Article image
توقيت مدروس بعناية: طَغَت مجموعة ويكيليكس لرسائل البريد الإلكتروني المخترقَة من حملة هيلاري كلينتون على تعليقات دونالد ترامب حول الاعتداء الجنسي.



يمكن أن يؤدي الكشف عن بيانات مسروقة في توقيت مدروس إلى تغيير نتائج انتخابات 2020 كما حدث في انتخابات 2016.

2020-10-01 21:00:14

01 أكتوبر 2020

عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز سَبقها الصحفي الذي حقق نجاحاً واسعاً حول الإقرارات الضريبية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أيقظ ذلك ذكريات مؤلمة تعود إلى أربع سنوات مضت في أذهان الكثير من خبراء الأمن السيبراني.

فقبل أسابيع قليلة من انتخابات عام 2016، تم تسريب تسجيلات لترامب ضمن البرنامج التلفزيوني أكسس هوليوود (Access Hollywood) يصف فيها إستراتيجيته للاعتداء الجنسي على النساء. وقد هددت هذه الأخبار بعرقلة حملته الانتخابية للفوز بالرئاسة الأميركية.

وبعد ذلك بأقل من ساعة، بدأت ويكيليكس في نشر رسائل البريد الإلكتروني من حساب جون بوديستا، رئيس الحملة الانتخابية للمرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون، الذي اخترقته المخابرات الروسية.

كان الهدف هو تشتيت الانتباه عن تسجيلات أكسس هوليوود، وقد حقق هذا التكتيك غايته؛ فعلى الرغم من احتواء رسائل البريد الإلكتروني المخترَقة والمسرَّبة على القليل نسبياً من الأخبار بالنظر إلى عددها الكبير الذي يبلغ عشرات الآلاف من صفحات الوثائق، إلا أنها طغت على التسجيلات. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن وسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا والوكالات الحكومية لم تكن مستعدة لعملية تأثير روسية جيدة التخطيط من هذا النوع. وعلى أية حال، كانت عشرات الآلاف من صفحات الوثائق كافيةً لإغراق دورة الأخبار. لقد أثبتت هذه الحادثة مدى ضعف الصحفيين ووادي السيليكون في مواجهة هذا التطور الجديد في الفن القديم لحرب المعلومات.

منذ عام 2016، أصبحت عمليات الاختراق وتسريب البيانات أكثر شيوعاً؛ حيث تم رصد حوادث من هذا النوع بشكل متكرر في المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة وفرنسا والإمارات العربية المتحدة. ورغم التباين الكبير في نتائج هذه العمليات، لكن الاتجاه العام واضح: لقد أصبح هذا الأمر أداةً تلجأ إليها الدول الأجنبية الساعية إلى التأثير على السياسة والانتخابات.

يقول جيمس شايرس، الباحث في مبادرة سايبر ستيتكرافت (Cyber Statecraft) التابعة لمركز أتلانتيك: “لقد شهدنا تصاعداً في هذه الأنماط من العمليات لأنها سهلة التنفيذ في المقام الأول. كما يمكن التنصُّل منها بسبب قيام شخص مجهول أو ناشط قرصنة بالادعاء أنه يقوم بتسريب البيانات. وعلاوة على ذلك، فإنها لا تخرج عن قواعد اللعبة؛ إذ ليس من الواضح ما هو مسموح وما هو ممنوع من حيث التدخل الأجنبي في الانتخابات. وفي حين أنه من الواضح جداً أن تغيير عدد الأصوات يتجاوز الخط الأحمر الذي تضعه معظم الدول، غير أنه في حالة تسريب معلومات عن الأحزاب السياسية، فإنه من الصعب قياس تأثير ذلك، كما أنه ليس أمراً تحدد الدول بصراحة أنه ممنوع وكيف سترد عليه في حال وقوعه. لذلك فإن اختراق وتسريب البيانات يمثل فرصة رائعة؛ إذ يمكن إنكار القيام به ويتم بأسلوب خفي أيضاً”.

عملية الاختراق والتسريب المُقبلة

إذن، هل الولايات المتحدة مستعدة بشكل أفضل لمواجهة هذا النوع من حرب المعلومات خلال انتخابات عام 2020؟

أثناء شهر سبتمبر، تم ضبط قيام المتسللين الروس الذين نفذوا عملية 2016 باستهداف المؤسسات التابعة للحزب الديمقراطي. وعندما أزالت فيسبوك عملية تأثير مرتبطة بروسيا الأسبوع الماضي، حذَّر رئيس السياسة الأمنية في الشركة صراحةً من عمليات الاختراق والتسريب. وفي الأسبوع الماضي، حذَّر مارتي بارون، محرر صحيفة واشنطن بوست، طاقمَه من مخاطر تغطية المواد التي تم اختراقها، ووضَعَ الخطة الجديدة القائمة على النصيحة التالية: لابدّ من التروّي وبُعد النظر من خلال التفكير أكثر بالصورة الشاملة. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الذي يحل بعد خمسة أسابيع، تلوح في الأفق احتمالية نشر مجموعة من المعلومات المخترَقة لبثّ التشتت.

“ينبع تأثير عملية القرصنة الحقيقي من السياق السياسي العميق، وفي هذه الحالة تكون الولايات المتحدة اليوم أسوأ بكثير مما كانت عليه في عام 2016”.

يقول شايرس، الذي يركِّز أبحاثه حول عمليات القرصنة وتسريب البيانات، إن أميركا لديها سجل مختلَط في هذا الشأن؛ فمن جهة أولى، أصبحت الحكومة الأميركية والحملات السياسية والصحافة وشركات التكنولوجيا الأميركية أكثر وعياً بالتهديد مما كانت عليه في عام 2016، كما تم وضع استثمارات حقيقية وتعزيزات في مجال حماية الأمن السيبراني. ومن جهة أخرى، يشير شايرس إلى أن فرنسا استجابت بطريقة مختلفة تماماً لمواجهة محاولات مماثلة للتدخل في انتخاباتها.

يقول شايرس: “ينبع تأثير عملية القرصنة الحقيقي من السياق السياسي العميق، وفي هذه الحالة تكون الولايات المتحدة اليوم أسوأ بكثير مما كانت عليه في عام 2016”. ويضيف: “إذا نظرت إلى تسريبات ماكرون، التي حدثت قبل وقت قصير من انتخاب الرئيس الفرنسي، فقد تم نشر الكثير من المعلومات الحزبية على الإنترنت. لكن وسائل الإعلام الفرنسية اجتمعت، وتواصل المرشح معها، واتفقوا على عدم نشر أخبار تستند إلى هذه التسريبات قبل الانتخابات. هناك الكثير من الثقة والروح المجتمعية في وسائل الإعلام الفرنسية والبيئة السياسية هناك. ومن الواضح أن الحال ليست كذلك في الولايات المتحدة في الوقت الحالي”.

مواجهة نفس الفخّ

يقول شايرس إنه يمكن القيام بالكثير من الأمور لإفشال عملية الاختراق والتسريب المقبلة؛ حيث يمكن لوسائل الإعلام التقليدية أن تتحكم بشكل مدروس في نبرة وتركيز مقالاتها حتى لا يتمكن المتسللون من التلاعب بسهولة في الروايات الإخبارية. ويمكن لشركات وسائل التواصل الاجتماعي، في بعض الحالات، التحكم في انتشار المواد المخترَقة.

يتسارع تعقيد الوضع إذا كانت المواد الإخبارية تخرج من غرف التحرير الأميركية؛ لأن ذلك يجعل من الصحفيين أهدافاً رئيسية في هذه الأنواع من العمليات.

يقول بريت شيفر، الباحث في الإعلام والمعلومات المضللة الرقمية في التحالف من أجل تأمين الديمقراطية: “إن وسائل الإعلام، إلى حد ما، على دراية بكيفية استخدامها والتلاعب بها في عام 2016. ولكن إجمالاً، لا أعتقد أننا في مكان أفضل بكثير لمواجهة عملية اختراق وتسريب البيانات؛ فعلى الرغم من أن سياسات فيسبوك وتويتر تحظر حالياً نشر المواد المسروقة على منصتيهما، لكن هذا يمنع انتشارها من نقطة انطلاقها فحسب. وإذا تم نشرها في مكان آخر، موقع هامشي أو مقالة، فيمكن لها أن  تجد طريقها إلى الانتشار. ولأسباب واضحة، لن نتطلع إلى فيسبوك وننتظر منها إزالة حساب صحيفة نيويورك تايمز إذا أبلغوا عن مواد تم اختراقها وتسريبها. إن شركات التكنولوجيا في حالة حصار، والصحفيون ينظرون إليها متسائلين عما إذا كانت المعلومات حقيقية وذات أهمية بالنسبة للجمهور. آمل ألا يقعوا في نفس الفخ الذي سقطوا فيه عام 2016 والمتمثل في السعي وراء المزيد من التفاصيل الفاضحة التي لا تصب في مصلحة الجمهور. لكن هذا الأسلوب لا يزال يمثل ناقل المعلومات الذي يجعلنا أكثر عرضة للخطر”.

وكيف يجب أن يستعد الناخبون العاديون لمواجهة عمليات اختراق وتسريب البيانات؟

ينصح شايرس بتوخّي الحذر؛ فعندما تصادف معلومات مسرَّبة، يقول شايرس إنه “من الطبيعي والمفيد أن تقرأها وتطلع عليها”.

ويضيف: “لكن المرحلة التالية لكيفية التعامل مع هذه المعلومات تتمثل في التفكير مرتين في سبب وجودها في متناول الجمهور، والتساؤل حول الجهة التي حاولت نشرها، والجهة التي قامت بتسريبها، وغايتها من وراء ذلك. وهذا هو بالضبط ما نعنيه بمصطلح التوعية الإعلامية، أي فهم مصادر المعلومات الكامنة وراء هذه القصص الإخبارية والجهات الفاعلة التي تكتبها وتنتجها”. ويختم شايرس بالقول: “إذا قام كل فرد من الجمهور بالتفكير مرتين بشأن المحتوى وتحديد المصادر، فعندها يمكننا أن ندخل في نقاش أكثر نضجاً ومسؤولية”.