تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد منظمة الصحة العالمية تصرفٌ خاطئ، وله عواقب وخيمة.

2020-04-19 13:19:45

17 أبريل 2020
Article image

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيعلق تمويل الولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية. وعلى الرغم أنه من غير الواضح ما إذا كانت لديه بالفعل السلطة القانونية للقيام بذلك، لكن إذا ما وضعنا هذا الأمر جانباً، فإن هذا القرار يتسم بالسخافة كما أشار بيل جيتس ومجموعة متنوعة من قادة العالم؛ فلولا الإجراءات التي اتخذتها منظمة الصحة العالمية في الأشهر الأخيرة، لكانت تأثيرات هذا الوباء أسوأ بكثير.

لقد بدأت منظمة الصحة العالمية بإصدار “تقارير حالة” يومية عن كوفيد-19 في 21 يناير، عندما كان هناك 282 حالة مؤكدة فقط في جميع أنحاء العالم. وبحلول هذه المرحلة من الوباء، كانت المنظمة قد وضعت بالفعل مبادئ توجيهية مؤقتة للتشخيص المختبري، وإدارة التجارب السريرية، والوقاية من العدوى ومكافحتها، والاتصالات المتعلقة بالمخاطر. وبحلول منتصف فبراير، كانت المنظمة في طور إرسال معدات الوقاية الشخصية إلى البلدان النامية الأكثر احتياجاً إلى هذه المعدات. وفي 14 فبراير، شرعت في إرسال مجموعات الاختبار المخبرية لمرض كوفيد-19 إلى 56 دولة، وفي نهاية الشهر كانت هذه المجموعات قد وصلت إلى 93 دولة. كما جمعت سجلاً للمئات من التجارب السريرية وعملت على إنشاء “بروتوكول رئيسي” لهذه التجارب من أجل زيادة حجمها، من خلال تعبئة وتوفير مجموعات المرضى من جميع أنحاء العالم.

كانت النتيجة عبارة عن تجربة عالمية ضخمة، سميت باسم التضامن (Solidarity)، التي تم إطلاقها في 20 مارس. وستستخدم تجربة التضامن هذه بيانات من المستشفيات في عشرات البلدان لتقييم فعالية أربعة أدوية قد تُبطئ أو تقتل فيروس كورونا المستجد. ويعتبر هذا النهج العالمي أمراً حاسماً بشكل خاص في أثناء الوباء؛ إذ يجب أن تُجرى التجارب في مناطق تفشي المرض. فإذا تمكنت الإجراءات الفعالة للصحة العامة من السيطرة على تفشي المرض في منطقة واحدة قبل أن يتم تجميع ما يكفي من البيانات، فإنه يصبح من الصعب جداً اكتشاف فعالية الأدوية من عدمها؛ لذا من المهم توافر القدرة على توحيد البيانات التي تم جمعها من بؤر التفشي عند اندلاع الوباء فيها.

لكن هذا لا يعني أن منظمة الصحة العالمية كانت دائماً تقوم بالأمر الصحيح في الوقت المناسب.

فالمنظمة لم تعلن عن “حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً” حتى 30 يناير، بعد أن انتشر المرض إلى 19 دولة وتجاوز عدد الإصابات المعروفة 8000 شخصاً. ولم تعلن المرض باعتباره وباءً عالمياً حتى 11 مارس، وهو ما يزعم المنتقدون أنه كان متأخراً للغاية.

وفي هذا السياق، يتبين وجود خيارين اثنين؛ فإما أن نستنتج -كما استنتج ترامب- أن المنظمات متعددة الأطراف مثل منظمة الصحة العالمية غير مؤهلة للتعامل مع أزمة خطيرة، لذلك يجب أن نلجأ إلى نظام دولي حيث تكون الدول الوطنية هي القوى المؤثرة الوحيدة. أو يمكننا أن نقبل أنه في عالم تسود فيه العولمة فإننا في حاجة إلى مؤسسات عالمية قوية.

في الواقع، ليس هناك أمامنا أي خيار؛ فنحن في حاجة إلى الاستجابة العالمية، ومنظمة الصحة العالمية في حاجة لتوسيع سلطاتها وليس تقييدها.

تحتاج المنظمة إلى المزيد من القدرات حتى تتمكن من إجراء تحقيق مستقل في تفشي الأوبئة وتقديم دعم سريع وكبير للسيطرة عليها أينما تندلع. وينبغي أن تكون منظمة الصحة العالمية قادرة على تمويل وتنسيق تطوير ونشر الاختبارات والمعدات والعلاجات واللقاحات على الصعيد العالمي، وينبغي أن تكون قادرة على الاعتماد على أجزاء أخرى من الأمم المتحدة لتوفير استجابة مالية مخصصة للحد من التكاليف الاقتصادية الناجمة عن تفشي الأوبئة. ومن الناحية النظرية، تمتلك منظمة الصحة العالمية العديد من هذه الصلاحيات، لكنها تحتاج إلى المزيد من التمويل حتى تتمكن من الاضطلاع بها.

وإجمالاً، تحتاج العديد من الدول الأعضاء فيها إلى المزيد من الأموال المخصصة لمراقبة الأمراض حتى تستطيع الكشف عن تفشي الأوبئة في بدايتها وقبل أن تتحول إلى أزمات. وينبغي على العالم توفير دعم أكثر تنسيقاً بهدف التطوير والنشر السريع للاختبارات والعلاجات ولقاحات الأوبئة والأمراض المعدية التي يحتمل أن تتحول إلى أوبئة. لكن المبالغ المالية المتاحة للمنظمة ليست كبيرة بما يكفي؛ ففي عام 2016، قدرت اللجنة المعنية بإعداد إطار مخاطر الصحية العالمية للمستقبل أن إنفاقاً سنوياً إضافياً على مستوى العالم بمقدار 4.5 مليار دولار سيكون كافياً لمعالجة نقاط الضعف الأكثر إلحاحاً في الأمن الصحي العالمي.

غير أن الدول الأعضاء كانت قد حددت سقفاً ثابتاً للميزانية الأساسية لمنظمة الصحة العالمية منذ ثمانينيات القرن الماضي. واعتباراً من عام 1993 فصاعداً، كانت السياسة عبارة عن نمو اسمي صفري ومن دون احتساب التضخم. يجب أن يأتي جزء أكبر من ميزانية منظمة الصحة العالمية من مساهمات إلزامية تقوم بها مجموعة واسعة من البلدان بدلاً من التبرعات الحالية القادمة من عدد صغير من الدول؛ ففي الوقت الحالي، فإن نسبة 80% من تمويل المنظمة مصدره “المساهمات الطوعية” بالإضافة إلى المساهمات المفروضة على الأعضاء كشرط للعضوية. وحتى الآن، كانت الولايات المتحدة أكبر مانح للمنظمة في السنوات الأخيرة؛ ففي عام 2018 -وهو أحدث عام تتوافر فيه إحصاءات كاملة- قدمت الولايات المتحدة مساهمة طوعية بقيمة 281 مليون دولار للصندوق العام لمنظمة الصحة العالمية، مقارنة بـ 6.3 مليون دولار قدمتها الصين.

ومن خلال تقديم المشورة، كان على قيادة منظمة الصحة العالمية أن تعمل ضمن إطار توازن دقيق بين الخوف والرضا بواقع الحال، بينما تتعامل في نفس الوقت مع الضغوط السياسية الحتمية التي تواجهها المنظمة باعتبارها هيئة تابعة للأمم المتحدة وممولة من قِبل الحكومات الوطنية؛ فقد بذلت الصين جهوداً نشطة لكبت المعلومات حول كوفيد-19 وقامت باعتقال مُسرِّبي المعلومات حول هذا الموضوع. وتلكأت منظمة الصحة العالمية في التفاوض لتنفيذ مهمة إلى الصين لدراسة تفشي المرض، وأشاد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس باستجابة الصين أثناء محاولته الحصول على موافقتها لتنفيذ المهمة. وقد أدى ذلك إلى إدانة حتمية من قِبل المحللين المناهضين للصين في الولايات المتحدة.

ويردد عدد من هذه الإدانات الشكاوى التي تم تقديمها في أعقاب استجابة منظمة الصحة العالمية الباهتة لتفشي فيروس إيبولا في غرب إفريقيا عام 2014، الذي أودى بحياة أكثر من 11000 شخص في جميع أنحاء غينيا وليبيريا وسيراليون. وبعد أزمة إيبولا، دعت لجنة دولية شكلتها منظمة الصحة العالمية إلى تحقيق تحول يسمح للمنظمة بالتصرف بشكل مستقل وحاسم. وكان من المقدر لهذه الخطة أن تمنح منظمة الصحة العالمية المزيد من القوة والمال.

وفي مايو 2019، وجدت مراجعة داخلية أن معظم الإصلاحات الموصى بها لم تجد طريقها إلى التنفيذ. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية نفسها، فإن برنامج الطوارئ الصحية -الذي تم إنشاؤه لقيادة الاستجابة لحالات تفشي الأمراض بعد أزمة إيبولا- يعاني من نقص مزمن في التمويل ولا يتمتع بالإمكانات اللازمة. كما تقول المنظمة إن العديد من البلدان لا تفي بمسؤولياتها بموجب اللوائح الصحية الدولية، وهي معاهدة دولية ملزمة يفترض أن تعمل منظمة الصحة العالمية على تنفيذها، وقد وافقت عليها كل دولة تقريباً على وجه الأرض.

وبالنظر إلى أوجه القصور هذه، قد يدفع البعض باتجاه التخلي عن المؤسسات الدولية والاعتماد على بدائل أحادية الجانب. لكن هناك الكثير من المشاكل التي لا يمكن للإجراءات غير المنسقة بين الدول أن تحلها، دون إغلاق دائم للحدود؛ إذ لا يمكن لحظر السفر حماية البلدان المتصلة ببعضها، كما أن تجاهل النصائح الدولية -بخصوص معدات الاختبار على سبيل المثال- قد أدى إلى تأخيرات في الاستجابة، وبالتالي إلى وفيات. بالإضافة إلى ذلك، ينطوي تطوير واختبار ونشر اللقاحات والعلاجات بالفعل على شبكات من العلماء والشركات في جميع أنحاء العالم، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية. ولا تستطيع أي جهة -باستثناء هيئة دولية تتمتع بالمصداقية والثقة العالمية- أن تضمن نشر المعلومات ذات الصلة. وعلى الرغم من أن المهمة المشتركة بين منظمة الصحة العالمية والصين كان يجب أن تتم في وقت أقرب، إلا أنها مثلت المصدر الأول للبيانات الموثوقة عن تفشي المرض والاستجابة له في ووهان.

وفي وقت تتأزم فيه العلاقات الدولية، تلعب منظمة الصحة العالمية دوراً لا غنى عنه كوسيط نزيه؛ فعلى الرغم من أن استجابة المنظمة لوباء إيبولا لم تكن موفقة، ورغم تعثراتها في التعامل مع الأزمة الحالية، إلا أنها في المقابل حققت نجاحات مهمة يجب ألا نغفلها؛ فقد لعبت منظمة الصحة العالمية دوراً محورياً في القضاء على الجدري، بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حتى في خضم الحرب الباردة. وكانت تلك أنجح مواجهة ضد عدوى عالمية في تاريخ البشرية. 

تواجه جميع المنظمات الدولية تحديات الحوكمة، لكن هذا لا يعني أنه يجب التخلي عنها، ويمكن مقارنتها بحقيقة أن بعض الناس لا يدفعون ضرائبهم لكن ذلك لا يمثل سبباً لإغلاق دائرة الإيرادات الداخلية، بل يمثل حجة لتوفير المزيد من الموارد لمساعدة هذه المنظمات على تحفيز استجابة السياسة الوطنية بما يحقق الصالح العام.

نحن لا نحتاج إلى المزيد من التنسيق العالمي واحترام المنظمات الدولية عند تفشي الأوبئة فحسب، فعلى سبيل المثال، كان يمكن للالتزام الراسخ ببروتوكول كيوتو والاتفاق على معاهدة ملزمة لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أن يساعد على إبطاء التغير المناخي. إن العولمة اليوم حقيقة واقعة وليست تفضيلاً أيديولوجياً، والقضايا العابرة للحدود ترسم حدود رفاهيتنا بشكل متزايد. ولذا، نحن في حاجة إلى مؤسسات عابرة للحدود تتمتع بالميزانية والسلطة والتأثير الكافي لتمكينها من الاستجابة.


شارك