Article image
مصدر الصورة: جوناس لي عبر أنسبلاش



معاقبة التطبيقات الفردية مثل تيك توك وويتشات تُمثل حلاً قصير الأجل لمشكلة طال أمدها.

2020-09-23 17:35:23

23 سبتمبر 2020

هل ستحظر الحكومة الأميركية تطبيقي تيك توك وويتشات، أم لا، ولماذا؟ من الصعب أن نخرج بقصة متماسكة حول هذه المسألة، في ضوء إصدار إدارة الرئيس دونالد ترامب أوامر وسياسات تنفيذية مبهمة الصياغة حول التطبيقات، وذلك حتى مع تحرك الطعون القانونية ضد الحظر المحتمل أمام المحاكم، و“موافقة” الرئيس على اتفاق يبقى بموجبه تطبيق تيك توك في متاجر التطبيقات الأميركية.

إن الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب ضد منصتي التواصل الاجتماعي المملوكتين للصين تحركها السياسة والجهود التي تهدف إلى أن تبدو صارمة مع الصين، أكثر مما تحركها المخاوف الفعلية المتعلقة بالخصوصية أو السلامة أو الأمن القومي. بيد أن هذا لا يعني عدم وجود تحديات مستقبلية صعبة أمام تنظيم المنصات الرقمية التي تقع مقراتها في الصين أو الولايات المتحدة أو غيرها من الدول.

وبينما تتكشف القصص الخاصة بتطبيقي تيك توك وويتشات -التي لا ينبغي لأحد أن يتوقع التوصل إلى حل نهائي لها في القريب العاجل- يتعين على صناع السياسات وخبراء التكنولوجيا والمواطنين النظر إلى ما وراء هذه البداية الفوضوية، إلى الأسئلة الأكثر عمقاً التي لم تُحَل بعد. وقد حان الوقت الآن لتطوير أدوات سياسة شاملة تحمي الخصوصية والأمن القومي من التهديدات الخارجية والمحلية.

وعلى نحو مماثل، إذا كانت إدارة ترامب جادة حقاً في منع الجهات الخبيثة من إساءة استخدام البيانات الشخصية الخاصة بالمستخدمين المقيمين في الولايات المتحدة، أو جادة في منع وكالات الاستخبارات الأجنبية من جمع مجموعات ضخمة من البيانات التي يمكنها أن ترسم صورة للمجتمع الأميركي، فإنها يجب أن تعالج مَكْمَن المشكلة: اقتصاد التطبيقات الذي يجمع أكبر قدر من البيانات يُمكن للشركات إدارته ويحوله إلى نقود.

ويستشهد منتقدو تيك توك وويتشات بالطريقة التي تجمع بها التطبيقات بيانات الموقع ومُعرفات الأجهزة والصلات الاجتماعية وسجلات التصفح وغيرها؛ للدفع بأن الحكومة الصينية يمكنها أن تستغل هذه البيانات لإجراء نوع من التحليلات المعتمدة على التعلم الآلي في المستقبل. ويرى المنتقدون أن منع وصول التطبيقات إلى المستخدمين المقيمين في الولايات المتحدة من شأنه أن يحمي البلاد من الاستخبارات الصينية، فضلاً عن حماية خصوصية المواطنين الأميركيين.

ولكن مهلاً، ليس بهذه السرعة؛ ففي دراسة أُجريت عام 2018، حلل باحثون من جامعة أكسفورد تدفقات البيانات الصادرة عن حوالي مليون تطبيق متوافر على متجر جوجل بلاي في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ووجدوا أن التطبيق المتوسط أرسل بيانات المستخدم إلى خمس شركات تتبع، وأن 17% من التطبيقات أرسلت البيانات إلى أكثر من 10 شركات. وقد أرسلت أكثر من 90% من التطبيقات التي تم تحليلها البيانات إلى شركات تقع مقراتها في الولايات المتحدة، في حين أرسلت 5% منها البيانات إلى شركات مقرها الصين. ومن المُسلم به أن هذه الأرقام لا تمثل سوى أول محطة تُرسل إليها البيانات بعد خروجها من هواتفنا الذكية؛ إذ إن بعض البيانات التي يتم نقلها إلى الشبكات الإعلانية وشركات التتبع تُعرض للبيع، وقد يكون من الصعب تعقب كل من البائعين والمشترين على حد سواء.

ليس الأمر كما لو أن الحكومة الأميركية تجهل أن الشركات التي تقع مقراتها خارج الصين -بما فيها تلك الموجودة في الولايات المتحدة- قد تسيء استخدام هذا النوع من تخزين البيانات. فقد أظهرت فضيحة كامبريدج أناليتيكا -التي تمحورت إلى حد كبير حول البيانات المستمدة من شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة فيسبوك- أن حملة ترشيح ترامب عام 2016 كانت على دراية تامة بكيفية استخدام البيانات الرقمية لاكتساب نفوذ سياسي.

كما أن السلطات لا تجهل الطرق الأخرى التي يُعتقد أن الاستخبارات الصينية تستخدمها للحصول على بيانات جماعية عن الأميركيين؛ إذ يُشتبه في اضطلاع قراصنة صينيين باختراق قاعدة بيانات مكتب إدارة شؤون الموظفين في الولايات المتحدة ضعيفة التأمين، وهو الاختراق الذي تم الكشف عنه عام 2015، بالإضافة إلى اختراق كل من شركة أنثيم للتأمين الصحي، وسلسلة فنادق ماريوت، ووكالة الائتمان ووسيط البيانات إكويفاكس.

والفضيحة الحقيقية هنا لا تتمثل في أن الحكومة الصينية قد تستغل البيانات الشخصية -وهي خطوة موثقة توثيقاً جيداً وليس من المفاجئ أن يُقدم عليها جهاز استخبارات كبير- إذ إن القيام بذلك أمر سهل للغاية بالنسبة لها وبالنسبة للعديد من الحكومات الأخرى، وسيظل هذا الأمر سهلاً حتى إذا تم حظر تيك توك وويتشات.

ومع ذلك، فقد اتسمت محاولات إدارة ترامب لحظر تيك توك وويتشات بالفوضى؛ حيث عانت من عدم الانتظام المعتاد بسبب رغبة ترامب -الرئيس المُحاصر- في أن يُنظر إليه باعتباره صارماً مع الصين بعد النتائج الضعيفة التي حققتها الحرب التجارية المُكلفة. علاوة على ذلك، فإن الإدارة لا تفعل أي شيء تقريباً لمعالجة المخاطر الحقيقية المتعلقة بالخصوصية والأمان المترتبة على استغلال الشركات للبيانات.

غير أن ثمة جانب إيجابي لكل هذا الاهتمام الذي يوليه الناس لمزاعم الإدارة؛ فقد يدفع الحظر المحتمل المواطنين والمؤسسات الأميركية في النهاية إلى المطالبة بإدارة شاملة للخصوصية والبيانات. كما يجب على الأشخاص المهتمين فعلاً بالتهديدات الإلكترونية الخارجية المحتملة أن يتحدوا لمواجهة التحدي الأكبر.

في المقابل، فإن هناك معارضة منظمة بشكل جيد لسن قواعد جادة لتنظيم مسألة الخصوصية في الولايات المتحدة، ويُمكن لهؤلاء المعارضين إنفاق أموال تفوق كل ما يتم إنفاقه على الجهود الحالية الرامية لإحراز تقدم حقيقي في هذه القضية. وتحقق العديد من أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية أرباحاً من تحويل التحليلات المتعمقة لحياة المستخدمين الخاصة وتفضيلاتهم إلى نقود، وهي تفعل ذلك انطلاقاً من مواقف متنوعة تجاه الخصوصية. وتخشى هذه الشركات من أن تكون التشريعات الوطنية التي تنظم خصوصية البيانات معقدة أو سيئة التصميم.

وبالرغم من أن المساهمات المقدمة من شركات التكنولوجيا ستكون ضرورية بلا شك لتحقيق التوازن الصحيح في أي تشريع فدرالي يتعلق بالخصوصية، إلا أن النفوذ الذي تتمتع به الشركات ورغبتها في البقاء بمنأى عن التدقيق طغى على المصلحة العامة لفترة طويلة. وإذا كنا محظوظين، فإن النقاش حول ويتشات وتيك توك سيُشرك المزيد من الأشخاص في عملية معالجة قضايا أمن البيانات.

ولحسن الحظ، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى الانطلاق من الصفر، فقد شرعت منظمات المجتمع المدني والأفراد -الذين تم تمكينهم مؤخراً من خلال القانون الأوروبي العام لحماية البيانات (GDPR) الذي أقره الاتحاد الأوروبي، والذي دخل حيز التنفيذ في مايو 2018- في الاضطلاع بمهام وسطاء البيانات. كما أن “مؤسسة الخصوصية الدولية” غير الربحية -التي تتخذ من لندن مقراً لها- قد طعنت في قانونية عمل وسطاء البيانات بموجب القانون الأوروبي العام لحماية البيانات، مستهدفة شركة أوراكل وغيرها من الشركات. كما يُعد قانون خصوصية المستهلك في ولاية كاليفورنيا، الذي يفرض على وسطاء البيانات في الولاية تسجيل أنفسهم في قائمة علنية، من بين مجموعة من القوانين التي صدرت مؤخراً لتنظيم مسألة الخصوصية على مستوى الولايات وعلى المستوى المحلي.

ومن شأن وجود مخطط تنظيمي جيد التصميم لحماية خصوصية البيانات وأمنها أن يضع قواعد تنظم جمع واستخدام وتخزين بيانات المستخدمين، والآليات الرسمية لتزويد المواطنين وهيئات الأمن القومي بالمعلومات التي يحتاجونها لكي يثقوا في أن تطبيقات معينة لا تشكل خطراً على الخصوصية أو الأمن.  وسيساعد هذا الأمر على ضمان احترام حرية التعبير والخصوصية في مختلف جوانب حياتنا، كما يوفر إطاراً لفرض رقابة ديمقراطية على الخوارزميات المسؤولة عن المحتوى المعتدل وتقديم الاقتراحات التي أعادت تشكيل المجال العام في الولايات المتحدة. ومن الأهمية بمكان أن تجري مناقشة أي من تلك المخططات والاتفاق عليها من خلال العملية التشريعية المعتادة.

أما التطبيقات المملوكة للصين، مثل تيك توك وويتشات، فلن تتمكن على الأرجح من الوفاء فوراً بالمتطلبات التي يفرضها إطار تنظيمي أميركي جيد التصميم؛ إذ إن أوجه القصور والمخاطر الكامنة في علاقاتها الوثيقة بالصين قد تكون عميقة إلى الحد الذي يجعل من غير الممكن التغلب عليها. ومن شأن عملية منصفة أن تحدد أنها قد لا تستمر في مزاولة عملها بشكل قانوني في الولايات المتحدة. ولكن من المحتمل أيضاً أن تتخذ هذه التطبيقات الخطوات اللازمة لتلبية متطلبات الولايات المتحدة وتهدئة المخاوف المشروعة بشأن الرقابة والتلاعب الخوارزمي ومراقبة الأفراد المستهدفين وغير ذلك. ويُمكن لعمليات التدقيق أن تضمن استيفاء هذه التطبيقات للمعايير.

ويتعين على الولايات المتحدة أن تفرض هذه المعايير بشكل عاجل على كل من يتعامل مع البيانات الأميركية الخاصة؛ إذ إن وجود إطار وطني للخصوصية وأمن البيانات لن يحكم التطبيقات الصينية المعروفة فحسب، وإنما يمكنه أيضاً أن يساعد على التصدي للاقتصاد الضخم وغير المنظم إلى حد كبير المعتمد على استغلال البيانات، والذي لا يزال يعمل بشكل يومي في الولايات المتحدة.