتوى الذي يشاهدونه ذو جودة عالية وتحت إشراف الأهل.
  • أما الأطفال الرُضَّع فيتوجَّب عدم تعريضهم للشاشات لأكثر من محادثة مرئية.

لكنَّ أندرو برزيبيلسكي، من معهد أوكسفورد للإنترنت، يعتقد أن هذه التوصيات أبعدُ ما تكون عن الحقيقة؛ ففي دراسة حديثة مثيرة للجدل نُشرت في مجلة الأكاديمية الأميركية لطب نَفْس الأطفال والمراهقين، لم يكتفِ برزيبيلسكي وزملاؤه بانتقاد التفكير السائد بضرورة التقليل قدر الإمكان من وقت تعرُّض الأطفال للشاشة، بل يرون أن استخدام الشاشة بشكلِ مُعتدل هو في الواقع أمرٌ جيد لصحة الأطفال وسعادتهم.

لقد عَمِلت الدراسة على اختبار فكرتين أساسيتين كما يوضِّح برزيبيلسكي في رسالة بالبريد الإلكتروني: “تتلخص الفكرة الأولى في اختبار وجود مستوياتٍ مثالية من مدة التعرُّض للشاشة عند اليافعين، أما الفكرة الأخرى في الدراسة فتتمثَّل في البحث عن قيمة حَرِجة، أو نقطة تحوّل، يرتبط عندها التعرُّض للشاشة إلى حدٍّ كبير بنتائج مُتعلقة بصحة الأطفال وسعادتهم”.

وبالفعل، اكتشف برزيبيلسكي مع زملائه وجود “علاقاتٍ إيجابية متواضعة” عندما قام الأطفال بقضاء ساعتين من الوقت في استخدام الأجهزة الذكية أو مشاهدة التلفاز، أو في التعرض لهذين النوعين من الشاشات معاً. وبشكلٍ يتنافى مع التوصيات الطبية، خَلُصَ الفريق إلى أنه سيتعيَّن على الأطفال أن يستخدموا الشاشات “لأكثر من خمس ساعات في اليوم” قبل أن يلحظ الأهل أي اختلافٍ لدى أطفالهم.

وقد استندت نتائج الدراسة إلى بيانات أكثر من 35000 من الأطفال ومُقدِّمي الرعاية الأميركيين؛ حيث تم الحصول على هذه البيانات من استبيان وطني لصحة الاطفال عن طريق مكتب الإحصاء الأميركي في الفترة ما بين يونيو من عام 2016 وفبراير من عام 2017. ويقول برزيبيلسكي إن تحليلاتِه توحي بأن الأطفال الذين يستخدمون جهازاً رقمياً -كالتلفاز أو جهاز ألعاب فيديو أو جهازاً لوحياً أو حاسوباً محمولاً أو هاتفاُ ذكياً أو أي جهاز آخر مزوَّد بشاشة- يتمتَّعون بمهاراتٍ اجتماعية وعاطفية أفضلَ من أقرانهم الذين لا يستخدمون هذه التكنولوجيا.

إذن ينقُض هذا البحث التفكير السائد حول مدّة التعرُّض للشاشة، هذا التفكير الذي أشار بشكلٍ كبير إلى التزايد المُقلِق في معدَّلات الإصابة بالإحباط والتوتُّر والميول الانتحارية.

وتُعتَبر جان توينج أحد أبرز مُنتقدي السماح للأطفال بالتعرض للشاشة، وهي مؤلِّفة كتاب آي جين الذي يقول بأن التكنولوجيا تجعل الأطفال أقلَّ سعادة. حيث ذكرت في رسالة بالبريد الإلكتروني أنها وجدت هذه الدراسة “غريبةً جداً”، وخصوصاً لأنها قد قامت مع زملائها باستخدام نفس البيانات الإحصائية التي استخدمها برزيبيلسكي في بحثٍ نُشر العام الماضي حصلوا فيه على نتائج مُعاكِسة تماماً؛ فقد توصَّلت دراستُهم إلى أن التعرُّض للشاشة يؤدي إلى زيادة المشاكل النفسية والاجتماعية لدى الأطفال بمقدار ثلاثة أضعاف. بينما كان تفسير برزيبيلسكي للبيانات نفسها أنَّ الفروقات كانت ضئيلةً بين الاستخدام المُكثَّف للشاشة من جهة والاستخدام الخفيف من جهة أخرى، وهو تفاوتٌ تصِفه توينج بأنه كان مُحيِّراً.

غير أن برزيبيلسكي قد وقف بحزمٍ مع نتائج فريقه رغمَ الانتقادات، حتى أنه ذهب إلى حدِّ القول يأن الأبحاث السابقة في هذا المجال هي موضع شكٍّ من الناحية الإحصائية؛ حيث قال: “تم إجراء جميع الدراسات تقريباً حول هذا الموضوع بشكلٍ ضعيف علمياً؛ فمعظم هذه الأبحاث لم تتم مشاركة بياناتها أو شفرتها البرمجية، كما لا تتوافق مع الأسس المثلى للبحث العلمي. بينما أكثر ما يميِّز بحثنا -بالإضافة إلى النتائج- هو التركيز على الدِّقة التجريبية”.

وقد أقرت توينج أن أساليبها الإحصائية كانت موضعَ نقاش، إلا أنها أصرَّت على استنتاجها العام المُتمثِّل في أن الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشة مُضِرٌّ بصحتهم، حيث تقول إن البيانات “لا تُظهر أية فائدة للاستخدام المعتدل. وبدلاً من ذلك، تَظهر أفضلُ النتائج عند الاستخدام الخفيف للشاشة عند المراهقين. أما بالنسبة للأطفال الأصغر سناً، فتَظهر أفضل النتائج عند الاستخدام الخفيف جداً للشاشة أو عند عدم استخدامها إطلاقاً”.

يبدو أنه سيكون من الصعب التوصُّل إلى إجماعٍ في الوٍسط العلمي حول هذا الموضوع . ويعود ذلك جزئياً إلى حقيقة أن نمو الأطفال أمرٌ معقَّد ويتأثَّر بالكثير من العوامل المتشابكة، وبالتالي لن يكون من السهل التحكُّم في جميع هذه العوامل خلال دراسة تأثير المدة التي يقضيها الأطفال أمام الشاشات، والتي يُمكن أن تتضمن أنواعاً متعددة من المُحتوى. وبالتالي ربما لن يكون مُستغرباً أن يبقى معظم البحث حول هذا الموضوع مفتوحاً وغير حاسم، حيث تحمل كلُّ دراسةٍ جديدة إرباكاً إضافياً. 

لقد اعترف برزيبيلسكي بوجود بعض العيوب في الدراسة التي قام بها فريقُه؛ حيث إن الصحة النفسية مرتبطة بالتأثيرات الديمغرافية كالعوامل الاقتصادية والاجتماعية، وقال إن فريقه يعمل على التمييز بين هذه التأثيرات، بالإضافة إلى التحيُّز في البيانات، الذي يعود إلى الاختيارات الذاتية التي يقوم الأطفال ومقدِّمو الرعاية من خلالها بإبلاغ المدة التي أمضَوها في استخدام الشاشة. كما أضاف أنه يعمل على اكتشاف ما إذا كانت إحدى طرق استخدام الشاشة أكثرَ فائدةً من غيرها.

ومع كلِّ هذا، يُصرُّ برزيبيلسكي على صحة نتائجه، واصفاً التوصيات بتحديد مدة التعرُّض للشاشة من قِبَل المجالس الصحية بأنها “غير مُفيدة وغير مدعومة بالأدلة العلمية ويتم تجاهلها بشكل متكرِّر”. ويضيف:” إنها تُربك الأهل، وتُضلل صُناع السياسات، وتصرفنا عن محاسبة شركات التكنولوجيا. وإلى أن نتوصل إلى نتيجةٍ واضحة لا لبسَ فيها حول هذا الموضوع، لن نحصل على الإجابات التي نحتاجها بشأن الأدوار التي تلعبها التكنولوجيا في حياة اليافعين”.