من دون قيادة فدرالية، فإن أداء المهمة الصعبة لتتبع الاختلاط سيقع على عاتق تحالف مؤلَّف من الولايات والأطباء وشركات التكنولوجيا.

2020-05-02 17:00:03

02 مايو 2020
Article image
مصدر الصورة: ميس تيك/ بيكسلز

تحول الوباء الحالي إلى بيئة خصبة للنصابين، والمحتالين، ومنكري وجود الفيروس، الذين يُلقون باللائمة على كل شخص وكل شيء، بدءاً من الصينيين والأميركيين وصولاً إلى بيل جيتس وشبكات الجيل الخامس. أما أحدث جبهة في هذه الحرب الغريبة فهي تتبُّع الاختلاط.

يعتمد عاملو الرعاية الصحية على تقنية التتبع لتحديد حاملي المرض المعدي وكشف الذين تعرضوا للعدوى، وذلك في محاولة لعزلهم وإيقاف انتشار المرض. أثبتت هذه الطريقة في التحقيق فعاليتها في محاربة عدة أوبئة، بما فيها الحصبة والإيدز وإيبولا. وقد بدأت البلدان حول العالم باستخدامها بنجاح كبير للتعامل مع كوفيد-19، والآن، بدأت العديد من الولايات الأميركية بتجميع فرقها الخاصة بهدف تتبع هذا المرض. في نفس الوقت، فإن الشركات التكنولوجية الضخمة، بما فيها آبل وجوجل، تعمل على بناء أنظمة مصممة للمساعدة على توسيع وأتمتة عملية التتبع، وتنبيه الأشخاص الذين يحتمل أنهم تعرضوا للعدوى. غير أن تتبع الاختلاط –على غرار الاختبارات والتباعد الاجتماعي والعزل- أصبح ايضاً يخضع للتجاذبات السياسية.

مصدر الفيديو: ميس تيك/ بيكسلز

قال رودي جولياني لمضيفة فوكس نيوز، لورا إنجراهام، عندما سألته عن خطة نيويورك لتوظيف “جيش” من متتبعي أثر فيروس كورونا: “هذا منتهى السخف”. وأضاف ساخراً: “إذن، يجب أن نتتبع الجميع بسبب السرطان وأمراض القلب والسُّمنة. هناك الكثير من الأشياء التي يمكن أن تقتلك أكثر من كوفيد-19، وبالتالي يجب أن نخضع جميعاً للتتبع خوفاً من هذه الأشياء”.

علقت إنجراهام وهي تدير عينيها ساخرة: “أجل. جيش من المتتبعين”.

يقول جميع المحترفين الطبيين عملياً -وجميع الكيانات الطبية، بدءاً بالمركز الأميركي للسيطرة على الأمراض وصولاً إلى منظمة الصحة العالمية- وبكل ثقة: إن تتبع الاختلاط جزء أساسي من الخطة الثلاثية التي تهدف إلى إعادة العالم إلى طبيعته: الاختبار، التتبع، العزل.

تقول سيما ياسمين، مديرة مبادرة التواصل الصحي في ستانفورد ومحققة سابقة كانت تركز على الأوبئة في مركز السيطرة على الأمراض: “لا أعتقد أنه يمكن أن نبالغ في مدى أهمية تتبع الاختلاط؛ فقد كان حجر الزاوية في جميع عمليات التحقيق الوبائي، بدءاً من سارس وصولاً إلى إيبولا وما بعدها”.

وبالرغم من أن الاختبار يمثل الأولوية الأكثر أهمية -حيث لا بد من تحديد هوية المصابين بدقة- فإن التتبع أمر ضروري لإيقاف انتشار الوباء بشكل خارج عن السيطرة. وما أن نتمكن من تحديد الأشخاص الذين يحتمل أن يكونوا مصابين، يمكننا عزلهم قبل أن ينتشر الفيروس أكثر من ذلك.

يقول جون لانجفورد، وهو عالم حاسوب في مايكروسوفت، وكان يعمل مع ولاية واشنطن في إطار تتبع الاختلاط: “هناك نقطة ضعف في فيروس كورونا، وهي أن الزمن النموذجي للانتقال طويل بعض الشيء، حيث يبلغ أسبوعاً تقريباً. فإذا تمكنت من تتبع الوباء خلال أزمنة أقصر، يمكنك أن تعزله”.

ولكن على الرغم من مدى سخافة تصريح جولياني -فالسمنة مثلاً ليست مرضاً معدياً- إلا أن الواقع يقول إن جهود التتبع في هذا الوباء تواجه تحديات تاريخية وحقيقية من دون شك. وسواء أُجري التتبع بشكل يدوي من قِبل فرق من المحققين، أو بشكل آلي عبر الإشعارات الهاتفية، فإنه لم يصل إلى المستوى المطلوب لمكافحة كوفيد-19. ستتفاقم جميع المشاكل والمخاوف الحقيقية المتعلقة بالتتبع، ولا بد من معالجتها إذا أردنا إنجاح هذه الجهود.

وهذه هي الأشياء الخمسة التي يجب أن تحدث إذا أردنا إنجاح التتبع في الولايات المتحدة على سبيل المثال:

المهمة الأولى: توظيف 100,000 شخص لتنفيذ التتبع اليدوي.

ما أن تبدأ البلاد بالعودة إلى طبيعتها، ولكن قبل التوصل إلى لقاح أو علاج فعال، فإن الطريقة الأساسية لمنع انتشار كوفيد-19 عندئذ هي التتبع اليدوي. يقوم العاملون الصحيون المدربون بالتواصل مع من يتلقون التشخيص، ويجمعون البيانات حول تحركاتهم وعلاقاتهم. من المحتمل أن المريض قد احتك مع 100 شخص مؤخراً، ما يعني ضرورة إجراء 100 عملية متابعة باستخدام الهاتف أو بشكل شخصي لتتبع كل شخص يحتمل أنه قد تعرض للعدوى. وبناء على البيانات والقواعد العلمية، يستطيع المتتبعون طلب العزل أو إجراء الاختبارات. إنه عمل شاق للغاية.

يمثل تتبع الاختلاط أداة صحية هامة.
مصدر الصورة: إنجن أكيورت على أنسبلاش

قال حاكم نيويورك آندرو كومو في مؤتمر صحفي حديث: “ستكون هذه مهمة هائلة”. 

تبيّن ولايته، ومدينة نيويورك على وجه الخصوص -التي تمثل المنطقة التي تعرضت إلى أسوأ آثار الوباء في العالم- الصعوبات التي واجهت أميركا في تعزيز قدراتها على التتبع اليدوي. تمثل نيويورك منطقة حضرية يتجاوز تعداد السكان فيها 21 مليون نسمة، وعلى الرغم من وجود أكثر من 16,100 وفاة بكوفيد-19، فإن عدد المتتبعين النشطين لم يصل إلى 1000 حتى الآن، وهو عدد صغير مقارنة مثلاً بمدينة ووهان التي يوجد فيها 9,000 متتبع ضمن تعداد سكاني يبلغ 11 مليون نسمة. 

عانت الإدارات الصحية الأميركية من نقص متواصل في التمويل منذ الأزمة المالية عام 2008، وخسرت أكثر من 55,000 عامل، على الرغم من التحذيرات المتواصلة حول الخطر الذي يمثله نقص الموارد على الأرواح. وفي الواقع، فإن عدد متتبعي الاختلاط في كامل الولايات المتحدة لا يتجاوز 2,200، وذلك وفقاً لجمعية المسؤولين الصحيين في الولايات والمناطق.

ولكن التغير بدأ يظهر؛ حيث تعمل نيويورك مع نيو جيرسي وكونيتيكت على المستوى الإقليمي، وتأمل بأن تستفيد من كفاءات الآلاف من طلاب الطب، في حين خصصت ماساتشوستس 44 مليون دولار لتوظيف ألف متتبع اختلاط. كانت سان فرانسيسكو من أولى الحكومات المحلية الأميركية التي بدأت ببناء فريقها الخاص بتتبع الاختلاط، الذي يصل إلى 150,000 شخص يراقبون مدينة تحوي 880,000 نسمة، وقد وعد حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم بتوظيف 10,000 مراقب إضافي في جميع أنحاء الولاية. ولكن هذه ليست سوى البداية؛ ففي تقرير حديث من مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي، ورد أن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى 100,000 عامل للوصول إلى الفعالية المطلوبة في تتبع الاختلاط في البلاد. ولتحقيق هذا، يجب أن ينفق الكونجرس حوالي 3.6 مليار دولار. كما أن توم فريدن، المدير السابق لمركز السيطرة على الأمراض، والذي يعتقد أن التكلفة قد تكون حتى أكبر من ذلك، قال إنه يجب اعتماد نفس المقاربة في جميع أنحاء البلاد.

المهمة الثانية: حماية الخصوصية

“سنبقى في حالة استعداد دائم للحرص على طوعية ولامركزية تطبيقات تتبع الاختلاط”

جينيفر جرانيك، الاتحاد الأميركي للحريات المدنية.

لهذا السبب، أصبح التتبع الآلي حلاً جذاباً. تقوم الفكرة على استخدام التكنولوجيات الحديثة، مثل البلوتوث ونظام تحديد الموضع، لتحديد احتمال تعرض الشخص للعدوى، وتقوم السلطات في جميع أنحاء العالم بدراسة هذه الفكرة بدقة في محاولة للتكيف مع التصاعد السريع في عدد الإصابات.

 

أدت الجهود التي تعتمد على التكنولوجيا المتطورة -خصوصاً في البلدان الآسيوية مثل الصين وسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية– إلى الكثير من العناوين الصحفية، ولكن عندما ستطلق آبل وجوجل نظامهما لدمج إشعارات التعرض إلى الوباء ضمن هواتفهما الذكية، فسيكون هذا أكبر تطور على مستوى العالم. تعتبر الشركتان مسؤولتين عن بناء البرمجيات لأكثر من 99% من الهواتف في العالم، كما أن 8 من أصل كل 10 أميركيين يمتلكون هاتفاً ذكياً. يمكن للتطبيقات التي تم دمجها مباشرة بنظامي التشغيل آي أو إس وأندرويد -خصوصاً إذا كانت قادرة على تحقيق التواصل بين هذين النظامين- أن تؤدي إلى زيادة كبيرة في قدرة السلطات الصحية على الوصول إلى الجماهير دفعة واحدة.

ولكن أنصار الخصوصية والحقوق المدنية عبروا عن مخاوف محقة؛ حيث يمثل تتبع الاختلاط شكلاً من أشكال المراقبة، الذي يمكن في أسوأ حالة أن يُستغل من قِبل الشركات أو الحكومات. ولكن المراقبة الصحية أثبتت مراراً وتكراراً أنها أداة مهمة لإنقاذ الأرواح، وتقول آبل وجوجل أنهما توليان الخصوصية عناية كبيرة ببناء أنظمة لامركزية مصممة لإفشال محاولات استغلال هذه المراقبة لأغراض خبيثة، وتقديم البيانات الهامة للسلطات المسؤولة عن الصحة العامة. لم يسبق أن حدث هذا من قبل، ويعتمد النجاح إلى حد كبير على سلوكيات الحكومات نفسها.

عندما أعلنت آبل وجوجل عن تكنولوجيات التتبع لديهما، قالت جينيفر جانيك، مستشارة المراقبة والأمن السيبراني في الاتحاد الأميركي للحريات المدنية: “لا يمكن أن ننكر أن آبل وجوجل أعلنتا عن طريقة يبدو أنها ستخفف من أسوأ آثار المخاطر المتعلقة بالخصوصية والمركزية، ولكن ما زال هناك مجال للمزيد من التحسين. سنبقى من الآن فصاعداً في حالة استعداد دائم للحرص على طوعية ولامركزية تطبيقات تتبع الاختلاط، واستخدامها فقط لأغراض الصحة العامة وفقط خلال فترة الوباء”.

المهمة الثالثة: الحرص على تتبع أكبر عدد ممكن من الأشخاص

ولكن الذين يبنون الخدمات المؤتمتة يؤكدون أنهم لا يحاولون الحلول محل التتبع اليدوي، بل يحاولون تدعيمه. وينظر هؤلاء إلى الأدوات الرقمية كطريقة لتعزيز وتضخيم العمل الذي تقوم به الفرق البشرية. وعلى سبيل المثال، يمكن أن تساعد تنبيهات الهواتف الذكية على فلترة الأشخاص باحتمال إصابة منخفض أو معدوم، بحيث يستطيع المتتبعون البشر التركيز على الحالات الحقيقية، والأشخاص المعرضين للإصابة باحتمال كبير، أو الذين يصعب التواصل معهم.

يقول لانجفورد من مايكروسوفت: “تقوم فلسفتنا على أن تتبع الاختلاط أمر أساسي لإيقاف انتشار الوباء وإعادة تفعيل الاقتصاد”. “وباستخدام الأدوات الرقمية، يمكن أن نحسن من عملية تتبع الاختلاط. من المسلم به أن الجهد اليدوي هو العمل الأساسي. ولكن توجد أشياء يمكن تحقيقها باستخدام التطبيقات الهاتفية بحيث يصبح هذا العمل أكثر فعالية”.

ولكن، حتى لو استُخدم تطبيق التتبع من قِبل جميع القادرين على استخدامه، فإن التحدي الأكبر هو ببساطة أن الهواتف الذكية ليست موجودة مع الجميع. فإذا كان 8 من أصل كل 10 أميركيين يحملون هاتفاً ذكياً، فهذا يعني أنه يوجد اثنان لا يمتلكانه. يقول جورج راذرفورد، وهو بروفسور مختص بالأوبئة في جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو، إن المجموعات المهمشة للغاية غالباً ما تعاني من التفرقة الرقمية. 

حيث إن 42% فقط من الأميركيين فوق 65 سنة يمتلكون هاتفاً ذكياً، وهي نفس المجموعة التي تشكل 80% من وفيات كوفيد-19، وذلك وفق استبيان في 2017 من مركز بيو للأبحاث.

في سان فرانسيسكو، تتركز بعض من أكبر تجمعات الإصابات بين مشردي المدينة، وتجمعات السكان من الأصول اللاتينية، وهي مجموعات ذات معدلات منخفضة من حيث ملكية الهواتف الذكية. وهذه ليست المشكلة الوحيدة. توجد نسبة حوالي 40% تتحدث اللغة الإسبانية فقط من الأشخاص الذين يحتمل أنهم تعرضوا للعدوى، والذين تمكنت جهود التتبع من الوصول إليهم، ويعيش الكثير منهم في منازل مكتظة بعدة أجيال من العائلة. وقد قال مسؤول صحي واحد على الأقل في سان فرانسيسكو إن الخوف من السلطات المشرفة على مسائل الهجرة يثبط بدوره من رغبة هذه المجموعة للمشاركة في جهود التتبع اليدوي في المدينة. ويمكن أن تكون التطبيقات التي تقوم بتتبع تحركاتهم أقل جاذبية حتى من المشاركة في التتبع اليدوي.

يقول راذرفورد: “إذا كنت هنا أو في تكساس أو في نيويورك؛ حيث توجد تجمعات كبيرة من المهاجرين، وحيث تراقب وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك كل شيء عن كثب، فإن آخر ما سترغب فيه هو إدخال معلوماتك في قاعدة بيانات ما”.

في هذه المناطق، تصبح قدرة المتتبعين البشر على مد جسور الثقة أمراً في غاية الأهمية.

تقول سيما ياسمين من ستانفورد: “يجب أن تحرص على أن يكون المتتبعون ممثلين للمجتمعات المحلية التي سيدخلون إليها”. “ومن الهام إجراء تتبع اختلاط دقيق، وهذا يعني أن الناس يجب أن يثقوا فيك، ويعطوك المعلومات التي تحتاجها فعلياً لتأدية هذا العمل بأفضل شكل ممكن. إذا كان الناس يشعرون بالخوف إزاء كيفية التعامل مع المهاجرين خلال هذه الأزمة، بسبب التشريعات والأفكار السائدة، فيجب أن تحرص على إرسال الأشخاص المناسبين إلى المجتمعات التي تتضمن الكثير من المهاجرين، سواء أكانوا موثقين أم لا، وذلك حتى تضمن ثقتهم وصدقهم معك”.

لا بديل عن إجراء تتبع يدوي شامل ودقيق. وحتى في البلاد التي برز فيها استخدام أساليب التتبع التي تعتمد على التكنولوجيا المتطورة، فإن الحقيقة على الأرض تبقى متعلقة بالبشر بشكل مباشر. 

المهمة الرابعة: تَقَبُّل عجز التكنولوجيا عن حل هذه المشكلة وحدها.

في تايوان، كان الخوف من الفيروس يبلغ أعلى درجاته في بداية انتشار الوباء؛ حيث يعيش أكثر من 850,000 تايواني في البر الصيني الرئيسي، ويتنقلون بشكل منتظم جيئة وذهاباً بين البلدين. وحتى الآن، كان هناك فقط 428 إصابة مؤكدة بكوفيد-19، بينها 6 وفيات. ركزت أغلب التغطية الإعلامية على التكنولوجيا المتطورة التي تعتمد عليها الحكومة التايوانية، مثل استخدام إشارات الهاتف الخليوي لتتبع موقع الناس في الحجر الصحي، ومراقبة بقائهم في الداخل.

ولكن في الواقع، تعود فعالية العمل إلى الجمع بين الطرق التكنولوجية واليدوية. حيث أغلقت البلاد حدودها أمام الأجانب القادمين من الصين في 7 فبراير، وأمام جميع الأجانب في 19 مارس. وحتى الذين عادوا، تم إخضاعهم للعزل لمدة 14 يوماً في المنزل.

يقول براندون يو، وهو طالب تايواني في جامعة براون، وقد عاد إلى تايبي في مارس، إنه توجب عليه خلال فترة الحجر أن يسجل درجة حرارته يومياً على ورقة، ويرد على اتصالات هاتفية من مكتب الصحة العامة. يقول: “كانت الاتصالات وجيزة للغاية: كيف حالك؟ خذ قسطاً من الراحة، سأتصل ثانية في وقت لاحق”. في أول اتصال، ذكروه بأنهم يقومون بتتبع موضعه، وأن مجرد نفاد بطارية هاتفه -ما يؤدي إلى فقدان الاتصال مع الأبراج الخليوية المجاورة- قد يؤدي إلى إرسال الشرطة أو مسؤولي الصحة إلى منزله مباشرة.

يُطلب من الأشخاص المصابين بكوفيد-19 بشكل مؤكد أن يبقوا في المستشفى حتى شفائهم، وهو شيء ممكن لأن الحكومة التايوانية نجحت حتى الآن في الحفاظ على نظامها الصحي من الانهيار. يقول هاويوان زينج، وهو طبيب في المركز التايواني للسيطرة على الأمراض، إن الباحثين يستطيعون الحصول على البيانات المكانية من الهواتف الخليوية للمرضى، ولكن هذا لم يكن نافعاً إلى حد كبير. ويقول: “ينتشر كوفيد-19 بين المعارف المقربين، ضمن المنزل أو غرفة الصف على سبيل المثال. وعادة ما يكون هؤلاء ممن يعرفهم المرضى شخصياً ويمضون معهم الكثير من الوقت”. حتى الآن، لم تستخدم تايوان أية تطبيقات آلية لتتبع الاختلاط.

من المسلم به أن الصين اعتمدت بشكل كبير على هذه التكنولوجيا، وقد ساهمت في ذلك السياسات الحكومية الصارمة والإلزامية حول مشاركة البيانات. ولكن ووهان كانت أيضاً خاضعة لإشراف الآلاف من متتبعي الاختلاط البشر، الذين كانوا يتصلون بالمرضى ومعارفهم، ويجمعون البيانات، ويتتبعون الآخرين المعرضين للخطر، ناهيك عن السياسات الحكومية الصارمة حول التحرك خلال فترة الإغلاق.

في هذه الأثناء، في سنغافورة، ظهر تطبيق تريس توجيذر كأول تطبيق مدعوم حكومياً لأتمتة خدمة التتبع في العالم، ولكن بلغت نسبة استخدامه فعلياً بين السكان 10% إلى 20%.

يقول شام كاكادي، وهو عالم باحث في مايكروسوفت، ويعمل على تتبع الاختلاط: “يشعر الناس بالارتباك تجاه هذه المسائل، ويعتقدون أنها مؤتمتة بشكل كامل. الأتمتة موجودة من دون شك، ولكن البشر يشرفون على كل شيء. إنهم يلعبون دور المحققين”.

وضعت كل من هذه البلدان مجموعة من السياسات والمقاربات التي تساعدها على التحقيق في إصابات فيروس كورونا. ففي سنغافورة، عبر جيسون باي -أحد المطورين الأساسيين لتطبيق تريس توجيذر- عن وجهة نظره حول الموضوع بشكل واضح للغاية.

فقد كتب قائلاً: “لو سألتني عن قدرة أي نظام لتتبع الاختلاط بالبلوتوث في العالم -سواء أكان قيد الاستخدام أو التطوير- على الحلول محل التتبع اليدوي، فسوف أجيب بكل تحفظ أنه غير قادر على ذلك على الإطلاق. وأي محاولة لتصديق غير ذلك ستكون محض تفاخر وتحيز للتكنولوجيا. هناك أرواح على المحك. ويمكن أن تؤدي النتائج الإيجابية والسلبية الخاطئة إلى عواقب وخيمة تتعلق بالحياة والموت. نحن نستخدم تريس توجيذر لدعم التتبع اليدوي للاختلاط، لا لاستبداله”.

المهمة الخامسة: القيام بكل ذلك، على الفور

حتى لو كان أمثال رودي جولياني يسخرون من الحاجة إلى “جيوش” من المتتبعين، وحتى في وجود مخاوف حقيقية حول تبني هذه المقاربة ودقتها، إضافة إلى الثقة والتمويل، فإن جميع الخبراء يجمعون على التالي: نحن في حاجة إلى تتبع الاختلاط، وهذه الطريقة ناجحة وفعالة، غير أن تنفيذ هذا العمل لن يكون سهلاً. 

قد نحتاج إلى المزيد من الأشخاص لإنجاح هذه المهمة. وقد لا يكون تقدير جونز هوبكنز للعدد الكلي المطلوب على مستوى الولايات المتحدة -البالغ 100,000 متتبع- كافياً إذا انتشر الفيروس بدرجة أكبر، بل إن خدمة جوجل وآبل المؤتمتة ستحتاج إلى الآلاف من عاملي الرعاية الصحية لإجراء الاختبارات الموثقة وعمليات المتابعة.

إن إجراء تتبع الاختلاط بشكل صحيح -وعلى المستوى المطلوب لمواجهة الوباء -لن يحتاج فقط إلى الكثير من الأشخاص في إطار الجهود اليدوية والمؤتمتة، بل سيتطلب أيضاً الكثير من الأموال والتنسيق. يحتاج برنامج الاختبار والتتبع والعزل إلى تحديد أماكن فجوات التغطية، وتحديد المصابين، وحاجاتهم، والموارد المطلوبة للوصول إليهم. 

أما حالياً؟ لا يجب أن ننتظر. 

يقول جورج راذرفورد من جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو إن فريقه سيعيد النظر، وبدقة، في أية تطبيقات جديدة يمكن أن تؤدي إلى التخفيف من حجم قوة العمل المطلوبة بعد عدة أسابيع. ولكن بالنسبة له، فإن التركيز الآن يتمحور حول السرعة في بناء مشروع تتبع الاختلاط التقليدي الذي يعتمد على البشر، والذي نجح في التعامل مع الأوبئة من قبل.

ويقول: “يجب أن نفهم حقاً ما الذي نفعله، ومن هم الأشخاص الذين نتعامل معهم، وما هي مخاوفهم، وما هي أفضل الطرق لتحديد وعزل الإصابات، وحجر الذين يحتمل أنهم تعرضوا للعدوى. هذا أهم ما في المسألة”.

ملاحظة: يحتوي المقال على معلومات إضافية من قِبل جيمس تيمبل وكاثارين تاي