Article image
الرئيس دونالد ترامب، ونائب الرئيس مايك بينس، وزوجة نائب الرئيس كارين بينس، يشاهدون إطلاق صاروخ فالكون 9 من سبيس إكس.
مصدر الصورة: ناسا/ بيل إنجولز



خلال 10 سنوات فقط، انتقلت ناسا من التخطيط للبعثات القمرية إلى البعثات المريخية، ثم عادت إلى البعثات القمرية مرة أخرى. والسبب؟

2020-10-07 11:07:40

07 أكتوبر 2020

يُعد الاستكشاف الفضائي من الأعمال بعيدة الأمد؛ حيث يتطلب إطلاق مركبة فضائية واحدة من سطح الأرض إلى خارج غلافها الجوي الكثير من السنوات، والكثير من الأموال أيضاً. أما الذهاب إلى مكان ما خارج مدار هذا الكوكب فهو مهمة أكثر صعوبة حتى، وإذا تضمنت الخطة إرسال البشر إلى تلك الوجهة، فمن المتوقع أن يتطلب تطوير هذه البعثة وقتاً أطول من معظم الولايات الرئاسية الأميركية.

يمثل هذا الوضع مشكلة حقيقية؛ لأن هذا المنصب التنفيذي مسؤول عن هيكلة البرنامج الفضائي الأميركي وأهدافه العامة، وعندما تضع كل إدارة أولويات مختلفة وفقاً لوجهات نظرها، يتعرض البرنامج الفضائي إلى تقلبات مفاجئة تؤدي إلى الفوضى وإبطاء المشاريع. وخلال الفترة الفاصلة بين بداية هذا القرن والوقت الحالي فحسب، نقلت ناسا تركيزها من القمر إلى المريخ ومن ثم إلى القمر مرة أخرى؛ ففي العام 2005، قال الرئيس بوش إن الولايات المتحدة نستعد للذهاب إلى القمر مع برنامج كونستيليشن. وفي 2010، قال أوباما إن الولايات المتحدة ستتجه إلى المريخ. أما في 2017، فقد قرر الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة تعتزم الذهاب في الواقع إلى القمر ثانية.

والآن، وبعد أن أصبحنا على بعد أقل من شهر على بدء الانتخابات الرئاسية -التي يمكن أن تؤدي إلى إدارة جديدة برئاسة جو بايدن- بدأت الأوساط الفضائية تستعد لنقلة محتملة جديدة. تؤكد هذه الظروف، مرة أخرى، على ضرورة تحقيق الاستقرار للبرنامج الفضائي الأميركي، بحيث يحصل على الدعم الذي يحتاجه من أجل تنفيذ المشاريع وتحقيق الأهداف، وبشكل آمن، بحيث لا يتعرض إلى هزات مفاجئة حسب أهواء أي رئيس جديد.

تمثل السنوات الأربع المقبلة مرحلة حاسمة؛ ففي إطار أرتميس، وهو برنامج ناسا لإعادة البشر إلى القمر، بدأنا نشهد تطوير العديد من التكنولوجيات، مثل البدلات الفضائية القمرية، ووحدات السكن القمرية، والمسابر السطحية القمرية، والعربات الجوالة القمرية، إضافة إلى محطة جيتواي الفضائية، المصممة لدعم الاستكشاف البشري لأعماق الفضاء، وغيرها من التكنولوجيات الجديدة المصممة لنجاح البعثات القمرية. ولكن، سيكون بعضها فقط صالحاً للاستخدام بشكل مباشر في البيئة المريخية، أما الباقي فسوف يحتاج إلى بعض الوقت لتعديله واختباره. ستؤدي نقلة جديدة في الأهداف إلى أسوأ هزة تتعرض لها ناسا مؤخراً.

لم تطلق حملة بايدن أية تفاصيل تقريباً حول سياساتها الفضائية، وهو ليس بالأمر المفاجئ، نظراً لكل الظروف الصعبة التي تتعرض لها البلاد في هذه الفترة. “ولهذا، فالأمر متروك تماماً للتوقعات في هذه الفترة”، كما يقول كيسي دراير، وهو خبير في السياسات الفضائية ضمن منظمة بلانيتاري سوسايتي. ويضيف: “عملياً، جميع الاحتمالات ممكنة”.

شغل بايدن منصب نائب الرئيس في إدارة أوباما، وبالتالي من المنطقي أن نتوقع رغبته في أن تعيد ناسا تركيز جهودها نحو المريخ ثانية. ولكن منصة الحزب الديمقراطي -التي تم إطلاقها خلال مؤتمر الحزب في أغسطس- أوردت ما يلي: “ندعم عمل ناسا لإعادة الأميركيين إلى القمر والذهاب إلى ما بعد المريخ، واتخاذ الخطوة التالية في استكشاف النظام الشمسي”.

ومع هذا الدعم الصريح والمباشر لإطلاق بعثة مأهولة إلى القمر، قد يبدو من غير المرجح أن تقوم إدارة بايدن بإلغاء برنامج أرتميس. وفي هذا المرحلة، قد يصبح هذا مستحيلاً حتى لو رغبت في ذلك. يقول دراير: “لقد بُذلت جهود كبيرة لبناء تحالف فضائي وتوجيه ناسا نحو هذا الهدف”. فعندما تم إلغاء برنامج كونستيليشن الذي دعمته إدارة بوش، كان البرنامج في مرحلة مبكرة جداً من عملية التطوير، وكان يعاني الكثير من المشاكل الفنية واللوجستية. أما في حالة أرتميس، كما يقول دراير: “ليس هناك الكثير من المشاكل المشابهة”؛ حيث إن كبسولة أوريون المخصصة لأعماق الفضاء، ونظام الإطلاق الفضائي (الذي سيكون أضخم صاروخ بناه البشر) ظهرا في إطار برنامج رحلة إلى المريخ في حقبة إدارة أوباما، ولكنهما وصلا الآن إلى مرحلة متقدمة من التطوير، كما أنهما مناسبان للغاية للاستخدام في برنامج للاستكشاف القمري.

ولكن هذا لا يعني أن أرتميس سيبقى على حاله تماماً في عهد إدارة جو بايدن؛ حيث إن الموعد النهائي للعودة إلى القمر في 2024 يبدو أبعد ما يكون عن الواقعية، حتى بالنسبة لأكثر أنصار الاستكشاف القمري حماسة؛ فما زال نظام الإطلاق الفضائي قيد التطوير، كما أن جيتواي لن تكون جاهزة لسكن البشر قبل انتهاء 2024 على الأقل. علاوة على ذلك، ما زالت ناسا لا تعرف ما هو المسبار السطحي الذي سينقل روادها إلى سطح القمر، مع استمرار التنافس بين عدة شركات لقبول عروضها لهذا المسبار. وإذا حُدد موعد الهبوط على القمر في 2024، سيكون أمام الشركة الفائزة أقل من أربع سنوات حتى تبني وتجهّز التكنولوجيا الخاصة بها.

قد لا نشهد من إدارة بايدن نقلة تبتعد عن القمر -بل بالأحرى قراراً بتأخير الجدول الزمني لبضع سنوات- مع التركيز على المريخ في مرحلة لاحقة. وهو بالضبط ما تريد القيادة الديمقراطية للجنة العلوم في الكونجرس الأميركي أن تقترحه؛ ففي يناير، قدمت اللجنة مشروع قانون تفويض ناسا للعام 2020، الذي يتضمن تغيير موعد الهبوط المأهول في برنامج أرتميس، بحيث لا يتجاوز العام 2028. يلزم مشروع القانون ناسا بتطوير مسبارها السطحي القمري الخاص بها بدلاً من استخدام مسبار قامت شركة خاصة بتطويره وبنائه، كما يجب أن ينجح المسبار في اختباري تحليق على الأقل قبل استخدامه في البعثات المأهولة، ما يعيد ناسا إلى عملية التطوير التقليدية لتكنولوجيات الفضاء والطيران، ويحد من دور الشراكات بين القطاعين العام والخاص في برنامج أرتميس. يدعو مشروع القانون أيضاً إلى برنامج استكشافي أقل طموحاً، ويقلل من أهمية بعض النشاطات مثل تعدين الموارد القمرية؛ وذلك للتركيز على النشاطات التي ستفيد البعثات المريخية لاحقاً. أيضاً، يدعو مشروع القانون ناسا إلى إطلاق بعثة مأهولة إلى المريخ بحلول العام 2033.

وقد قالت العضوة في الكونجرس كيندرا هورن -وهي رئيسة اللجنة الفرعية والداعم الأساسي لمشروع القانون- في يناير: “أريد ألا أترك أي مجال للخطأ أو التأويلات إزاء مشروع القانون هذا، فهو لا يدعو إلى رفض برنامج أرتميس أو تأخير هبوط البشر على المريخ حتى 2028. تستطيع ناسا أن تعمل بأمان حتى تصل إلى هناك في وقت أبكر”. كانت هورن تدعو إلى “مقاربة أكثر مسؤولية مالياً” لإعادة ناسا إلى القمر، نظراً لنقص الكثير من التفاصيل المطلوبة للهبوط المأهول. كما سعت أيضاً إلى صياغة أكثر دقة؛ بحيث تربط برنامج الاستكشاف القمري بتوجه شامل نحو تحقيق رحلة إلى المريخ. 

أثار مشروع القانون بعض الانتقادات بطبيعة الحال؛ خصوصاً لأنه لا يتضمن أي تمويل جديد مباشر لبعثات مريخية قريبة بعد الهبوط القمري في 2028.

قال هومر هيكمان، وهو مهندس سابق في ناسا وعضو حالي في المجموعة الاستشارية للمستخدمين لمجلس الفضاء الوطني، في تصريح عبر الإنترنت في يناير: “بعد سنوات من الدعوات المتكررة مني ومن الكثيرين من أمثالي لناسا حتى تترك المدار الأرضي الأدنى وتعود إلى القمر، وتبقى هناك هذه المرة، سيكون من الصعب للغاية أن نراقب هذا الطموح عن كثب وهو ينهار بسبب وهم مريخي، وعلى الأرجح أثناء تدافع دول أخرى للهبوط على القمر” وبدوره، أثار مدير ناسا جيم برايدنستاين المخاوف حول تقلص دور الشراكات العامة-الخاصة، الذي قد يحد من المرونة التي يمكن أن تسمح لناسا بالحصول على التكنولوجيات اللازمة للعودة إلى القمر والذهاب إلى المريخ.

وعلى الرغم من هذه الخلافات، فإن مشروع القانون يبين أن “القمر يبدو مقبولاً لكلا الحزبين، من ناحية المبدأ، كخطوة أولية نحو الوصول إلى المريخ”، كما يقول دراير. خلال السنتين التاليتين لانتخاب ترامب، ظهر انطباع بأن المريخ وجهة ديمقراطية، وأن القمر وجهة جمهورية. وأصبحت مناصرة الذهاب إلى القمر أو إلى المريخ أقرب ما يكون إلى خلاف حزبي.

ولكن هذا لم يعد صحيحاً الآن؛ يقول دراير: “لقد تفاجأت بالسرعة التي أصبح فيها القمر هدفاً مقبولاً للجميع، بما فيهم أنصار الذهاب إلى المريخ. وقد يكون هذا بمنزلة اعتراف بالواقع السياسي”. يبدو الآن أن الجميع يعتقدون بأن خطة أوباما الطموحة للذهاب إلى المريخ مباشرة لم تحظ بما يكفي من التحضيرات أو التمويل. ويمكن لبرنامج مريخي أن يراكم الزخم اللازم الذي يمكننا  الاستفادة منه لاحقاً للذهاب إلى المريخ.

كالعادة، يمثل التمويل المشكلة الرئيسية؛ حيث يعني نقص التمويل المستقر وبعيد الأمد أن ناسا لم تتمكن قط من التخطيط مسبقاً بشكل جيد لتنفيذ برنامج مُقتَرَح أو استكشاف للفضاء العميق. يقول جون لوجسدون، وهو خبير في السياسات الفضائية بجامعة جورج واشنطن: “لطالما كان القرار السياسي حول مقدار التمويل المخصص للبرنامج الفضائي غير متوافق مع الطموحات المعلن عنها لهذا البرنامج. لقد كان التمويل قاصراً عن طموحاتنا الفضائية بشكل مستمر. ومن وجهة نظري، فإن كل ما كنا نريد القيام به منذ برنامج أبولو هو السعي إلى برنامج لسنا مستعدين لدفع تكاليفه”؟

غير أن الحل ليس معقداً مثل علم الصواريخ. يقول جيمس فيدا، وهو محلل سياسات في أيروسبيس كوربوريشن: “تكمن الحيلة في دفع الجميع إلى تحديد الأهداف بعيدة الأمد، والبرامج التي يمكن أن تُسهم في تحقيق هذه الأهداف. وإذا اتفقنا على طبيعة الأهداف النهائية، يمكننا عندئذ أن نحقق المزيد من الاستقرار للبرنامج الفضائي الأميركي”.

وعلى الرغم من أن برامج ناسا تتطلب عدة سنوات من العمل، فإن ميزانيتها معرضة للتقلبات سنوياً. يقول فيدا: “حتى فترة خمس سنوات تُعد قصيرة الأمد”. يمكن لهذه البرامج أن تتحمل التغيرات الحكومية أيضاً عن طريق تجاوز مدى السنة المالية الواحدة، وتخصيص اعتمادات متعددة السنوات، وحتى لا يشعر الكونجرس بالكثير من الضغوطات، يقترح فيدا تقسيم ميزانية ناسا إلى قسمين: مجموعة من البنود السنوية، وبرامج بعيدة الأمد يمكن مراجعتها مرة كل سنتين مثلاً.

طُرحت العديد من الاقتراحات على مدى العقود الماضية لتطبيق إصلاحات كهذه. “ولطالما وُوجِهت هذه المقترحات بالرفض القاطع”، وفقاً لفيدا. ويضيف أن أعضاء الكونجرس يخشون من فقدان السيطرة والإشراف على الوكالة بسبب الميزانيات متعددة السنوات. ولهذا يجد طاقم ناسا نفسه في وضع صعب، حيث يجب أن يصمم برامج بعيدة الأمد مثل أرتميس من دون تغطية مالية وسياسية مناسبة.

وسواء فاز بايدن أو ترامب بالرئاسة، فلن يتحقق هدف الذهاب إلى القمر أو المريخ قريباً، ما لم ينل البرنامج الفضائي الأميركي حماية صارمة من الجدل السياسي وتغيرات الإدارات. يقول لوجسدون: “لا شك في أن أوساط الفضاء سترغب في حدوث هذا، ومن لا يتمنى الحصول على حماية كهذه؟ غير أن النظام السياسي لا يعمل بهذه الطريقة”. ليس بعد، على أية حال.