Article image




يمكن أن يؤدي تسلسل الحمض النووي الرخيص للغاية إلى تعزيز فحوصات الكشف عن السرطان، والاختبارات السابقة للولادة، والأبحاث في المجالات الوراثية السكانية.

2020-03-03 13:43:12

02 مارس 2020

باستخدام التكنولوجيا التي تم تطويرها أصلاً في الولايات المتحدة، تقول مجموعة بي جي آي BGI الصينية العملاقة في مجال الجينات، إنها ستجعل تكلفة إجراء تسلسل الجينوم أرخص من أي وقت مضى، لتكسر حاجز المئة دولار للمرة الأولى. وتقول الشركة، التي تتخذ من مدينة شنجن مقراً لها، إن التكلفة المنخفضة ستكون ممكنة من خلال نظام “جامح” لتسلسل الحمض النووي تخطط الشركة لتقديمه ويمكنه فك تشفير الجينوم عند 100 ألف شخص سنوياً.

إن الادّعاء، الذي قدّمته الشركة مؤخراً في مؤتمر لتكنولوجيا الحمض النووي في مدينة ماركو آيلاند بولاية فلوريدا، يمكنه أن يزيد من حدة المنافسة بين مجموعة بي جي آي وشركة إلومينا Illumina، التي تتخذ من كاليفورنيا مقراً لها، والتي هيمنت أدواتها السريعة على ساحة تسلسل الجينات لأكثر من عقد من الزمن.
وتقول ستايسي جابرييل، مديرة برنامج الجينوم في معهد برود في كامبريدج بولاية ماساتشوستس: “أعتقد أن هناك بعض الشكوك الطبيعية حول حقيقة هذا الأمر”. وتضيف: “ولكن إذا كانت التكلفة 100 دولار بالفعل، فستكون أرخص بعدة أضعاف. لم يُحدث الأمر ضجة كبيرة لأنه لم يكن هناك إعلان كبير في مجال تسلسل الجينوم منذ بضع سنوات.”

وقد انخفضت التكاليف بشكل كبير منذ أن تم فك شفرة الجينوم البشري لأول مرة في عام 2003. فقبل عقد من الزمن، كانت تكلفة فك شفرة الجينوم لشخص الواحد تبلغ حوالي 50 ألف دولار. واليوم، تقدّر التكلفة (التي يعود معظمها للمواد الكيميائية) بحدود 600 دولار تقريباً بالنسبة لأكبر مراكز التسلسل.
وللوصول إلى تكلفة أكثر انخفاضاً، سيستخدم نظام مجموعة بي جي آي الجديد ذراعاً روبوتية، وغرفة كبيرة من أحواض المواد الكيميائية وآلات تصوير. وسيتم تقديم الخدمة بشكل مخصّص في وقت لاحق من هذا العام، للمراكز الكبيرة المشارِكة في رسم خرائط الحمض النووي لمجموعات كبيرة من الناس، أو في أبحاث السرطان فائقة الأداء.

ويقول رادي درماناتش، المدير العلمي في شركة كومبليت جينوميكس Complete Genomics، وهي قسم من مجموعة بي جي آي في سان خوسيه بولاية كاليفورنيا: “سيتم إعطاء الأولوية لهذه الأنظمة بالنسبة للمجالات الوراثية السكانية على نطاق واسع جداً، أي المشاريع التي تشمل ملايين الأشخاص”.

المنافسة الصينية

تأسست مجموعة بي جي آي قبل عقدين من الزمن، خلال مشاركة الصين في مشروع الجينوم البشري. منذ ذلك الحين، تحوّلت من معهد أبحاث يقوم بفك شفرة الحمض النووي عند حيوانات الباندا ونباتات الأرز، إلى تجمّع كبير ينشط في مجالات استنساخ الحيوانات والفحوصات الصحية والأبحاث التعاقدية.
وعلى الرغم من أن مجموعة بي جي آي لم تعلن عن أي عملاء لهذا النظام المعروف باسم DNBSEQ-TX، فإن ادّعاء تكلفة بمقدار 100 دولار قد يعيد ظهور المخاوف من أن الولايات المتحدة ربما تعثرت في ريادة هذه التقنية من خلال سماحها للشركة الصينية بشراء شركة كومبليت جينوميكس عام 2012.

كانت شركة كومبليت جينوميكس الناشئة تكافح بسعيها إلى الابتكارات التي يقدّمها درماناتش، وهو مهاجر صربي له تاريخ من الأفكار الذكية في مجال تسلسل الحمض النووي. لكن الشركة كانت بحاجة إلى المزيد من الاستثمار، ولم تستطع حتى الآن منافسة شركة إلومينا، لذلك قبلت عرض مجموعة بي جي آي للاستحواذ عليها بمبلغ منخفض يقدّر بنحو 120 مليون دولار.

في ذلك الوقت، حاولت شركة إلومينا تعطيل الصفقة، وشبّهتها ببيع الصين “وصفة سرّية”. وقدمت طلباً لوزارة التجارة تلتمس فيه منع الاستيلاء لأسباب متعلقة بالأمن القومي، مشيرةً إلى خطر حصول شركة أجنبية على بيانات الحمض النووي للأميركيين.

ومع ذلك، تمت الصفقة، على الرغم من محاولات شركة إلومينا “القضاء على أقرب منافسيها”، على حدّ تعبير المسؤولين التنفيذيين في مجموعة بي جي آي.
وتستمر الشركتان بالتنازع في الدعاوى القضائية بشأن براءات الاختراع. تتهم كل شركة منهما الأخرى باستخدام تكنولوجيا مسجّلة الملكية، وحتى الأسبوع الثالث من شهر فبراير، لم تعرض مجموعة بي جي آي بيع أدواتها في السوق الأميركية. لدى الشركة مجموعة حالية من أربعة نماذج للمنتجات، تصل تكلفتها إلى مليون دولار، ويتم بيعها من قبل شركة تابعة لها تدعى إم جي آي.

آلية العمل

يعمل التسلسل الحديث فائق السرعة بواسطة “التركيب”. أي أن جينوم الشخص يتم تقسيمه إلى مليارات القطع القصيرة من الحمض النووي ويوضع على سطح رقاقة. بعد ذلك، تتم إضافة أحرف كيميائية جديدة للحمض النووي، بحيث تقترن بهذه القطع. تقوم العملية بتكوين المقاطع بالتدريج، أو بتركيبها بالتدريج، ومطابقة شرائط المعلومات الوراثية.

ومن خلال الكشف عن الترتيب الذي تتم إضافة الأحرف وفقه، تقوم الآلات بتحديد تسلسل مليارات القطع تلك. ثم يتم تجميع البيانات مرة أخرى مع بعضها في جهاز حاسوبي لإنتاج خريطة كاملة لجينوم الشخص.

باستخدام نسختها الخاصة من التسلسل التركيبي، قدّمت شركة إلومينا ما أسمته “الجينوم بألف دولار” في عام 2014، وزعمت بعد ثلاث سنوات أن بإمكانها تخفيض الأسعار في نهاية المطاف إلى 100 دولار. لكنها لم تفعل ذلك بعد. وقال الرئيس التنفيذي فرانسيس دي سوزا للمستثمرين العام الماضي؛ إن الشركة كانت “تترقب الوقت المناسب حسب اعتقادنا”.

والآن، قد تكون مجموعة بي جي آي هي التي تحدّد الأسعار. ففي شهر فبراير، بدأت شركة نيبيولا جينوميكس Nebula Genomics، الناشئة التي تتخذ من بوسطن مقراً لها، بدعوة المستهلكين لإجراء التسلسل مقابل 299 دولاراً فقط. وكان السعر المنخفض لعرضها المسمى “الجينوم الشخصي” ممكناً لأن الشركة تشحن عينات المسحات المأخوذة من الخدّ إلى أحد مختبرات مجموعة بي جي آي في هونغ كونغ ليتم فك تشفيرها.

ويقول دينيس جريشين، أحد مؤسسي شركة نيبيولا: “على مدى السنوات الخمس الماضية، بقيت تكلفة تسلسل الجينوم عند عتبة 1,000 دولار. لا أعتقد أن ذلك بسبب الركود التكنولوجي، وإنما بسبب احتكار شركة إلومينا.”
تم التوصل إلى تخفيض التكلفة في نظام مجموعة بي جي آي باستخدام شريحة إلكترونية ضخمة بحجم صحن لعبة الفريسبي، والتي تبلغ المسافة بين عناصرها 500 نانومتر فقط، بالإضافة إلى استخدام ذراع روبوتية لتفريغ الشريحة في أحواض المواد الكيميائية التي يمكن إعادة استخدامها. يقول درماناتش: “نحصل على ضعف كمية الحمض النووي على السطح، وينقُص استخدام الكاشف بمعدل ثلاث مرات بسبب التغطيس”.

وليس لنظام النموذج الأولي قائمة أسعار لأنه “مصمم ليتم طلبه” من قبل أكبر المراكز الوراثية فقط. ويقول درماناتش إن استكمال العملية سيستغرق ثلاثة أيام كاملة، لكنه سيقوم بإجراء تسلسل يخص 700 جينوم في وقت واحد.

تسلسل غير محدود

ليس من المؤكد مدى الاهتمام الذي سيحظى به جهاز التسلسل الفائق الذي طوّره درماناتش. فوفقاً لجابرييل من معهد برود؛ لا يوجد الآن تمويل أو طلب في الولايات المتحدة بالنسبة لأي مركز ليقوم بإجراء تسلسل لمئة ألف جينوم سنوياً.
ومع ذلك، قد يتغير الأمر مع ظهور بعض المبادرات الكبيرة. فعلى سبيل المثال، ينوي مشروع ممول من قبل المعاهد الأميركية الوطنية للصحة يسمى «All of Us» إنشاء قاعدة بيانات صحية تحتوي على تسلسلات الجينوم عند مليون متطوع أميركي. وقد بدأت المملكة المتحدة بإجراء تسلسل لنحو 500 ألف شخص كجزء من برنامجها الوطني.

إذا أصبح تسلسل الجينوم أقل تكلفة، فقد يدفع إلى استخدام اختبارات دم جديدة للكشف المبكر عن السرطان، وقياسات البكتيريا المتعايشة في أمعاء الإنسان، وهي تطبيقات تعتمد أيضاً على تسلسل الحمض النووي عالي الأداء. وفي الصين، بدأ استخدام إصدارات من تقنية درماناتش لإجراء اختبارات ما قبل الولادة عند ملايين النساء.

يقول درماناتش: “في الصين، هناك 20 مليون مولود جديد كل عام. وسيقومون بفحص كل النساء الحوامل بسرعة كبيرة”. ويضيف: “أريد أن أدفع هذا الأمر إلى حد إجراء تسلسل غير محدود، لمليارات الأشخاص.”

تُعد مجموعة بي جي آي، التي تستخدم شعار “أوميكس للجميع” على موقعها على شبكة الإنترنت، حساسةً حيال النظر إليها في المقام الأول على أنها عملية صينية، الأمر الذي قد يصبح معقداً في نزاعات الأمن القومي والتجارة. (أوميكس: مصطلح باللغة الإنجليزية يشير إلى دراسة الكلمات البيولوجية المنتهية باللاحقة أوميكس، مثل جينوميكس، والذي يعني علم الجينات)
لكن درماناتش يقول إنه لا يشعر بالأسف لبيع شركة كومبليت جينوميكس لمجموعة بي جي آي، وهي شركة يقول بأنها تفكر على المدى الطويل وليس على المدى القصير.

ويقول: “أنا مواطن وعالِم في هذا العالَم وأناضل من أجل نمو العلوم”. ويضيف: “أنا سعيد حقاً لأننا اندمجنا مع مجموعة بي جي آي نظراً لطموحها في تقديم هذه التكنولوجيا للجميع. فهي ترغب بحل المشاكل الكبيرة التي يمكن أن يحلّها علم الجينوم، والسبيل الوحيد هو جعله في متناول الجميع بتكلفة ميسّرة.”


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.