Article image
رائد الفضاء كريس كاسيدي باحثاً عن التسريبات على متن محطة الفضاء الدولية.
مصدر الصورة: ناسا/ مركز جونسون الفضائي



يعلم رواد الفضاء مكان التسرب، والآن عليهم إصلاحه. وإذا لم يتم إصلاحه، فقد تحتاج المحطة إلى إمدادات جديدة من الهواء.

2020-10-04 13:07:32

04 أكتوبر 2020

في منتصف الليل منذ بضعة أيام، استيقظ ثلاثة رواد فضاء على متن محطة الفضاء الدولية إثر ورود اتصال طارئ من مركز التحكم الأرضي. تم إعلام الرواد بوجود ثقب في إحدى الوحدات على الجانب الروسي من المحطة، ما أدى إلى تسريب الهواء الثمين من هذه المحطة الفضائية -التي كلفت 150 مليار دولار- إلى الفضاء الخارجي. تم تكليف رواد الفضاء بمهمة تحديد موقع التسريب بدقة ومحاولة إغلاقه، فقد بدا أنه يتوسع بشكل مثير للذعر (وهو ما تبين لاحقاً أنه نتيجة قراءة خاطئة عُزيت إلى تغير درجة الحرارة في القمرة). غير أن هذا كان في الواقع خبراً جيداً.

فقد كانت محطة الفضاء الدولية تعاني من التسريب الهوائي لفترة تفوق السنة. اكتُشف هذا التسريب لأول مرة في سبتمبر، 2019، عندما لاحظت ناسا والوكالات الشريكة انخفاضاً طفيفاً في ضغط الهواء، وهي مشكلة لم تشكل أي خطر على طواقم المحطة. ولكن في أغسطس، وبعد أن لاحظت الطواقم الأرضية تفاقم التسريب، فُتح تحقيق خاص لتحديد المصدر ومعالجة المشكلة.

ومنذ ذلك الحين، أمضى رائد الفضاء الأميركي كريس كاسيدي ورائدا الفضاء الروسيان أناتولي إيفانيشين وإيفان فاجنر عدة عطل أسبوعية ضمن إحدى وحدات المحطة، مع إغلاق باقي كوات المحطة لإجراء قياسات ضغط الهواء في الوحدات الأخرى. بعد قضاء عدة عطل أسبوعية بهيجة على هذه الوتيرة، تبين لمركز التحكم الأرضي أن التسريب موجود في وحدة زفيزدا، وهي الوحدة المسؤولة عن دعم الحياة للجانب الروسي من المحطة، وهو ما أدى إلى إطلاق عملية البحث الأخيرة خلال سهرة يوم الإثنين. 

تخسر محطة الفضاء الدولية كمية صغيرة من الهواء على الدوام، وهو ما يتطلب ببساطة استبدال خزانات النتروجين والأكسجين أثناء بعثات الإمدادات المنتظمة. ولكن تفاقم التسريب يعني وجوب استبدال الخزانات في وقت أبكر من المتوقع. كما يعني أن فتحة التسريب أصبحت أكبر، وأنها ستكبر أكثر من ذلك ما لم تُعالج في وقت قريب.

قال سيرجي كريكاليوف، وهو المدير التنفيذي لبرنامج الفضاء الروسي المأهول، في تصريح متلفز: “هذه التسريبات متوقعة” “وما يحدث الآن هو تجاوز للتسريب المعتاد، وإذا استمر لفترة طويلة، فسوف نحتاج بطبيعة الحال إلى إمدادات إضافية من الهواء للمحطة”.

وللعثور على الموقع الدقيق للتسريب في زفيزدا لإصلاحه، يجب أن يمضي كاسيدي وزملاؤه بعض الوقت وهم يطوفون في الفضاء حول الوحدة مع أداة محمولة باليد تسمى كاشف التسرب بالأمواج فوق الصوتية، الذي يلتقط الترددات التي يصدرها تدفق الهواء الخارج من الثقوب والشقوق الصغيرة. يمكن للضجيج في المحطة أن يزيد من صعوبة كشف هذه الترددات، وقد يضطر الطاقم لمسح المناطق المحتملة أكثر من مرة لكشف المصدر بشكل فعلي. ترغب إحدى الشركات في تحسين هذه الطريقة عن طريق توظيف روبوت آلي يمكنه “الإصغاء” إلى التسريبات وكشفها في الزمن الحقيقي، دون الحاجة إلى المشاركة البشرية المباشرة. ما أن يتم كشف مصدر التسريب، سيقوم الفريق بإغلاقه بمجموعة أدوات تعتمد على مادة الراتنج الإيبوكسيدي.

يمكن للتسريبات أن تؤدي إلى خسارة مواد أخرى غير الأكسجين. فقد تعرضت محطة الفضاء الدولية من قبل إلى تسريبات في الأمونيا من دارات التبريد. وبما أن مادة الأمونيا سامة بالنسبة للبشر، فإن هذه التسريبات تستدعي التدخل الفوري، بما في ذلك عمليات تجوال فضائي إفرادي مطولة خارج المركبة الفضائية لكشف الثقوب في أنظمة التبريد وإصلاحها.

تبين هذه المشكلة المستمرة أن الأعطال لا تستثني حتى مركبة فضائية محمية وجيدة التصميم مثل محطة الفضاء الدولية. ومع تزايد عدد البلدان والشركات التي ترسل البشر أو البعثات المأهولة إلى المدار، قد تصبح هذه التسريبات حدثاً متكرراً واعتيادياً. فلن تكون كل مركبة فضائية مقاومة للأعطال والمشاكل مثل محطة الفضاء الدولية.

هناك بضعة أسباب هامة تؤدي إلى تكوّن التسريبات على مركبة فضائية. من أشهر تسريبات محطة الفضاء الدولية في الفترة الأخيرة التسريب الذي اكتُشف في أغسطس 2018، وهو عبارة عن فتحة بعرض مليمترين في المركبة الفضائية الروسية سويوز، التي كانت ملتحمة بمحطة الفضاء الدولية في ذلك الحين. ويبدو أن هذه الفتحة كانت نتيجة خطأ في التثقيب أثناء عملية التصنيع، على الرغم من أن وكالة الفضاء الروسية لم تُفصح عن أي تفاصيل إضافية. تحول لغز هذا التسريب إلى مادة مغرية لمؤيدي نظريات المؤامرة، غير أن حدوث هذا التسريب بفعل مثقب كان في الواقع من حسن الحظ؛ حيث إن ثقباً كهذا يتصف بالدقة والبراعة، وأقل عرضة من غيره للتشققات أو التوسع.

ولكن، عندما يظهر ثقب في محطة الفضاء الدولية من دون سبب واضح، فإن المشتبه الأول هو تصادم عشوائي مع نيزك ميكروي أو قطعة صغيرة من الحطام، بحجم بضعة مليمترات أو أقل. تندفع الأجسام في مدار الأرض بسرعات عالية للغاية. وعلى سبيل المثال، فإن محطة الفضاء الدولية تتحرك بسرعة وسطية تعادل 7.66 كيلومتر في الثانية، أي أكثر من 27,000 كيلومتر في الساعة. في حين أن بعض النيازك الميكروية تندفع في الفضاء بسرعة تفوق 32,000 كيلومتر في الساعة. وفي هذه السرعات العالية للغاية، فإن جميع الأجسام، حتى التي يقل عرضها عن سنتيمتر واحد، تستطيع اختراق الأجسام الأكبر منها بسهولة، وكأنها رصاصة تنطلق من فوهة مسدس. يمكن أن يؤدي هذا النوع من الحوادث العنيفة إلى شقوق أو أضرار في الهيكل، بشكل يمكن أن يمتد إلى الأجزاء المتبقية من هيكل المركبة الفضائية أو يخترق نظام التبريد بالأمونيا.

منظر لكاشف التسرب اللاسلكي بالأمواج فوق الصوتية على متن محطة الفضاء الدولية.
مصدر الصورة: ناسا/ شين كيمبرو/ مركز جونسون الفضائي

عادة ما تكون المركبات الفضائية ذات الضغط الداخلي المُكيّف، والمصممة عادة لأغراض الإقامة البشرية، أكثر عرضة لهذه المشاكل، بما أن الضغط الداخلي يضع عبئاً إضافياً على بدن المركبة. يقول إيجور تيليشيف، وهو مهندس في جامعة مانيتوبا في كندا وخبير في تصادمات المركبات الفضائية مع الحطام: “إن الشقوق أكثر عرضة للتأثر بعوامل الإجهاد المضافة. لا شك في أن الثقوب، بمختلف أحجامها، سيئة بالنسبة للمركبة الفضائية. غير أن الشق يمكن أن يبدأ بالانتشار عبر الهيكل، ويشكل خطراً بالنسبة لمتانته الكلية”.

يحاول المهندسون تصميم مركبة فضائية مزودة بدروع تستطيع تحمل أنواع معينة من التصادمات مع النيازك الميكروية والقطع الصغيرة من الحطام الفضائي. وبالنسبة لمحطة الفضاء الدولية، استخدموا ما يسمى درع ويبل (الذي يحمل اسم مخترعه، الفلكي الراحل من هارفارد فريد ويبل). وهو عبارة عن متلقي صدمات متعدد الطبقات يبعد قليلاً عن الجدار الأساسي من الجهة الخارجية للمركبة الفضائية. لا يقوم هذا الدرع بإيقاف النيازك الميكروية أو الحطام بشكل كلي، بل يقوم بدلاً من ذلك بتفتيت هذه القطع إلى سحابة من الجسيمات الصغيرة التي تنتشر على منطقة كبيرة، ولتمثل بالنتيجة خطراً أقل. وبالنسبة لجدار المركبة، ستتحول مواجهة رصاصة واحدة كبيرة إلى مواجهة مجموعة متناثرة من الخردق الصغير.

هناك عدة أنواع من درع ويبل، حيث يعزز بعضها بحشوة بين الطبقات من ألياف الكيفلار أو الخزف. أما محطة الفضاء الدولية نفسها فهي مزودة بأكثر من 100 نوع مختلف من دروع ويبل؛ حيث إن بعض المناطق أكثر عرضة لتصادمات النيازك الميكروية من غيرها.

ولكن، وكما يدل تاريخ المحطة مع التصادمات الميكروية، فإن الحماية التي توفرها دروع ويبل ليست مضمونة. ومن المرجح أن المركبات المأهولة والمحطات الفضائية المستقبلية، التي ستُصنع بتكلفة أقل بكثير من محطة الفضاء الدولية، ستكون أكثر عرضة للتسريبات الناتجة عن التصادمات مع كتل الحطام والجسيمات الصغيرة.

فعندما كانت المحطة قيد البناء لأول مرة منذ 20 سنة، لم يتوقع الكثير من الخبراء عدد الأجسام التي ستجوب مدار الأرض. غير أن المسار المتوقع لهذه المشكلة هو أنها ستتفاقم لا محالة، وذلك مع توسع الصناعة الفضائية وإطلاق البشر للمزيد من المركبات الفضائية نحو المدار أكثر من ذي قبل. يمكننا أن نبني درعاً يأخذ البيئة المتقلبة بعين الاعتبار، إلا أنه لا يمكن توقع كل شيء حول تراكم الحطام الفضائي في المستقبل، حتى باستخدام أفضل النماذج.

في فبراير، 2009، وقع حادث تصادم بين القمرين الاصطناعيين إيريديوم 33 وكوزموس 2251، ونتجت عن هذا التصادم كتلة كبيرة من الحطام الذي بدأ يدور حول الأرض. تم تحديد وتتبع أكبر القطع، غير أنه تم تجاهل القطع التي يقل طولها عن 10 سنتيمترات -التي ما تزال خطرة بالنسبة لجسم المركبة الفضائية- لتعبر الحيز الفضائي للمدار من دون أي تتبع. أثبت هذا التصادم أن الأحداث غير المتوقعة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم مشكلة حماية المركبات الفضائية إلى درجة كبيرة. يقول تيليشيف: “يمكن أن يؤدي أي حادث كبير إلى تغيير الأوضاع تماماً، وزيادة المخاطر بشكل كبير بالنسبة لأي مركبة فضائية في المدار. وقد يصبح ما نطوره اليوم غير كافٍ في المستقبل”.

يمكن أن يساعد التدريع على منع التسريبات، ولكن “يستحيل تجنب هذه المشكلة”، كما يقول تيليشيف. هذا يعني أن القدرة على عزل وإصلاح التسريبات بعد ظهورها بفترة قصيرة ستكون أكثر أهمية.

وبالنسبة لتيليشيف وغيره من الخبراء، فإن الحل الجذري قد يكمن في تحسين الأساليب المتبعة في إدارة الفضاء نفسه، وتخفيض تراكم قطع الحطام الكبيرة والصغيرة. ويقول: “إذا لم تبدأ حكومات العالم بالتعامل مع هذه المشكلة الآن، فإنها لن تزول من تلقاء نفسها لاحقاً”.

ما زال كاسيدي وزملاؤه يبحثون عن التسريب حتى وقت كتابة هذا المقال. من المفترض أن تنطلق بعثة إمدادات لمركبة سيجنوس من نورثورب جرومان قريباً، متبوعة ببعثة لمركبة كرو دراجون من سبيس إكس في 14 أكتوبر؛ وذلك لنقل ثلاثة رواد فضاء آخرين (اثنان منهم من روسيا) إلى محطة الفضاء الدولية. في خضم استقبال إمدادات وتجارب علمية جديدة، إضافة إلى الترحيب بالطاقم الجديد، لن يُتاح الكثير من الوقت للبحث عن التسريب على مدى الأسابيع القليلة المقبلة؛ ولهذا فإن حجم الضغط على رواد الفضاء سيزداد مع مرور الوقت، وربما يتوجب القول إنه سينقص!