Article image
مصدر الصورة: سيرجي أكوليش عبر بيكسلز



سيمثل الطلب المتزايد على أجهزة التكييف تهديداً لشبكات الطاقة ويسرّع من الاحتباس الحراري، إذا ما لم نسارع من أجل إجراء تغييرات كبيرة.

2020-09-03 19:22:21

03 سبتمبر 2020

عندما ضربت موجات الحَرّ غير المسبوقة سكان ولاية كاليفورنيا الشهر الماضي، أدى العبء الجماعي الناجم عن تشغيل ملايين أجهزة تكييف الهواء إلى إجبار مشغلي شبكة كهرباء الولاية على إغراق مئات الآلاف من المنازل في الظلام.

لقد قدَّم الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي لمحة بسيطة حول ما يمكن أن يحدث ليس فقط في كاليفورنيا، وإنما في مناطق أخرى كثيرة أيضاً؛ حيث إن تزايد عدد السكان وتنامي الدخل والتوسع الحضري وارتفاع درجات الحرارة في الصيف قد تؤدي إلى مضاعفة عدد وحدات التكييف المثبَّتة في جميع أنحاء العالم بمقدار ثلاثة أضعاف بحلول منتصف القرن، ما يدفع عددها الإجمالي إلى 6 مليارات وحدة، وفقاً لتقرير مستقبل التبريد الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة.

في الواقع، يمثل تكييف الهواء أحد أكثر تحديات تغير المناخ خطورة، وإحدى أكبر المشكلات التي يصعب حلها من الناحية التكنولوجية. وكلما ارتفعت درجة الحرارة في العالَم، ازدادت حاجتنا إلى التبريد، ليس فقط من أجل الراحة، ولكن أيضاً من أجل الصحة والنجاة والصمود في أجزاء كبيرة من العالم.

بيد أن مكيفات الهواء نفسها تنتج ما يكفي من الحرارة للتسبب بزيادة ملموسة في درجات الحرارة في المناطق الحضرية، كما أنها تسرِّب غازات دفيئة شديدة الفعالية. بالإضافة إلى ذلك، ستشكل هذه المليارات من الوحدات الجديدة المتعطشة للطاقة أحد أكبر مصادر زيادة الطلب على الكهرباء في جميع أنحاء العالم.

وما لم يتم إجراء تحسينات كبيرة بهذا الخصوص، فسوف يرتفع الطلب على الطاقة الناجم عن التبريد بمعدل ثلاثة أضعاف أيضاً، ليصل إلى 6,200 تيراواط/ ساعة بحلول عام 2050، أو ما يقارب ربع إجمالي استهلاك الكهرباء في العالم حالياً.

وادي الموت في كاليفورنيا سجل أعلى درجات حرارة تم توثيقها حتى الآن أثناء موجات الحر الشديدة الشهر الماضي.
مصدر الصورة: جون لوتشر عبر أسوشييتد برس

على الرغم من جسامة التحديات المتعاظمة، كان التمويل المتدفق إلى هذا القطاع قليلاً نسبياً، ولم يتم تسجيل إلا تقدم ضئيل في المنتجات الموجودة في السوق. وبغض النظر عن بعض المكاسب البطيئة في الفعالية، تعمل التكنولوجيا الأساسية للتبريد بشكل مشابه جداً لطريقة عملها عندما تم إطلاقها منذ ما يقارب القرن من الزمن.

يقول فينس رومانين، الرئيس التنفيذي لشركة ترو (Treau) التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها، وهي شركة ناشئة للتبريد الخفي تعمل على تطوير نوع جديد من المضخة الحرارية: “إن الواقع يتحدث عن نفسه بالنظر إلى الزيادة المستمرة في استخدام مكيفات هواء النوافذ، في حين يبدو المنتَج مشابهاً إلى حد كبير من حيث الشكل وطريقة العمل لما كان عليه منذ عقود. أعتقد أن الكثير من الناس متحمسون لإنتاج شيء جديد في هذا المجال، ولكن لم يكن هناك سوى تقدم تدريجي”.

لقد تم تحقيق تحسينات أكبر بكثير من حيث التكاليف والأداء في جميع تقنيات الطاقة الأخرى في العقود الأخيرة -مثل الألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية- مدفوعة بالسياسات العامة وجهود البحث المخصصة والطلب المتزايد على البدائل الأنظف. وتمثل شركة ترو واحدة من عدد من الشركات الناشئة والمجموعات البحثية التي تحاول اليوم استكشاف طرق مختلفة لتحقيق تقدم مماثل في مجال التبريد.

ولكن حتى لو أصبح المخزون العالمي لوحدات التكييف أكثر كفاءة، فإن القفزات المتوقعة في الاستخدام كبيرة جداً، لدرجة أن الطلب العالمي على الكهرباء سيستمر في الارتفاع. وسيؤدي ذلك إلى تعقيد المهمة المذهلة بالفعل لتنظيف قطاعات الطاقة في العالم. هذا يعني أن الدول لا تحتاج إلى إصلاح البنية التحتية الحالية للكهرباء فحسب، بل يجب عليهم أيضاً بناء أنظمة أكبر بكثير مما كانت عليه في أي وقت مضى، وأن يقوموا بكل ذلك مستخدمين مصادر خالية من الكربون.

المليارات من مكيفات الهواء الجديدة

إن التبريد الدائم لأحجام هائلة من الهواء الساخن الذي يملأ المنازل والمكاتب والمصانع يشكل مستهلِكاً هائلاً للطاقة، وسيبقى كذلك أبداً.

لا تقتصر المشكلة فقط على أن المزيد من أجهزة التكييف ستتطلب المزيد من الكهرباء لتشغيلها، بل إنها ستتسبب بشكل خاص في ارتفاع الكمية المطلوبة من الكهرباء خلال أوقات الذروة، عندما تكون درجات الحرارة لاهبة فعلاً ويقوم الجميع برفع مستوى تبريد مكيفات الهواء في نفس الوقت. هذا يعني أننا في حاجة إلى الإسراف في بناء أنظمة الكهرباء لتلبية مستويات الطلب التي قد تحدث لبضع ساعات فقط من أيام قليلة في السنة.

ووفقاً لدراسة منشورة عام 2019 في مجلة الطاقة التطبيقية، أجراها باحثون من ولاية أريزونا وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، قد يؤدي ارتفاع درجات الحرارة -مقترناً مع النمو السكاني في مقاطعة لوس أنجلوس- إلى زيادة الطلب على الكهرباء خلال ساعات الذروة في الصيف بنسبة، تصل إلى 51% بحلول عام 2060 في ظل سيناريو انبعاثات عالية.

ويمكن لهذا أن يضيف ما يصل إلى 6,5 جيجاواط إضافية سينبغي على مشغلي الشبكة الكهربائية أن يتمكنوا من تأمينها في الحال، أو سيتوجب عليهم الإنتاج الفوري لما يقرب من 20 مليون لوح طاقة شمسية باستطاعة 300 واط في يوم مشمس.

وينبغي القيام بكل ذلك في واحدة فقط من 58 مقاطعة في كاليفورنيا. سيشهد العالم زيادات أكبر بكثير في الطلب على التكييف في الدول التي تتوسع فيها الطبقة الوسطى بسرعة، وحيث ستصبح موجات الحر أكثر شيوعاً وشدة. ومن الجدير بالذكر أن الوكالة الدولية للطاقة تتوقع أن تقوم الهند بتركيب 1,1 مليار وحدة إضافية بحلول عام 2050، ما يؤدي إلى زيادة حصة أجهزة تكييف الهواء من ذروة الطلب على الكهرباء في البلاد من 10% إلى 45%.

تنظيف الشبكة الكهربائية

يجب أن يحدث الإصلاح الأكثر أهمية خارج صناعة التكييف؛ حيث إن انتقال شبكة الكهرباء ككل إلى زيادة استخدام مصادر الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، سيؤدي إلى تخفيض مطّرد في الانبعاثات غير المباشرة لغازات الدفيئة الناجمة عن الطاقة المستخدمة لتشغيل وحدات تكييف الهواء.

وعلاوة على ذلك، فإن تطوير شبكات كهربائية ذكية بشكل متزايد يمكن أن يساعد أنظمة الكهرباء في التعامل مع ضغوطات طلب مكيفات الهواء على الطاقة في وقت الذروة، ويستلزم ذلك إضافة أجهزة استشعار وأنظمة تحكّم وبرامج يمكنها تقليل الاستخدام تلقائياً مع انخفاض درجات الحرارة خارج الأبنية، أو عندما يغادر الناس أماكنهم لفترات طويلة، أو عندما يبدأ الطلب في الارتفاع ليتجاوز حجم التوليد المتاح من الطاقة.

يستطيع العالَم أيضاً خفض الانبعاثات المباشرة من تكييف الهواء عن طريق الانتقال إلى استخدام المبرِّدات البديلة، وهي المركّبات الأساسية داخل أجهزة التبريد والتي تمتص الحرارة من الهواء. يعتمد المصنِّعون إلى حد كبير على مركبات الكربون الهيدروفلورية، وهي غازات دفيئة شديدة الفعالية يمكن أن تتسرب أثناء التصنيع والإصلاح أو في نهاية عمر استخدام وحدة التكييف. ولكن بموجب تعديل عام 2016 لبروتوكول مونتريال، يجب على الشركات والبلدان التحول بشكل متزايد إلى الخيارات ذات التأثيرات المنخفضة على الاحتباس الحراري مثل فئة المركبات الواعدة المعروفة باسم هيدروفلوروأوفلين (HFOs)، وبعض الهيدروكربونات مثل البروبان، وحتى ثاني أكسيد الكربون (الذي -في الحد الأدنى- يؤثر بنسبة أقل على الاحتباس الحراري من المبرِّدات الموجودة).

ووفقاً لتقدير الحد الأعلى من تحليل بروجيكت دروداون (Project Drawdown)، يمكن للمبرِّدات البديلة أن تقلل الانبعاثات بما يعادل حوالي 50 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون في العقود القادمة (أطلق العالم ما يقرب من 37 مليار طن في العام الماضي، وفقاً لمشروع الكربون العالمي).

كما تتوفر أساليب واضحة لتخفيف الأحمال الكهربائية اللازمة لتبريد المباني، بما في ذلك إضافة العزل، وسد نقاط تسرب الهواء، وتركيب أغطية أو شرائح على النوافذ، وتطبيق الألوان أو المواد العاكسة على الأسطح. من شأن إقامة مثل هذه “الأسطح الباردة” عبر 80% من المباني التجارية في البلاد أن تساعد على خفض الاستخدام السنوي للطاقة بأكثر من 10 تيراواط / ساعة، وتوفير أكثر من 700 مليون دولار، وفقاً لدراسة سابقة أجراها مختبر لورانس بيركلي الوطني.

تجنب “أزمة البرد”

في نهاية المطاف، ينبغي على العدد المتزايد من وحدات التكييف المشغَّلة في المنازل والمباني حول العالم أن تصبح أكثر كفاءة في استخدام الطاقة لتجنب ما يُعرف باسم “أزمة البرد” القادمة.

تعتبر السياسة العامة إحدى أقوى الأدوات لإحداث هذه التحسينات؛ إذ تشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن أفضل تقنية متاحة حالياً تحقق كفاءة أعلى بمقدار الضعف مقارنة مع متوسط كفاءة التقنيات المستخدمة فعلياً حول العالم، وتتمتع بجودة أكبر بثلاثة أضعاف مقارنة بمعظم المنتجات التي لا تتسم بالكفاءة الموجودة في السوق.

تكمن المشكلة في أن معظم الأشخاص والشركات لن يُقدِموا على دفع الكثير لقاء أنظمة أكثر كفاءة لمجرد المساعدة في تحقيق أهداف المناخ العالمي، لا سيما في الأجزاء الفقيرة من العالم. ولكن يمكن للدول من خلال التفويضات أو الحوافز أو الإعانات أن تساعد في ضمان إنتاج وبيع المزيد من نماذج وحدات التكييف ذات الكفاءة الأعلى.

تتقلص الزيادة المتوقعة في استخدام الطاقة المرتبطة بالتبريد بنسبة 45% بحلول منتصف القرن في ظل سيناريو الوكالة الدولية للطاقة الذي يتضمن هذا النوع من السياسات، (ولا يفترض تحقيق أي تقدم تكنولوجي).

ولكن حتى ذلك الحين، فإن الطلب على الطاقة لتكييف الهواء سيواصل ارتفاعه ليقفز بنحو 70% بحلول منتصف القرن، وهذا يعادل ارتفاعاً بمقدار ثلاثة أضعاف الطلب الحالي. لكن تحقيق مكاسب إضافية كبيرة قد يتطلب إحداث تغييرات أكثر جذرية.

تغيير جذري

يحاول عدد من الشركات الناشئة دفع الأمور إلى أبعد من ذلك؛ حيث تحاول شركة ترانسيرا (Transaera) -التي شارك في تأسيسها أستاذ الطاقة في إم آي تي ميرسيا دينشا- تحسينَ الكفاءة بشكل كبير من خلال التعامل مع رطوبة الهواء كخطوة منفصلة.

إذ إنه بالإضافة إلى تبريد الهواء المحيط، يتعين على وحدات تكييف الهواء التقليدية تكريس كميات هائلة من الطاقة للتعامل مع بخار الماء هذا، الذي يحتفظ بحرارة كبيرة ويجعل الجو أكثر إزعاجاً. ويتطلب ذلك خفض درجة الحرارة إلى أدنى بكثير من الدرجة التي يعرضها الجهاز من أجل تحويل البخار إلى سائل وإزالته من الهواء.

ويقول دينشا: “إنها طريقة غير فعالة إلى حدٍّ بعيد، إنها تستهلك الكثير من الطاقة من دون داعٍ لذلك”.

يعتمد أسلوب ترانسيرا على فئة من المواد شديدة المسامية تُعرف باسم الهياكل المعدنية العضوية التي يمكن تعديلها وتخصيصها لالتقاط مركبات معينة والتشبث بها، بما في ذلك الماء. وقد طورت الشركة جهازاً ملحقاً بأنظمة التكييف يستخدم هذه المواد لتقليل الرطوبة في الهواء قبل أن يدخل إلى وحدة تكييف قياسية. ويقدر دينشا أنه يستطيع تحسين كفاءة الطاقة الإجمالية بأكثر من 25%.

وتمثل ترانسيرا أحد المرشحين النهائيين لجائزة التبريد العالمية البالغة 3 ملايين دولار، وهي مسابقة مصممة لتسريع التقدم في تكييف الهواء للحد من التأثيرات المناخية. وتختبر الشركة حالياً نماذج أولية في الهند بالشراكة مع أحد أقسام عملاق الأجهزة المنزلية الصينية هاير (Haier).

وفي الوقت نفسه، قامت شركة سكايكول سيستمز (SkyCool Systems) في ماونتن فيو بكاليفورنيا بتطوير مرايا ذات تقنية عالية يمكنها توجيه الحرارة إلى المساحات الباردة في الفضاء، مستفيدةً من ظاهرة طبيعية تُعرف باسم التبريد الإشعاعي.

لقد تم تصميم المواد لإصدار إشعاع في نطاق ضيق من طيف الضوء، الذي يمكنه التسلل عبر جزيئات الماء ومركبات الغلاف الجوي الأخرى التي تشع الحرارة مرة أخرى باتجاه الكوكب.

وعند وضعها على أسطح المنازل، يمكن لهذه المواد أن تحل محل الأنظمة التقليدية لتبريد المباني أو تشكل وسيلة مساعدة لها. تقدر الشركة أن هذه التكنولوجيا تستطيع تخفيض الطاقة المستخدمة لتبريد المباني بنسبة تتراوح بين 10 إلى 70% تبعاً للإعدادات والمناخ. وتعمل سكايكول حالياً على تركيب المواد في رابع مواقعها التجارية.

تستكشف شركات ناشئة أخرى أفكاراً من قبيل مضخات الحرارة الجوفية، وتقنية الحالة الصلبة التي تتيح الاستغناء عن غازات التبريد، والتطورات الجديدة في التبريد التبخيري الذي يعتمد عادةً على منصات مبللة بالماء لتقليل درجات حرارة الهواء.

والخبر السار هو أن بعض الأموال قد بدأت تتدفق إلى مجالات التدفئة والتهوية وتكييف الهواء؛ حيث تتبعت شركة الأبحاث سي بي إنسايتس (CB Insights) ثماني صفقات تمويل فقط بقيمة 40 مليون دولار في عام 2015، ولكن في العام الماضي سجلت 35 صفقة بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 350 مليون دولار (يشمل ذلك القروض واستثمارات رأس المال الجريء وعمليات الاستحواذ). وقد تم بالفعل إبرام 39 صفقة تبلغ قيمتها حوالي 200 مليون دولار هذا العام.

لكن النبأ السيئ هو أن زيادة مستوى التمويل تعد قليلة مقارنة بعشرات المليارات من الدولارات التي تتدفق في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا الأخرى، كما تعتبر ضئيلة بالنسبة إلى حجم المشاكل القادمة.


شارك



محرر رئيسي في مجال الطاقة، إم آي تي تكنولوجي ريفيو