يُعتبر إنشاء هذه المادة الغريبة على متن محطة الفضاء الدولية إنجازاً تكنولوجياً كبيراً قد يساعد في حل الألغاز العميقة في الفيزياء.

2020-06-14 16:00:08

14 يونيو 2020
Article image
الخلية العلمية لمختبر الذرّة الباردة، يتم تبريد الذرّات المجاورة للسقف لتشكل تكاثف بوز-أينشتاين.
مصدر الصورة: ناسا

منذ مايو 2018، يوجد على متن محطة الفضاء الدولية جهاز بحجم ثلاجة صغيرة يسمى مختبر الذرّة الباردة سي إيه إل (CAL)K قادر على تبريد الذرّات في الفراغ إلى درجات حرارة تبلغ جزءاً من عشرة مليارات من الدرجة فوق الصفر المطلق [273.15 درجة مئوية تحت الصفر]. ويعتبر هذا الجهاز، من جميع النواحي، واحداً من أكثر النقاط برودة في الكون المعروف. ووفقاً لدراسة جديدة نُشرت في مجلة نيتشر، فإن العلماء قد استخدموا هذا الجهاز للتو في إنشاء حالة نادرة من المادة في الفضاء لأول مرة على الإطلاق.

تكاثفات بوز- أينشتاين، واختصاراً: بي إي سي (BECs)، وتسمى أحياناً الحالة الخامسة للمادة، هي عبارة عن سحابات غازية من الذرات التي تبدأ في التصرف مثل تجمُّع عوضاً عن التصرف كذرات منفردة. وقد تنبأ كلٌّ من أينشتاين وستيندرا ناث بوز لأول مرة بهذه التكاثفات منذ 95 عاماً، ولكن لم يرصد العلماء وجودها في المختبر إلا منذ 25 عاماً فقط.

وتتمحور الفكرة العامة عند تشكيل تكاثفات بوز-أينشتاين حول حقن الذرات (وهي ذرات الروبيديوم والبوتاسيوم في مختبر الذرة الباردة) ضمن غرفة شديدة البرودة لإبطاء حركتها. يتم بعد ذلك إنشاء مصيدة مغناطيسية داخل الغرفة مزودة بوشيعة مُكهرَبة، يتم استخدامها جنباً إلى جنب مع أجهزة الليزر وأدوات أخرى لتحريك الذرات إلى داخل سحابة كثيفة. يقول ديفيد أفلين، الفيزيائي في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا، والمؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة، إن الذرات في هذه المرحلة “تتماهى مع بعضها البعض نوعاً ما”.

ولإجراء التجارب باستخدام تكاثفات بوز-أينشتاين، يجب إيقاف تشغيل المصيدة المغناطيسية أو تحريرها. عندئذٍ، ستتمدد سحابة الذرات المزدحمة، وهو أمر مفيد لأن تكاثفات بوز-أينشتاين يجب أن تبقى باردة، والغازات تميل إلى انخفاض حرارتها عندما تتمدد. ولكن إذا تباعدت الذرات في تكاثف بوز-أينشتاين بشكل كبير، فإنها ستتوقف عن التصرف على هيئة تكاثف. 

وهنا يأتي دور الجاذبية الصغرى للمدار الأرضي الأدنى؛ فوفقاً لأفلين، إذا حاولنا زيادة حجم المصيدة على سطح الأرض، فإن الجاذبية ستسحب الذرات الموجودة في مركز سحابة تكاثف بوز-أينشتاين إلى أسفل المصيدة حتى تتسرب منها، ما يؤدي إلى تشوه التكاثف أو تدميره تماماً. أما في حالة الجاذبية الصغرى، فيمكن للأدوات الموجودة في مختبر الذرة الباردة أن تحافظ على الذرات معاً حتى مع زيادة حجم المصيدة. ويسمح ذلك بتشكيل تكاثفات أطول عمراً، التي بدورها تتيح للعلماء دراستها لفترة أطول مما يُمكِنهم على الأرض (بلغت مدة هذه التجربة الأولية 1.118 ثانية، رغم أن الهدف هو تمكين الباحثين من رصد السحابة لمدة تصل إلى 10 ثوانٍ). 

ديفيد ألفين يراقب مختبر الذرة الباردة في إطار اختبار الإعدادات في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا قبل إطلاقه إلى الفضاء.

وعلى الرغم من أن تجربة مختبر الذرة الباردة ليست إلا خطوة أولى، إلا أنها قد تفتح المجال يوماً ما لاستخدام تكاثفات بوز-أينشتاين في تشكيل ركيزة لتطوير أدوات فائقة الحساسية تستطيع رصد الإشارات الباهتة من بعض ظواهر الكون الأكثر غموضاً، مثل الأمواج الثقالية والطاقة المظلمة. ومن وجهة نظر عملية أكثر، يعتقد أفلين أن عمل الفريق يمكن أن يمهد الطريق لتصميم مستشعرات قصور ذاتي أفضل، ويضيف: “تتراوح التطبيقات من مقاييس التسارع وأجهزة قياس الزلازل إلى الجيروسكوبات”.

وفي هذه الأثناء، يُتاح للباحثين إجراء بعض التجارب في مختبر الذرة الباردة الذي يصفه أفلين بأنه نظام “مفاتيح لضبط الإعدادات”، لخلق ظروف فريدة لإجراء التجارب على الذرات. الآن بعد هذه التجربة، يعلم الفريق أنه يستطيع إنشاء تكاثفات بوز-أينشتاين في الفضاء، وتتمثل الخطوة التالية في تعديل الإعدادات لاكتشاف ما سيحدث للتكاثفات عند ضبط المفاتيح عند جميع الإعدادات الممكنة، إذا جاز التعبير.