كانت أعماله أساسية لفهم علم زراعة الأعضاء وتطوير تطبيقاته الطبية، وكان يُعتبر بمثابة "الأب" لهذا المجال العلمي.

2020-05-05 12:06:44

29 فبراير 2020
Article image
مصدر الصورة: CODEBREAKERS, MAKERS OF MODERN GENETICS
CC BY (https://creativecommons.org/licenses/by/4.0)

نشأته وتعليمه

وُلد بيتر مدور في مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل في شهر فبرارير من عام 1915 لأمّ إنجليزية وأب لبناني. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918، انتقلت العائلة مباشرةً إلى إنجلترا حيث قضى مدور طفولته. التحق بمدرسة مارلبورو الداخلية، وفيها قام أستاذه في علم الأحياء بزرع الشغف لديه بهذه المادة، ولم يعدّ يفكّر بدراسة أي شيء آخر منذ ذلك الحين. وبالفعل، درس علم الحيوان في كلية ماجدالين في أكسفورد، وأنهى دراسته الجامعية مع مرتبة الشرف الأولى في عام 1935، ليصبح بعدها باحثاً ومدرّساً مساعداً في الكلية. عمل بعد ذلك تحت إشراف العالِم الأسترالي البارز في مجال الأدوية والأمراض، هوارد فلوري، في كلية علم الأمراض بجامعة أكسفورد، وزادت حينها اهتماماته بالأبحاث البيولوجية ذات التطبيقات الطبية.

حياته المهنية

عُيّن مدور زميلاً في كلية ماجدالين في عام 1938، وبقي في جامعة أكسفورد حتى عام 1947، والذي قبِل فيه عرضاً للعمل كأستاذ جامعي في علم الحيوان بجامعة برمنجهام. ثمّ عمل كأستاذ في علم الحيوان والتشريح المقارن بجامعة لندن بين عامي 1951 و1962. وفي عام 1962، أصبح مديراً للمعهد الوطني للأبحاث الطبية (NIMR) في ميل هيل، حيث حقّق نجاحات بارزة، وكان خلال هذه الفترة يقوم بواجباته الإدارية المطلوبة للمنصب، ولكنه كان يقضي يومين من كل أسبوع لإجراء الأبحاث في المختبر.

وبينما كان يلقي خطابه الرسمي أمام الجمعية البريطانية لتقدّم العلوم في عام 1969، أصيب مدور بسكتة دماغية، كانت هي الأولى من عدة سكتات أصابته. وعلى الرغم من أن هذه السكتة الدماغية أدت إلى إصابته بالشلل الجزئي في الجانب الأيسر من جسمه، إلا أنه واصل أبحاثه وكتاباته بمساعدة زوجته وزملائه في المختبر. أجبرته المخاوف المتعلّقة بصحته على التنحّي من رئاسة المعهد الوطني للأبحاث الطبية في عام 1971، وتمّ تعيينه في ذلك الوقت رئيساً لقسم بيولوجيا زراعة الأعضاء في مركز الأبحاث السريرية في هارو، وظل في هذا المنصب حتى عام 1986.

كان مدور كاتباً علمياً متميزاً أيضاً. فمنذ أواخر الخمسينيات وحتى وفاته، كتب أو شارك في كتابة أكثر من عشرة كتب عن العلوم وفلسفة العلوم، بما فيها كتابي (The Uniqueness of the Individual) و (The Future of Man) عام 1957، وكتاب (The Hope of Progress) عام 1972، (The Limits of Progress) عام 1984، وأخيراً كتابه (Memoir of a Thinking Radish) الذي تحدّث فيه عن سيرته الذاتية عام 1986.

إنجازاته ومساهماته العلمية

كانت أبحاث مدور الأولى في جامعة أوكسفورد حول زراعة الأنسجة وتجدّد الأعصاب الطرفية والتحليل الحسابي لتغيّرات شكل الكائنات الحية، والتي تحدث أثناء تطوّرها. تزايد اهتمام مدور بالتحمّل المناعي بسبب بحثه في الطعوم الجلدية الذي بدأ به خلال الحرب العالمية الثانية. فعندما تحطّمت طائرة بالقرب من منزله في أكسفورد خلال معركة بريطانيا، طلب الأطباء الذين كانوا يعالجون الطيار المصاب بحروق شديدة مشورة مدور، على أمل أن توفّر دراساته بشأن تطوّر الخلايا بعض المساعدة. كان مدور يعتقد أن الطعوم الجلدية هي أفضل علاج ممكن، رغم معرفته بأنها تفشل بشكل دائم تقريباً.

بعد عدم قدرته على مساعدة الطيار، ركّز مدور على مشكلة علاج ضحايا الحروق وسافر إلى غلاسكو لدارسة المشكلة بشكل أكبر مع الجرّاح توماس جيبسون لصالح مجلس الأبحاث الطبية، والذي طلب منه معرفة السبب في أن الجلد المأخوذ من شخص ما لا يشكّل طعماً دائماً عند وضعه على جلد شخص آخر.

وفي تجربة للطعوم الذاتية المأخوذة من جسم المريض نفسه وللطعوم المأخوذة من المتبرعين، وجد مدور وجيبسون أنه على الرغم من النجاح الأولي لكلا النوعين من الطعوم، إلا أن الطعوم المأخوذة من المتبرعين تعرّضت للرفض في غضون أسبوعين. وعندما تمت تجربة طعم ثاني من نفس المتبرع، تم رفض الطعم بسرعة أكبر. اقترح مدور أن الفترة الكامنة التي تلي الطعم الأولي والمقاومة المتزايدة للطعوم اللاحقة كانت من سمات الاستجابة المناعية. تابع دراسته للطعوم الجلدية على الأرانب في مختبره بجامعة أكسفورد، واقتنع أيضاً بأن شكوكه الأولية كانت صحيحة، حيث كان رد الفعل تجاه الطعم مناعياً في الواقع.

مكّنه هذا العمل من إعداد نظريات في مجال مناعة زراعة الأعضاء، والتي شكلت الأساس لأعماله اللاحقة حول هذا الموضوع. وعندما انتقل إلى برمنغهام في عام 1947، واصل العمل مع زملائه حول الأمر ودراسة مشاكل التصبّغ والطعوم الجلدية عند المواشي، والاعتماد على الطعوم الجلدية للتمييز بين التوائم المتطابقة وغير المتطابقة. وخلصوا إلى أن الظاهرة التي أطلقوا عليها اسم “التحمّل المكتسب النشط” للطعوم يمكن إعادة إنتاجها بشكل مصطنع. وعندما انتقل إلى لندن في عام 1951، واصل العمل مع زملائه بشأن ظاهرة التحمّل تلك، والتي شغله تحليلها التفصيلي لعدة سنوات. كما أجرى أبحاثاً أخرى حول مناعة زراعة الأعضاء.

واصل مدور دراساته وتجاربه على الحيوانات، إلى أن توصّل إلى أحد الاكتشافات الأساسية في علم المناعة، مؤكّداً افتراض بورنيت بأن مفهوم “الذات” يتحدّد من قبل الجهاز المناعي أثناء التطور الجنيني. ووفقاً لهذه الفرضية، تقوم الكائنات الفقارية أثناء التطوّر الجنيني وبعد الولادة بفترة قصيرة بتطوير القدرة على التمييز بين المواد التي تنتمي إلى أجسامها وبين المواد الغريبة عنها. وكانت هذه الفرضية تتناقض مع الرأي القائل بأن الفقاريات ترِث هذه القدرة عند الحمل. تمّ التوصّل إلى ذلك عن طريق إثبات إمكانية الوقاية من رفض الطعم عند الفئران والدجاج إذا تم تقديم الخلايا الغريبة التي سيتم أخذها من المتبرع المستقبلي إلى المتلقي أثناء فترة الجنين أو بعد الولادة مباشرة (أي عندما تكون الحيوانات غير ناضجة مناعياً). كان ذلك بمثابة دليل واضح على أنه من الممكن التغلّب على العوائق المناعية التي تحول دون زراعة الأنسجة والأعضاء الغريبة (والتي كان يُعتقد بأنه لا يمكن التغلب عليها)، وذلك من خلال التدخلات المناعية المُحكمة، مما فتح المجال بشكل واسع أمام الجهود العلمية.

تابع مدور دراسة مناعة زراعة الأعضاء، ونجح في إظهار الخصائص المثبطة للمناعة للمصل المضاد للمفاويات وأعاد توجيه الاهتمام إليه. وخلال سنواته الأخيرة في المختبر، وجّه مدور اهتمامه إلى أبحاث السرطان، وركّز بشكل أساسي على التعزيز المناعي كوسيلة لوقف نمو الأورام.

جوائزه وتكريماته

تم انتخاب مدور زميلاً للجمعية الملكية في لندن عام 1949، وحصل في عام 1960 -بالمشاركة مع الدكتور فرانك ماكفارلين بورنيت- على جائزة نوبل في الطب/ الفيزيولوجيا عن اكتشاف التحمّل المناعي المكتسب. ومنحته الحكومة البريطانية رتبة الإمبراطورية عام 1958 ووسام طبقة الفرسان عام 1965 ووسام رفقاء الشرف عام 1972 ووسام الاستحقاق عام 1981. وحصل على جائزة كالينغا لتبسيط العلوم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) عام 1985، وعلى درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم من جامعة برمنغهام عام 1961.

كما منحته الجمعية الملكية في لندن الميدالية الملكية عام 1959، وتم انتخابه عضواً في أكاديمية نيويورك للعلوم والأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم والجمعية الفلسفية الأميركية. وحصل على جائزة مايكل فاراداي عام 1987 لجهوده المتميزة في تقديم العلوم للجمهور. وتمّت تسمية ثلاث جوائز تيمّناً باسمه، فضلاً عن العديد من الجوائز والعضويات الأخرى.

وفاته

في أواخر شهر سبتمبر من عام 1987، تعرّض مدور لسكتة دماغية شديدة جعلته يدخل في غيبوبة. توفي بعدها بثمانية أيام في 2 أكتوبر بمستشفى رويال فري في لندن. وكان عندها يبلغ من العمر 72 عاماً.

سيخلد اسم مدور في ذاكرة أصدقائه وزملائه ليس من أجل إنجازاته العلمية فحسب، بل أيضاً لشخصيته الناقدة الفذّة وروحه المرِحة وعقله المبدع.