تصور جديد أكثر وضوحاً حول كيفية تغير النجوم مع الزمن، وكيف يمكن أن تؤثر الرياح والإشعاعات الشديدة من النجوم الهائلة على النجوم القريبة الأقل كتلة وعلى أقراصها.

بقلم

2020-06-03 13:05:21

03 يونيو 2020
Article image
مصدر الصورة: ناسا، إيسا، فريق إرث هابل (معهد علوم التلسكوبات الفضائية/ الاتحاد الجامعي للأبحاث الفلكية)، أ. نوتا (إيسا/ معهد علوم التلسكوبات الفضائية) وفريق ويسترلاند 2 العلمي.

ويسترلاند 2 هي تجمع نجمي حديث نسبياً يبلغ عمره نحو مليوني سنة، ويقع هذا التجمع على بعد 20,000 سنة ضوئية؛ حيث يمثل مختبراً فريداً من نوعه لدراسة عمليات تطور النجوم، لكونه قريباً نسبياً بالنسبة لكوكبنا الأرضي، ويافع للغاية، ويحتوي على أعداد كبيرة من النجوم.

وقد بدأ فلكيون -ممّن يستخدمون التلسكوب الفضائي هابل التابع لناسا- يكتشفون أن الكواكب لا تتشكل إلا بصعوبة بالغة في المنطقة المركزية المتقلبة لهذه المجموعة النجمية الضخمة والمكتظة. حيث كشفت دراسة لنجوم ويسترلاند 2 على مدى ثلاث سنوات باستخدام هابل أن الأقراص الجنينية المشكلة للكواكب حول النجوم قرب مركز المجرة خالية من سحب الغبار الضخمة والكثيفة على نحو غامض يدعو إلى التساؤل، وهي السحب التي يمكن أن تتحول إلى كواكب بعد بضعة ملايين من السنوات.

غير أن عمليات الرصد تبين أن النجوم على محيط المجموعة تمتلك في أقراصها سحباً غبارية ضخمة تصلح لتشكل الكواكب. ويعتقد الباحثون أن نظامنا الشمسي تشكل بنفس الطريقة منذ 4.6 مليار سنة.

إذن، لماذا تتباين نجوم ويسترلاند 2 من حيث قدرتها على تشكيل الكواكب؟

يبدو أن تشكل الكوكب يعتمد بشكل كبير على الموقع؛ حيث تقع أضخم نجوم المجموعة وأكبرها سطوعاً في المركز، وهو ما أكدته عمليات الرصد لمناطق أخرى لتشكل النجوم، ويحتوي مركز المجموعة على 30 نجماً هائلاً على الأقل، تصل كتلة بعضها إلى 80 ضعفاً من كتلة الشمس. تطلق هذه النجوم إشعاعاً شديداً من النطاق فوق البنفسجي ورياحاً نجمية عاتية أشبه بأعاصير من الجسيمات المشحونة، ما يؤدي إلى تبديد الأقراص حول النجوم المجاورة الأقل كتلة، وتشتيت سحب الغبار العملاقة.

إذا أردنا تفسير الوضع بشكل مبسط، يمكن القول إن النجوم العملاقة -إذا وُجدت- فإنها تؤدي بطاقتها الهائلة إلى تغيير خصائص الأقراص حول النجوم القريبة الأقل كتلة. قد يبقى القرص موجوداً، ولكن النجوم ستغير من تركيب الغبار في القرص، بحيث يصبح من الصعب أن تتشكل بنى مستقرة تؤدي في نهاية المطاف إلى ظهور الكواكب. ومن المعتقد أن الغبار يتبخر خلال مليون سنة، أو يتغير إلى حد كبير من حيث التركيب والحجم بحيث يصبح غير صالح لتشكيل كتل البناء الأولية للكواكب.

تمثل عمليات الرصد باستخدام هابل المرة الأولى التي يقوم فيها الفلكيون بتحليل مجموعة نجمية شديدة الكثافة لدراسة البيئات الأنسب لتشكل النجوم، غير أن العلماء ما زالوا يتجادلون حول ما إذا كانت النجوم الضخمة تُولَد في المركز أو تنتقل إلى هناك بعد ولادتها في مكان آخر. ومن الجدير بالذكر أن ويسترلاند 2 تحوي في نواتها نجوماً ضخمة، على الرغم من أنها نظام يافع نسبياً يبلغ عمره حوالي مليوني سنة.

باستخدام “كاميرا المجال الواسع 3” في هابل، قام الباحثون بدراسة حوالي 5,000 نجم في ويسترلاند 2، بكتل تتراوح ما بين 0.1 و5 أضعاف كتلة الشمس، وتبين لهم أن 1,500 نجم من هذه النجوم تبدي تقلبات في السطوع مع تراكم المواد على أقراصها؛ حيث إن المواد التي تدور حول النجم ضمن القرص تحجب شيئاً من سطوعه بشكل مؤقت، وهو ما يؤدي إلى تقلب في السطوع.

غير أن هابل اكتشف وجود هذه المواد فقط حول النجوم التي تقع خارج المنطقة المركزية المكتظة للمجموعة؛ فقد التقط التلسكوب خفوتاً بنسب كبيرة في السطوع لفترة تصل إلى 10 وحتى 20 يوماً لدى 5% من النجوم قبل أن تعود إلى سطوعها الطبيعي، ولكن هذا الخفوت لم يتم رصده في النجوم التي تقع على مسافة أربع سنوات ضوئية من المركز. يمكن أن تعود هذه التقلبات إلى كتل غبارية كبيرة تمر أمام النجم، ويمكن أن تكون هذه الكتل ضمن قرص مائل بوضعية شبه موجهة نحو الأرض. يعتقد العلماء أن هذه الكتل عبارة عن كويكبات جنينية (كواكب مصغرة)، أي الكتل التي تمثل بداية تشكل الكواكب، ويمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى نظام كوكبي أكثر تطوراً، وهي لا تتواجد قريبة من النجوم الهائلة، بل فقط في الأنظمة البعيدة عن المركز.

هابل غيّر قواعد اللعبة

بفضل هابل، يستطيع الفلكيون الآن رؤية تكتل المواد حول النجوم في البيئات المماثلة للكون في مراحله المبكرة، حيث كانت النجوم الهائلة تهيمن على المجموعات النجمية. وحتى الآن، تُعتبر منطقة ولادة النجوم في سديم الجبار (أوريون) أفضل بيئة قريبة بالنسبة لنا ومعروفة بوجود النجوم العملاقة، غير أن ويسترلاند 2 تمثل هدفاً أكثر غنى لأنها تحتوي عدداً أكبر من النجوم.

قدمت عمليات الرصد لويسترلاند 2 باستخدام هابل صورة أكثر وضوحاً حول كيفية تغير النجوم -على اختلاف كتلها- مع الزمن، وكيف يمكن أن تؤثر الرياح والإشعاعات الشديدة من النجوم الهائلة على النجوم القريبة الأقل كتلة وعلى أقراصها. وعلى سبيل المثال، فإن النجوم منخفضة الكتلة (مثل شمسنا) -التي تقع قرب نجوم هائلة في المجموعة- ما تزال تمتلك أقراصاً، وما تزال قادرة على مراكمة المواد مع نموها. ولكن بنية هذه الأقراص (التي تحدد قدرتها على تشكيل الكواكب) تبدو مختلفة للغاية عن الأقراص التي تتشكل حول النجوم في بيئات أكثر هدوءاً وأبعد عن مركز المجموعة، وهي معلومات هامة لبناء نماذج تشكل الكواكب وتطور النجوم.

ستمثل هذه المجموعة مختبراً هاماً لعمليات الرصد اللاحقة التي ستُجرى باستخدام التلسكوب الفضائي جيمس ويب التابع لناسا، وهو مرصد للأشعة تحت الحمراء. ساعد هابل الفلكيين على تحديد النجوم التي يحتمل أنها محاطة ببنى كوكبية. وباستخدام ويب، يمكن للباحثين أن يحددوا الأقراص المحيطة بالكواكب والتي لا تراكم المواد، والأقراص التي تحتوي على المواد التي يمكن أن تؤدي إلى تشكل الكواكب. وإن المعلومات المستخرجة حول النجوم المذكورة آنفاً (والتي يبلغ عددها 1,500) ستسمح للفلكيين برسم مسار لنمو وتطور الأنظمة النجمية. يمكن استخدام ويب أيضاً لدراسة التركيب الكيميائي للأقراص خلال المراحل التطورية المختلفة، ورصد كيفية تغيرها، ومساعدة الفلكيين على تحديد تأثير البيئات على عملية التطور.

ماذا بعد؟

تخطط ناسا لإطلاق تلسكوب آخر يعتمد على الأشعة تحت الحمراء، وهو التلسكوب الفضائي نانسي جريس رومان، وسيكون قادراً على إجراء هذه الدراسات على امتداد مناطق أكبر بكثير. ليست ويسترلاند 2 سوى جزء صغير من منطقة هائلة لتشكل النجوم، وتحتوي هذه المناطق الشاسعة على مجموعات نجمية من أعمار مختلفة وكثافات مختلفة. يمكن أن يستخدم الفلكيون نتائج رصد التلسكوب الفضائي رومان للبدء بنمذجة تأثير خصائص النجم -مثل كثافته أو الرياح التي يطلقها- على تطوره أو طبيعة النجوم التي تتشكل قربه. كما يمكن أن تقدم هذه الدراسات مزيداً من المعلومات حول تشكل الكواكب في البيئات العصيبة.

مرجع: http://dx.doi.org/10.3847/1538-4357/ab7372
دراسة زمنية للمجموعة النجمية اليافعة الضخمة ويسترلاند 2 باستخدام التلسكوب الفضائي هابل.


شارك